مَنْ سَلَكَ فِي إِعَارَةِ الْكِتَابِ طَرِيقَ الْبُخْلِ وَضَنَّ بِهِ عَمَّنْ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ قَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: الْبُخْلُ بِالْعِلْمِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ قَضَاءٌ لَحَقِهِ وَمَعْرِفَةٌ بِفَضْلِهِ، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا أَتَاهُ رَجُلٌ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ عِلْمًا، أَوْ يَسْتَعِيرُ مِنْهُ كِتَابًا امْتَحَنَهُ فَإِنْ وَجَدَهُ أَهْلًا لَهُ أَعَارَهُ وَإِلَّا مَنَعَهُ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعِيرَهُ وَعْدَهُ وَرَدَّدَهُ، فَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ وَلَمْ يَضْجَرْ أَعَارَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ كُفِيَ أَمَرَهُ وَعَلِمَ أَنَّهَا خَطْرَةٌ بِقَلْبِهِ خَطَرَتْ، وَشَهْوَةٌ كَاذِبَةٌ عَرَضَتْ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا تُعِرْ كِتَابَ عِلْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَاعْتِبَارُكَ ذَلِكَ بِأَنْ تَسْتَقْرِيهِ الْكِتَابَ الَّذِي طَلَبَهُ، فَإِنْ قَرَأَهُ قِرَاءَةً صَحِيحَةً فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ قِرَاءَتَهُ فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَا تُعِرْهُ، وَكَانَ يَقُولُ: مِنْ حَقِّ الْعِلْمِ إِعْزَازُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تُعِرْ كِتَابًا إِلَّا بَعْدَ يَقِينٍ بِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ ذُو عِلْمٍ وَدِينٍ، وَفِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ تَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنْ غَيْرِ أَهْلِهِ
[ ١٤٦ ]
مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَصْرِيُّ، بِمَكَّةَ وَبِبَغْدَادَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سَهْلٍ الْعِجْلِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي الْعَيْزَارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ، صلّى الله ⦗١٤٧⦘ عليه وسلم: «لَا تَطْرَحُوا الدُّرَّ فِي أَفْوَاهِ الْكِلَابِ» قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ: أَظُنُّهُ يَعْنِي الْعِلْمَ
[ ١٤٦ ]
وَأَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعُلَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُفِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى هُوَ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،: قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ،: قَالَ الْأَعْمَشُ: لَا تَنْثُرُوا اللُّؤْلُؤَ تَحْتَ أَظْلَافِ الْخَنَازِيرِ، يَعْنِي الْحَدِيثَ
[ ١٤٧ ]
كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو الطَّيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَعْفَرِيُّ مِنَ الْكُوفَةِ، يَذْكُرُ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مَعْبَدٍ الْمُقْرِئُ أَخْبَرَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ النَّحْوِيُّ الْبَرِيدِيُّ، قَالَ: قَالَ الْمُبَرِّدُ: أَتَى الْأَصْمَعِيَّ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ، فَكَتَبَهُ لَهُ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ عَادَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّ ذَلِكَ الْقِرْطَاسَ الَّذِي كَتَبْتَهُ لِي سَقَطَ مِنِّي فَأَكَلَتْهُ الشَّاةُ، فَأُحِبُّ أَنْ تَكْتُبَ لِي غَيْرَهُ ثَانِيًا، فَكَتَبَ لَهُ: وَكَتَبَ مِنَ الْمُنْسَرِحِ
[البحر المنسرح]
قُلْ لِبُغَاةِ الْآدَابِ مَا وَصَلَتْ مِنْهَا إِلَيْكُمْ فَلَا تُضَيِّعُوهَا
ضَمِّنُوا عِلْمَهَا الدَّفَاتِرَ وَالْحِبْرَ بِحُسْنِ الْكِتَابِ أَوْ عُوهَا
إِنِ اشْتَرَيْتُمْ يَوْمًا لِأَهْلِكُمُ شَاةً لَبُونًا فَلَا تُجِيعُوهَا
فَإِنْ عَجَزْتُمْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَفٌ يُشْبِعُهَا عِنْدَكُمْ فَبِيعُوهَا
رَأَى بَعْضُ الْحُكَمَاءِ رَجُلًا يَبْتَذِلُ كِتَابًا فَقَالَ لَهُ: بَيَّنْتَ عَنْ نَقْصِكَ، وَبَرْهَنْتَ عَنْ جَهْلِكَ، فَمَا أَهَانَ أَحَدٌ كِتَابَ عِلْمٍ إِلَّا لِجَهْلِهِ بِمَا فِيهِ، وَسُوءِ مَعْرِفَتِهِ بِمَا يَحْوِيهِ، وَرَأَى آخَرُ رَجُلًا قَدْ جَلَسَ عَلَى كِتَابٍ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَصُونُ ثِيَابَهُ وَلَا يَصُونُ كِتَابَهُ، لَصَونُ الْكِتَابِ أَوْلَى مِنْ صَوْنِ الثِّيَابِ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ إِذَا سَأَلَهُ إِنْسَانٌ أَنْ يُعِيرَهُ كِتَابًا قَالَ: أَرِنِي كُتُبَكَ فَإِنْ وَجَدَهَا مَصُونَةً مَكْنُونَةً، أَعَارَهُ، وَإِنْ رَآهَا مُغْبَرَّةً مُتَغَيِّرَةً مَنَعَهُ،
[ ١٤٧ ]
وَقِيلَ: مَنْ أَعَارَ كِتَابَ عِلْمٍ غَيْرَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَدْ جَهَلَ حَقَّ الْعِلْمِ وَأَضَاعَهُ، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْتُبُ عَلَى ظُهُورِ كُتُبِهِ الَّتِي يُعِيرُهَا: يَا رَبِّ مَنْ حَفِظَ كِتَابِي فَاحْفَظْهُ وَمَنْ أَضَاعَهُ فَلَا تَحْفَظْهُ، وَكَتَبَ آخَرُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ أَضَاعَ كِتَابَ عِلْمٍ، وَكَتَبَ آخَرُ: الْكِتَابُ أَمَانَةٌ وَهُوَ حَقِيقٌ بِالصِّيَانَةِ، وَكَتَبَ آخَرُ: أَكْرَمَ اللَّهُ مَنْ أَكْرَمَكَ وَرَدَّكَ كَمَا تَسَلَّمَكَ، وَكَتَبَ آخَرُ: كِتَابِي أَعَزُّ شَيْءٍ عَلَيَّ وَإحْسَانُكَ إِلَيْهِ إِحْسَانُكَ إِلَيَّ
[ ١٤٨ ]
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَيْوَيْهِ الْخَزَّازُ، قَالَ: أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، قَالَ: أُنْشِدْتُ مِنَ الْخَفِيفِ:
[البحر الخفيف]
أَيُّهَا الْمُسْتَعِيرُ مِنِّي كِتَابًا إِنْ رَدَدْتَ الْكِتَابَ كَانَ صَوَابَا
أَنْتَ وَاللَّهِ إنْ رَدَدْتَ كِتَابًا كُنْتَ أُعْطِيتَهُ أَخَذْتَ كِتَابَا
[ ١٤٨ ]
قَرَأْتُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ أَحْمَدِ بْنِ عَلِيٍّ التَّوَّزِيِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ التَّوَّزِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ يَسْتَعِيرُ مِنْهُ كِتَابًا، فَأَعَارَهُ وَقَالَ لَهُ: لَا تَكُنْ فِي حَبْسِكَ لَهُ كَصَاحِبِ الْقِرْبَةِ، قَالَ: لَا، وَلَا تَكُنْ أَنْتَ فِي ارْتِجَاعِكَ لَهُ كَصَاحِبِ الْمِصْبَاحِ، قَالَ: لَا وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ هَذَيْنِ أَنَّ رَجُلًا اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ قِرْبَةً عَلَى أَنْ يَسْتَقِيَ فِيهَا مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَرُدُّهَا، فَاسْتَسْقَى فِيهَا سَنَةً ثُمَّ رَدَّهَا إِلَيْهِ مُتَخَرِّقَةً، وَأَمَّا الْآخَرُ فَإِنَّ رَجُلًا ضَافَهُ ضَيْفٌ مِنَ النَّهَارِ، فَاسْتَعَارَ مِنْ جَارٍ لَهُ مِصْبَاحًا لِيُسْرِجَهُ لِضَيفِهِ فِي اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ أَتَاهُ وَطَالَبَهُ بِرَدِّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَعَرْتَنِي مِصْبَاحًا لِلَيلٍ أَوْ لِلنَّهَارِ؟ قَالَ: لِلَيلٍ، قَالَ: فَمَا دَخَلَ اللَّيْلُ، قَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ: وَأَعَارَ رَجُلٌ رَجُلًا كِتَابًا وَقَالَ لَهُ: لَا تَكُنْ كَصَاحِبِ السُّلَّمِ، قَالَ: وَمَا مَعْنَى ذَلِكَ؟ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ يَسْتَعِيرُ مِنْهُ سُلَّمًا، فَقَالَ لَهُ: مَا أُطِيقُ حَمْلَهُ، قَالَ:، سُبْحَانَ اللَّهِ، وَهَلْ أُكَلِّفُكَ حَمْلَهُ؟ أَنَا أَحْمِلُهُ، قَالَ: صَدَقْتَ أَنْتَ تَحْمِلُهُ وَلَا تَرُدُّهُ، فَأَحْتَاجُ إِلَى أَنْ أَجِيءَ وَأَحْمِلَهُ، قَالَ: وَسَأَلَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يُعِيرَهُ كِتَابًا، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: خُذْ مِنِّي رَهْنًا، فَقَالَ: مَنْ وَجَبَ أَنْ يُسْتَرْهَنَ عَلَى عِلْمٍ فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يُعَارَ،
[ ١٤٨ ]
قَالَ: وَسَأَلَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يُعِيرَهُ كِتَابًا فَقَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ أَنْ لَا أُعِيرَ كِتَابًا إِلَّا بِرَهْنٍ، قَالَ: فَهَذَا كِتَابٌ اسْتَعَرْتُهُ مِنْ فُلَانٍ فَأَتْرُكُهُ رَهْنًا عِنْدَكَ، فَقَالَ أَخَافُ أَنْ تَرْهَنَ كِتَابِي، كَمَا رَهَنْتَ كِتَابَ غَيْرِي
[ ١٤٩ ]
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ، قَالَ: أَنْشَدَنَا مُحَمَّدَ بْنَ خَلَفِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ: أُنْشِدْتُ:
[البحر الرجز]
أَعِرِ الدَّفْتَرَ لِلصَّاحِبِ بِالرَّهْنِ الْوَثِيقِ
إِنَّهُ لَيْسَ قَبِيحًا أَخْذُ رَهْنٍ مِنْ صَدِيقِ
اسْتَعَارَ رَجُلٌ مِنْ أَبِي حَامِدٍ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الْأَسْفَرَائِينِيُّ الْفَقِيهُ كِتَابًا، فَرَآهُ أَبُو حَامِدٍ يَوْمًا وَقَدْ أَخَذَ عَلَيْهِ عِنَبًا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ سَأَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُعِيرَهُ كِتَابًا، فَقَالَ تَأْتِينِي إِلَى الْمَنْزِلِ، فَأَتَاهُ فَأَخْرَجَ الْكِتَابَ إِلَيْهِ فِي طَبَقٍ وَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ، فَاسْتَنْكَرَ الرَّجُلُ ذَلِكَ، وَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو حَامِدٍ: هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي طَلَبْتَهُ، وَهَذَا طَبَقٌ تَضَعُ عَلَيْهِ مَا تَأْكُلُهُ فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ ذَنْبِهِ
[ ١٤٩ ]
قَرَأْتُ فِي كِتَابِ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ التَّوَّزِيِّ، سَمَاعَهُ مِنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: " اسْتَعَارَ رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ كِتَابًا، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَيْهِ بَعْدَ حِينٍ مُتَكَسِّرًا مُتَغَيِّرًا، عَلَيْهِ آثَارُ الْبُزُورِ وَغَيْرِهِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعِيرَهُ غَيْرَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَحْسَنْتَ ضِيَافَةَ الْأَوَّلِ فَنُضِيفَكَ الثَّانِي قَالَ: وَاسْتَعَارَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ كِتَابًا بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَدَّهُ مَعَ غُلَامٍ لَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: لَيْسَ مِنْ حَقِّ الْعِلْمِ أَنْ يُمَكَّنَ مِنْهُ غَيْرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْكَرَامَةُ فِي رَدِّهِ كَالْكَرَامَةِ فِي أَخْذِهِ، وَإِنَّكَ لَمَّا أَخَذْتَهُ بِنَفْسِكَ وَجَبَ أَنْ تَرُدَّهُ بِنَفْسِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي أَنْفَذْتُهُ مَعَهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى الْمَالِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَالِ وَلَيْسَ كُلُّ مُؤْتَمَنٍ عَلَى الْمَالِ يُؤْتَمَنُ عَلَى الْعِلْمِ، وَالْمَالُ يَعْرِفُ قَدْرَهُ كُلُّ أَحَدٍ؛ فَهُوَ يَصُونُهُ وَيُعَظِّمُهُ، وَلَيْسَ الْعِلْمُ كَذَلِكَ، وَلَمْ يُعِرْهُ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ لِمُسَافِرِ بْنِ الْحَسَنِ أَحَدِ أُدَبَاءِ خُرَاسَانَ مِنَ الْوَافِرِ:
[البحر الوافر]
أَجُودُ بِجُلِّ مَالِيَ لَا أُبَالِي وَأَبْخَلُ عِنْدَ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ
وَذَاكَ لِأَنَّنِي أَنْفَقْتُ حِرْصًا عَلَى تَحْصِيلِهِ شَرْخَ الشَّبَابِ
[ ١٤٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْعَلَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ الْقَرْمِيسِينِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَابَنْدَاذَ، حَدَّثَنِي أَبُو ضِيَاءَ بِشْرُ بْنُ يَحْيَى الْقُتَبِيُّ، حَدَّثَنِي بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ، قَالَ: أَعَارَنِي رَجُلٌ مِنْ وُجُوهِ بَنِي هَاشِمٍ بِالْبَصْرَةِ دَفْتَرًا، فَضَاعَ، فَتَفَجَّعَ لِذَلِكَ، فَاعْتَذَرْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ مِنَ الْمُنْسَرِحِ:
[البحر المنسرح]
يَا مَالِكًا مَا تَزَالُ رَاحَتُهُ تُعْطِي الْمَعَالِيَ وَتَبْسُطُ النِّعَمَا
هَبْ لِمُقِرٍّ بِالذَّنْبِ مُعْتَرِفٍ بِوَاسِعِ الْعَفْوِ مِنْكَ مَا اجْتَرَمَا
أَعَرْتَهُ دَفْتَرًا تَضِنُّ بِهِ فَخَانَهُ الدَّهْرُ فِيهِ فَاصْطَلَمَا
إِعْظَامُكَ الْعِلْمَ إِذْ فُجِعْتَ بِهِ يَزِيدُ عِنْدِي خَطِيئَتِي عِظَمَا
ذَكَرَ أَبُوالْحُسَيْنِ بْنُ التَّوَّزِيِّ أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَنْشَدَهُ مِنَ الْوَافِرِ:
[البحر الوافر]
أَجَلُّ مَصَائِبِ الرَّجُلِ الْعَلِيمِ مَصَائِبُهُ بِأَسْفَارِ الْعُلُومِ
إِذَا فَقَدَ الْكِتَابَ فَذَاكَ خَطْبٌ عَظِيمٌ قَدْ يَجِلُّ عَنِ الْعَظِيمِ
وَكَمْ قَدْ مَاتَ مِنْ أَسَفٍ عَلَيْهَا أُنَاسٌ فِي الْحَدِيثِ وَفِي الْقَدِيمِ
[ ١٥٠ ]