تلقى الحديث وغيره من شيوخ بلده ومصره بالسماع منهم، وفيهم كثرة بالغة
جدا وكان أول سماعه الحديث من أحد شيوخ الحنابلة بمصر، وهو أبو عبد الله
محمد بن حمد بن حامد الأنصاري، الأرتاحى الأصل، المصري المولد والدار،
المتوفى بمصر سنة ٦٠١، قال المنذري في ترجمته في "التكملة" ٢: ٧٢
برقم ٩٠٠: "وهوأول شيخ سمعت منه الحديث بإفادة والدي ﵁، وأجاز
لي في شهررمضان المعظم سنة ٥٩١، وسمعت منه قبل ذلك ".
وكان بالقرب من بيتهم مسجد يعرف بمسجد الوزير ابن الفرات، يؤم به
_________________
(١) (ا) هذه الترجمة على طولها وشمولها خلها مستفاد ومقتبس من كتاب الأخ العلامة المحقق الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف: "المنذري وكتابة التكملة لوفيات النقلة، المطبوع في العراق بمطبعة الأداب في النجف عام ١٣٨٨= ٩٦٨ ١. فجزاه الله خيرا، وقد عزا فيه كل نقل فيها إلى مصدره، فمن أراد الوقوف على المصادر فليعد إليها هناك.
[ ٢٠ ]
شيخ حنبلي صالح، هوأبوالثناء محمود بن عبد الله بن مطروح المصري المقرىء
المؤدب، فقرأ عليه المنذري القران مدة.
وحضر في هذا المسجد أيضا على الإمام أبي محمد عبد الغني بن
عبد الواحد المقدسي الحنبلي المشهور، المتوفى بالمسجد المذكور سنة ٦٠٠،
وأجازه في رجب من سنة ٥٩٦.
وتلقى في محيط الجامع العتيق مسجد عمرو بن العاص: القران الكريم
بالقراء ات السبع، وتفقه بفقه الإمام الشافعي ﵁. ودرس علم العروض
وغيره من العلوم التي كانت تعمر بها حلق هذا الجامع العتيد وهذه الدوحة المباركة
في مدينة الفسطاط.
ثم رحل إلى الإسكندرية عدة مرات، وسمع من كبار شيوخها والقادمين
عليها، وكتب بها عن جماعة من العلماء ذكرهم وترجم لهم في كتابه "التكملة".
وجال في بلاد أخرى من القطر المصري، فدخل ثغر دمياط وسمع به، ومدينة
المنصورة وسمع بها، وبلبيس وسمع بها، وكتب عن شيوخها، وبلدة سمنود،
ورحل إلى الصعيد المصري، فدخل مدينة قنا وسمع بها وكتب، ومدينة قوص،
ودهروط، وغيرها.
وسافر إلى مدينة غزة وبلاد الشام وقراها، وبيت المقدس مرات متعددة. وهذا
يدل على كثرة ترحاله إلى بلدان العلم والعلماء، والاهتمام بتلقي الحديث عنهم.
ولاتساع رحلاته وكثرة تطوافه في البلاد كثرت شيوخه كثرة وافرة، ومن أبرز
شيوخه في بلده مصر الذين تاثر بهم وانتفع بصحبتهم: الإمام الحافظ المحدث
المتقن الضابط، الجامع لفنون من العلم، أبوالحسن علي بن المفضل المقدسي
الإسكندري، المولود سنة ٥٤٤، والمتوفى سنة ٦١١، فقد لازمه المنذري ملازمة
تامة، وقرأ عليه، وكتب عنه، وقال: انتفعت به انتفاعا كبيرا.
وكان هذا الشيخ حاذقا لجملة من العلوم، فاقتبسها المنذري منه معرفة
[ ٢١ ]
وحذاقة وضبطا ودقة؛ فهو من حسنات الإمام الجليل ومن الباقيات الصالحات من
اثاره الطيبة.
وشيوخة المصريون فيهم كثرة بالغة، ليسر لقائهم وقرب انتقاله إليهم، ففي
تعدادهم طول طويل، وكان ينتقي الشيوخ الماهرين ويتقصدهم ليكسب المهارة
منهم، كما يمر بالشيوخ العلماء فيستفيد منهم ويكتب عنهم، فما قصر في جنب
الرحلة والاستفادة من شيخ وعالم، وذلك مما يدل على شدة نهمه العلمي واتساع
أفقه الذهني، وقوة تمكنه من فرز ما يتلقاه، فيخرج منه ما يرتضيه، ويدع منه
ما لا يرتضيه، شأن العالم القدير الناقد الناخب لما يحصله ويسمعه.
وإلى جانب الكثرة البالغة التي لقيها من شيوخ العلم، استجاز ممن لم يتمكن
من لقائهم بالمراسلة والمكاتبة، فكانوا في عداد شيوخه ومفيديه، فاستجاز من
البغداديين -إذ لم يرحل إلى بغداد -، ومن الدمشقيين زيادة على من لقيهم فيها،
ومن علماء البلدان الذين لم يقدر له لقاؤهم ومشافهتهم. وسمع الحديث وكتبة من
النساء المحدثات العالمات.
ومن أبرز شيوخه الذين لقيهم وتلقى عنهم في دمشق: المحدث المسند
أبوحفص عمر بن محمد بن معمر البغدادي الدارقزي المؤدب، المعروف
بابن طبرزذ -وطبرزد -، المولود سنة ٥١٦، والمتوفى سنة ٦٠٧، فقد كان هذا
الشيخ من المكثرين في التلقي عن الشيوخ، وتفرد بالرواية عن غير واحد منهم،
قال المنذري: لقيته بدمشق، وسمعت منه كثيرا من الكتب الكبار والأجزاء
والفوائد. . . وطبرزد: اسم
لنوع من السكر.
ومن أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم في دمشق أيضا: تاج الدين أبو اليمن
زيد بن الحسن بن زيد الكندئ، البغدادئ المولد والمنشأ، الدمشقي الدار والقرار
الإمام النحوئ العالم الأديب، المولود سنة ٥٢٠، والمتوفى سنة ٦١٣، وقد عمر
هذا الشيخ طويلا، فانفرد باشياء من القراءات والمسموعات، وتميز بمزايا من
العلوم، قال المنذري: وكان أحد البارعين في علم الأدب، وانتهى التقدم فيه إليه.
[ ٢٢ ]
ومن شيوخه البارزين الذين لقيهم بدمشق أيضا: الحافظ المحدث أبو الحسن
علي بن المبارك الواسطي البرجوني، المقرىء الفقيه الشافعي، المعروف
بابن باسوية، المولود سنة ٥٥٦، والمتوفى سنة ٦٣٢، فقد كان من كبار المحدثين
وكبارالقراء، وممن شدت إليه الرحال، فتلقى عنه الحديث وغيره مما تميز به من
العلوم.
ومن شيوخه البارزين الذين تخرج بهم في دمشق أيضا: الإمام الفقيه البارع
الواسع الموفق ابن قدامة الحنبلي، أبومحمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي
الجماعيلي، المولود سنة ٥٤١، والمتوفى سنة ٦٢٠، وقد كان هذا الشيخ خزانة
الفقه الإسلامي بمذاهبه واختلافات المجتهدين فيه.
ومن شيوخه البارزين الذين لقيهم في بلاد الشام أيضا: الإمام العالم العلامة
الأديب المؤرخ الرحالة النسابة البلداني، أبوعبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي
الحموي، المتفنن المتقن الثقة الضابط الأمين، المولود سنة ٥٧٤، والمتوفى سنة
٦٢٦. وهناك شيوخ كبار اخرون كثيرون، لقيهم المنذري في بلاد الشام، لا أطيل
بذكرهم روما للاختصار.
ورحل المنذري إلى الحرمين الشريفين، بغية الحج إلى بيت الله تعالى
وزيارة منازل الوحي الشريف، وبنية لقاء علماء الحرمين والعلماء الواردين عليهما
من بقاع الإسلام، وكان ذلك منه في سنة ٦٥٦، وسمع في هذه الرحلة من علماء
الحجاز، ومن علماء كثيرين من أقطار العالم الإسلامي الذين حجوا في هذا العام،
فكان له من ذلك مزيد كثرة في الشيوخ، ومزيد وفرة في العلم وتلقيه عن رجاله،
من مختلف الأصقاع، وسمع وكتب وأوعب عن الشيوخ في ذهابه وإيابه وقراره في
الحرمين.
وعاد إلى بلده مصر في سنة ٦٥٧، وأمضى معظم حياته في فسطاط مصر
والقاهرة، وهناك تولى الإمامة بالمدرسة الصالحية، والتدريس بالجامع الظافري،
ثم ولي مشيخة دار الحديث الكاملية، التي انقطع بها قرابة عشرين عاما إلى اخر
حياته، ومات فيها.
[ ٢٣ ]
ولم يقتصر المنذري على السماع من شيوخ الحديث، بل كتب الكثير عن
العلماء، وعلق عنهم الفوائد، سواء كانوا محدثين أم أدباء أم شعراء أم صوفية
أم غيرهم من أهل عصره، وقد ذكر من ذلك جملة صالحة في كتابه "التكملة"،
وأغلبهم كتب عنهم بمصر والقاهرة والمنصورة، أو البلدان القريبة من هذه المدن
الكبرى، أو استجاز منهم.
ولم يقتصر المنذري في تحصيله على السماع واللقاء، بل كاتب العلماء
واستجاز منهم من البلدان المختلفة، فكان له شيوخ إجازة كثيرون، كما له شيوخ
سماع كثيرون، وكان هناك ناس يقومون بحمل الإجازات من بلد إلى اخر، قال في
"التكملة" ص ٣٢٢، في ترجمة أبي الحسن علي بن النفيس البغدادي الإجازاتي،
المعروف بابن النفيس، المتوفى بالقاهرة سنة ٦٤٠:
"وسعى في حمل الإجازات للناس، من بغداد إلى الإسكندرية سنين. وقال
جمال الدين أبوحامد بن الصابوني فيه أيضا: كان يسافر من بغداد إلى الإسكندرية،
مترددا في أخذ خطوط الشيوخ للناس في الإجازات المسيرة على يده، ليس له
"حاجة ولا بضاعة إلا ذلك، وما له قصد سوى الإفادة، وبقي على هذا الأمر سنين،
فجزاه الله خيرا".
وكان الزملاء في الطلب والرفاق في الرحلة، يتفقون على أن ياخذ كل واحد
منهم الإجازات من شيوخ بلده، ويبعث بها إلى صاحبه وزميله في البلد الاخر،
استكثارا من الشيوخ ومن ربط الصلة بينهم وتوسيع المعرفة بهم.
وقد كان المستجيز يستجيز الشيخ عدة مرات، ليكون له الحق في رواية أكبر
عدد ممكن من روايات الشيخ المجيز، وهكذا كان يفعل المنذري ﵀
تعالى.
ولم يكتب للمنذري الرحلة إلى بغداد كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فاستجاز
من كثير من شيوخها ومحدثيها الكبار والمغمورين، ابتداء من سنة ٥٩٣، وما زال
يستجيز إلى اخر حياته، حتى بلغ عدد شيوخه البغداديين بالإجازة أزيد من ٣٣٥
[ ٢٤ ]
شيخ وشيخة، وأكثرهم مذكورون في كتابه "التكملة"، وبلغ عدد شيوخه
الدمشقيين الذين استجاز منهم - غير الذين لقيهم وتلقى عنهم - أزيد من ١٣٥
شيخ وشيخة، وبينهم علماء أعلام ومحدثون وفقهاء وشعراء.
واستجاز من شيوخ بلدان أخرى، كانوا في مصر أو الإسكندرية أو ما يتصل
بهما أو يبعد عنهما، من علماء حران، والرها، وحلب، والموصل، واربل،
وخرسان، وهمذان، وأصبهان، ومن علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة، والقادمين
عليهما والمجاورين بهما، وغيرها، حتى استجاز من بعض علماء الأندلس، فاستجاز
من حافظ بلنسية محدث الأندلس وبليغها أبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي
الأندلسي البلنسي الخطيب، المولود سنة٥٦٥، والمتوفى شهيدا سنة ٦٣٤، فبلغوا
أزيد من ٩٢ شيخا، فكان عدد شيوخه بالإجازة قرابة ٦٠٠ شيخ.
واستجاز من الشيخات العالمات في البلاد التي لم يرحل إليها، وما فرط في
سماع أو إجازة استطاع الوصول إليها منهن، استكثارا من ربط نفسه بقافلة خدمة
سنة النبي ﷺ، فاستجاز من ابنة الحافظ السلفي بالإسكندرية، ومن عدد كبير من
الشيخات البغداديات، ومن شيخات أصبهان ونيسابور وهمذان ودمشق وحران.
توليه مشيخة دار الحديث الكاملية:
حكم الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب:
البلاد المصرية قرابة أربعين عاما، كان في النصف الأول منها نائبا عن والده، ثم
استقل بها بعد وفاة والده سنة٦١٥ حتى وفاته سنة٦٣٥.
وكان الملك الكامل ممن عني بالعلم أتم عناية، فقد طلبه لنفسه، وسمع
الحديث ورواه، وكان يحب العلماء ويحضرهم مجلسه في كل أسبوع، ويلقي
عليهم المشكلات من المسائل، ويتكلم معهم، وتكلم على صحيح مسلم بكلام
مليح ولفظ فصيح، وكان معظما للسنة النبوية وأهلها، راغبا في نشرها والتمسك
بها.
ونتيجة لهذا الاهتمام بالعلم وحمت السنة النبوية، أسس "دار الحديث
[ ٢٥ ]
الكاملية" في خط (بين القصرين) من القاهرة سنة ٦٢١، ووقفها على المشتغلين
بالحديث النبوي الشريف، ثم من بعدهم على فقهاء الشافعية، وجعل فيها منازل
يسكن فيها الطلبة والمدرسون، وجعل فيها خزانة كتب.
وكان أول من أسس دارا للحديث هو الملك نور الدين الشهيد، المتوفى سنة
٥٦٩ رحمه الله تعالى، أسسها بدمشق، ثم تلاها تاسيس دور للحديث في بلدان
أخرى، فدار الحديث الكاملية ليست هي ثاني دار للحديث اسست كما وهم
بعض العلماء في ذلك.
وتولى المنذري مشيخة دار الحديث الكاملية، بعد وفاة شيخها الأول:
أبي الخطاب عمر بن الحسن المعروف بابن دحية الكلبي الأندلسي ثم القاهري،
المتوفى سنة ٦٣٤، وبعد أخيه أبي عمرو عثمان بن الحسن شيخها الثاني، فكان
المنذري شيخها الثالث، وكان قد بلغ بين علماء عصره وزاد على الخمسين نحو
ثلاث سنين، فولاه الملك الكامل شياخة هذه الدار الحديثية.
فانقطع بها وسكنها إلى اخر يوم من حياته، نحو العشرين سنة) عاكفا على
التصنيف والتحديث والإفادة والتخريج، فما كان يخرج منها إلا لصلاة الجمعة،
حتى إنه لما مات أكبر أولاده الحافظ رشيد الدين محمد سنة ٦٤٣، صلى عليه فيها،
وشيعه إلى باب المدرسة، وقال له: أودعتك يا ولدي الله تعالى،
وفارقة (١) .