أما جهود العلماء المحدثين من الصحابة ومن تبعهم في حفظ السنة النبوية فإنها جهود مباركة ضخمة، وقعت مصداقا لقوله جل وعلا في سورة الحجر ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١ ولقوله جل وعلا: في سورة التوبة: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٢ ومصداقا لقوله ﷺ في حديث أخرجه الإمام أحمد في المسند٣ وأبو داود في السنن٤ والترمذي في الجامع٥ وابن ماجه٦ والدارمي٧ في سننيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نضر الله امرأً سمع مني حديثا فحفظه، حتى يبلغه فرب مبلغ أحفظ له من سامع" قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى (في مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة): "هذا الحديث متواتر"٨. وقال في تدريب: "روي من ثلاثين صحابيا". وقال الشافعي رحمه الله تعالى: "فلما ندب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته، وحفظها، وأدائها دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة، على من أدى إليه، وأن ما يؤدى عنه حلال يؤتى، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ، ويعطى، ونصيحة في دين، ودنيا". أخرج الإمام نصر المقدسي في كتاب الحجة على ترك المحجة بسنده عن أبي الدرداء ﵁ قال رسول الله ﷺ: "من غدا أو راح في طلب سنة مخافة أن تندرس كان كمن غدا أو راح في سبيل الله ومن كتم علما علمه الله إياه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار" وأخرج عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا
_________________
(١) ١ الحجر ٩ ٢ التوبة ١٢٢ ٣ مسند الأمام أحمد ١/٤٣٧، ٣/٢٢٥، ٤/٨٠، ٤/٨٢، ٥/١٨٣ ٤ سنن أبي داود العلم ١٠ ٥ الترمذي العلم ٧ ٦ ابن ماجه المقدمة ٨ ٧ الدارمي المقدمة ٢٠ ٨ ص٦
[ ١٠١ ]
ظهرت البدع في أمتي وشتم أصحابي فليظهر العالم علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". ومن هنا كانت تلك الجهود الضخمة والمباركة التي كانت فريدة في نوعها، وعزيزة في وجودها ولا يوجد لها مثيل في سائر الأمم الماضية، يقول الدكتور اسبر نكر أحد علماء الألمان البارزين فيما نقل عنه العلامة المحدث المباركفوري في سيرة البخاري قال: "إن علم أسماء الرجال اختصت به هذه الأمة الإسلامية دون سائر الأمم، وإنه مفخرة كبيرة للمسلمين، وثورة علمية هائلة جُمِعَت لهم من أسلافها، وميدان خضم ولهم في ذلك أقدام راسخة". قلت: هكذا يمجد هذا المستشرق هذا العلم الشريف وهو بكلامه هذا يقضي على جميع الشبه التافهة التي أوردها أعداء السنة النبوية حديثا، وقديما، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الجامع الصحيح في كتاب العلم، باب الخروج في طلب العلم: "ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد". وأشار رحمه الله تعالى بهذا التعليق إلى الحديث رواه في كتاب الأدب المفرد في باب المعانقة ص ٣٣٧ من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "بلغني من رجل من أصحاب النبي ﷺ سمعه من رسول الله ﷺ، فاشتريت بعيرا، ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت نعم.. فخرج عبد الله بن أنيس فاعتنقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من النبي ﷺ فخشيت أن أموت، أو تموت قبل أن أسمعه فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله الناس يوم القيامة عراة، غرلا، بُهْمًا، قلنا ما بهما؟ قال: ليس عليهم شيء، فينادهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة" يعني لا يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار إلا بعد تصفية الحساب. قال الحافظ في الفتح بعد إيراد حديث جابر هذا ورحلته إلى عبد الله بن أنيس: "وفي هذا الحديث ما كان عليه الصحابة من الحرص على تحصيل السنن النبوية قال الخطيب البغدادي في رسالته القيمة (الرحلة في طلب الحديث) بإسناده عن أبي عثمان النهدي قال: "بلغني عن
[ ١٠٢ ]
أبي هريرة حديث أنه قال: إن الله ليكتب لعبده بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فحججت ذلك العام، ولم أكن أريد الحج إلا للقائه في هذا الحديث فأتيت أبا هريرة،فقلت: يا أبا هريرة بلغني عنك حديث فحججت العام ولم أكن أريد الحج إلا لألقاك، قال: فما هو؟ قلت إن الله ليكتب لعبده المؤمن الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فقال أبو هريرة: ليس هكذا قلت: إنما قلت إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة، ثم قال: أو ليس في كتاب الله تعالى ذلك؟ قلت: كيف؟ قال: لأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ والكثير عند الله أكثر من ألفي ألف وألف ألف" اهـ وقال الخطيب أيضا في هذه الرسالة بإسناده الطويل: "عن عطاء بن أبي رباح قال: خرج أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة ابن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ، فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو أمير مصر، فأخبر به فعجل فخرج إليه فعانقه، وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب قال حديث سمعته من رسول الله ﷺ ولم يبق أحد سمعه غيري وغيرك في ستر المؤمن قال: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ستر مؤمنا في الدنيا ستره الله يوم القيامة" فقال له أبو أيوب: صدقت ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعا إلى المدينة". قلت: هكذا نجدهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين حريصين أشد الحرص على حفظ السنة وصيانتها، ثم قال الخطيب بإسناده عن عبد الله بن بريدة: "إن رجلا من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر، فقدم عليه، فقال: إني لم آتيك زائرا ولكن سمعت أنا وأنت حديثا من رسول الله ﷺ رجوت أن يكون عندك منه علم قال: فما هو؟ قال كذا وكذا". وساق الحديث، وهكذا نجد سيد التابعين وعالم المدينة الإمام سعيد بن المسيب، كما قال الإمام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية قال مالك عن يحي بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: "كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد". قال الحافظ الإمام ابن أبي حاتم الرازي الحنظلي في مقدمة الجرح والتعديل في ترجمة أبيه الإمام أبي حاتم الرازي عند ذكر رحلته في طلب الحديث قال ابن أبي
[ ١٠٣ ]
حاتم: "سمعت أبي يقول: أول ما خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، لم أزل أحصي فلما زاد على ألف فرسخ تركته، وأما ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصى كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، خرجت من البحر من قرب مدينة (سلا) إلى مصر ماشيا، ومن مصر إلى الرملة ماشيا، ومن الرملة إلى بيت المقدس ماشيا، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية إلى طرسوس ثم رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بقي عليَّ شيء من حديث أبي اليماني، فسمعته، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت إلى الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل ومن النيل إلى الكوفة كل ذلك ماشيا هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة أجول سبع سنين، خرجت من الري سنة ٢١٣هـ، في شهر رمضان، ورجعت سنة ٢٢١هـ"، هكذا نجدهم رحمهم الله تعالى في رحلاتهم، وسفراتهم يتنقلون راجلين يقطعون آلاف من الأميال والفراسخ لحفظ سنة رسول الله ﷺ. وهذا الدارقطني صاحب السنن يعلن في بغداد في الأسواق والشوارع: "يا أهل بغداد لا يمكن لأحد منكم أن يكذب على رسول الله ﷺ ما دمت حيا". وهذا أبو حامد الشرقي صاحب كتاب الصحيح وهو تلميذ نجيب للإمام مسلم النيسابوري كانت حياته كلها حاجزة بين الكذب على رسول الله ﷺ، وهذا أبو زكريا يحي بن معين نودي في جنازته بصوت عال مرتفع هذا الذي كان يذب الكذب عن رسول الله ﷺ، وهذا الجبل الناطح الإمام البارع أبو عبد الله أحمد بن حنبل وقف وقفة رائعة مثالية في الدفاع عن السنة النبوية أمام أكبر حكومة كانت على وجه الأرض حتى قال الإمام ابن حبان البستي فيما نقل عنه الحافظ بن حجر في التهذيب: "أغاث الله تعالى به أمة محمد ﷺ". وهذا البخاري صاحب الصحيح الذي اتسم كتابه بأصح الكتب بعد كتاب الله تعالى قال الحافظ في مقدمة الفتح قال: "وراقة محمد بن خراش يقول: سمعت أحيد بن حفص يقول: دخلت على إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته
[ ١٠٤ ]
فقال: لا أعلم من مالي درهما من حرام، ولا درهما من شبهة". ثم قال الحافظ: "حكى وراقة أنه ورث من أبيه مالا جليلا، وكان يعطيه مضاربة، فقطع له غريم خمسة وعشرين ألفا، فقيل له: استعن بكتاب الوالي فقال: إن أخذت منهم كتابا طمعوا، ولن أبيع ديني بدنياي، ثم صالح غريمه على أن يعطيه كل شهر عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله". ثم قال الحافظ: "ومات إسماعيل ومحمد صغير، فنشأ في حجر أمه، ثم حج مع أمه، وأخيه أحمد، وكان أسن منه فأقام بمكة مجاورا، يطلب العلم، ورجع أخوه أحمد إلى بخارى، فمات بها". روى نمنجار في تاريخ البخاري واللالكائي في شرح السنة في باب كرمات الأولياء منه: "أن محمد بن إسماعيل ذهبت عيناه في صغره، فرأيت والدته الخليل إبراهيم في المنام، فقال لها: يا هذه رد الله على ابنك بصره بكثرة دعائك قال: فاصبح وقد رد الله عليه بصره"، قال الفربري: "سمعت محمد بن أبي حاتم وراق البخاري يقول: سمعت البخاري يقول: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قلت: كم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ الناس، سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت يا أبا الزبير: لم يرو عن إبراهيم١، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل، إن كان عندك؟ فدخل فنظر فيه، ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير وهو ابن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم، وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت، قال: فقال له إنسان ابن كم حين رددت عليه فقال: ابن إحدى عشرة سنة". قلت: هذه الرواية تدل على عظمة الرجل العظيم في الإسلام في هذه السن المبكرة يوجهه الله تعالى إلى أن يقف هذا الموقف العظيم من معرفة الرجال الذين نقلوا إلينا هذا العلم الشريف، وكان لما ورث من أبيه من مال حلال أثر عظيم في تربيته، وتنشئته ثم قال الحافظ: "قال البخاري: فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء يعني أصحاب الرأي قال: ثم خرجت مع أمي وأخي إلى الحج".
_________________
(١) ١ كذا في الأصل
[ ١٠٥ ]
قلت: فكان أول رحلة على هذا سنة عشر ومائتين ولو رحل أول ما طلب لأدرك ما أدركته أقرانه من طبقة عالية وإن كان أدرك ما قاربها كيزيد بن هارون، وأبي داود الطياليسي، ثم قال: "فلما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين، ثم صنفت التاريخ في المدينة عند قبر النبي ﷺ" وقال: "وكنت أكتبه في الليالي المقمرة". قال: "وقل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت أن يطول الكتاب" ثم ذكر الحافظ رحلة البخاري في طلب الحديث، تلك رحلة عظيمة تعطينا فكرة أصيلة عن اهتماهم البالغ، وسعيهم الحثيث لحفظ سنة رسول الله ﷺ فهذه جهود فردية قام بها هؤلاء رحمهم الله تعالى في هذا الميدان العظيم وأما الجهود الجماعية فإنها جهود كبيرة شامخة لا يتسع لها هذا الوقت وأرجو أن أوفق لها إن شاء الله في حلقة قادمة.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٠٦ ]