٢- مكانتها ومنزلتها من التشريع الإسلامي.
٣- ذكر بعض الجهود الضخمة التي قام بها العلماء المحدثون من الصحابة
[ ٨٧ ]
والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين في حفظها، وصيانتها، وذكر بعض نماذج السير لرجالها الذين كانوا حماتها وحفاظها.
أما معنى السنة لغة: فهي على وزن فعلة بمعنى مفعولة، وجمعها السنن، قال العلامة الإمام ابن الأثير: "قد تكرر في الحديث ذكر السنة، وما تصرف منها، والأصل فيها الطريقة، والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع، فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ، ونهى عنه، وندب إليه قولا، وفعلا مما لا ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال: في أدلة الشرع الكتاب والسنة. أي القرآن والحديث". وقال أيضًا: "ويجوز أن تكون من سننت الإبل إذا أحسنت رعيتها، والقيام عليها، ومنه الحديث: "أنه نزل المحصب، ولم يسنه" - أي لم يجعل سنة يعمل بها، وقد يفعل الشيء لسبب خاص لا يعم غيره"١ قلت: ورد هذا المعنى اللغوي في الأحاديث الكثيرة منها حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "رمل رسول الله ﷺ وليس بسنة" - أي أنه لم يسنه لكافة الأمة، ولكن لسبب خاص وهو أن يرى المشركين قوة أصحابه، وهو مذهب ابن عباس وحده من الصحابة، وغيره يرى أن الرمل في طواف القدوم سنة٢. ومنها حديث أخرجه الإمام مالك في موطئه عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عمر قال: "لا أدري ما أصنع بالمجوس، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: "أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ٣. فالمقصود أنها تطلق على الطريقة سواء كانت حسنة أو قبيحة كما جاء في حديث أخرجه مسلم في الصحيح والنسائي في السنن والإمام أحمد في المسند من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه مرفوعا: "من سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها"٤. ومنها حديث أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا، ذراعا ذراعا
_________________
(١) ١ النهاية لابن الأثير ١/١٨٦ ٢ أخرجه الأمام أحمد في المسند ١/٢٢٩ وأبو داود في السنن، المناسك (٥٠) . ٣ فتح الباري ٦/٣٦١ وانظر مسند الحافظ أبي يعلى برقم ٤٥٦ والموطأ الزكاة (٤٢) ٤ مسلم العلم (١٥) النسائي الزكاة (٦٤) مسند الإمام أحمد ٤/٣٥٧
[ ٨٨ ]
حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم، قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ "١.
وبهذا المعنى اللغوي جاء به كتاب الله تعالى كقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ ٢ وقال تعالى في سورة الحجر حاكيا عن الكفار الذين لا يؤمنون بهذا القرآن قال: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ ٣ وقال جل وعلا في سورة الإسراء: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ ٤ وقال عز من قائل في سورة الكهف: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ ٥. قال جل وعلا في سورة الأحزاب: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ٦. وقال أيضًا في سورة الأحزاب: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ٧. وقال جل وعلا في سورة فاطر: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ٨ وقال أيضا في سورة غافر: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ ٩ وقال جل وعلا في سورة الفتح: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ١٠ وقال في سورة آل عمران: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ١١ وقال في سورة النساء: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١٢ فكلمة السنة الواردة في هذه الآيات الكريمات بمعناها اللغوي، وهو الطريقة، والسيرة، وقد اقتصرت على نقل هذه الكلمة من
_________________
(١) ١ البخاري: الاعتصام بالسنة (١٤) ٢سورة الأنفال رقم الآية (٣٨) ٣ سورة الحجر رقم الآية (١٣) ٤ سورة الإسراء رقم الآية (٧٧) ٥ سورة الكهف رقم الآية (٥٥) ٦ سورة الأحزاب رقم الآية (٣٨) ٧ سورة الأحزاب رقم الآية (٦٢) ٨ سورة فاطر رقم الآية (٤٣) ٩ سورة غافر رقم الآية (٨٥) ١٠ سورة الفتح رقم الآية (٢٣) ١١ سورة آل عمران رقم الآية (١٣٧) ١٢سورة النساء رقم الآية ٢٦ ومسلم العلم (٦)
[ ٨٩ ]
الكتاب الكريم والسنة النبوية لكونهما منبعا أصيلا، ومنهلا عذبا لأخذ العلوم كلها.
[ ٩٠ ]