• الخطوة الثالثة: أن تلوح قرائنُ تدل على أن الجرح والتعديل قد صدر من قائله بغير إنصاف، بسبب غُلُوِّ المحبّةِ أو غُلُوِّ العداوة، فيكون حُكمًا لاغيًا لا وزن له.
حيث إن أئمة الجرح والتعديل وإن كانوا أئمةَ الورعِ والنزاهةِ وأعظمَ الناس إنصافًا؛ إلا أنهم بشرٌ ليسوا بمعصومين، وقد يستولي الهوى على القلب، ويلتبس الحق بالباطل في النفس، فتجتمع شهوةٌ وشُبهة: فتجعل الشهوةُ الشبهةَ دليلا، وتجعل الشبهةُ الشهوةَ حميةً للدين وصدعًا بالحق، وحينها:
- لا تكون الشهوةُ شهوةً خالصةً، والشهوةُ الخالصة هي التي ما أسهلَ أن يفضحها الورعُ، فيحمي من الوقوع فيها الوازعُ الإيمانيُّ لدى العدول.
- ولا تكون الشُّبهةُ شُبهةً شاذّةً منفردة، والشبهةُ الشاذّةُ هي التي ما أسرع أن ينفيها العقلُ عن الدليل، ويُدرك أنها أجنبيةٌ عنه تماما، فيُقصيها العقلُ عن ساحة النظر البرهاني.
وإنما تكون مزيجًا مختلطًا بين هذا وهذا: شُبهة بشهوة، في ساعةِ ضعفٍ بشرية، فتزلّ حينئذٍ القدم الثابتة، وتتزلزل النفس المطمئنّة. والإنسانُ ضعيف، ما أسرع ما يميل به هوى، وما أقرب ما تخطفه شبهة! مهما تَحَفّظَ بالتقوى، واعتصم بالإيمان، فالزلّةُ البشرية جزءٌ من تكوينه، لا ينجو منها إلا من عصمه الله تعالى.
ولئن قيل «حُبُّكَ الشيء: يُعْمي ويُصِمّ»، فإن بُغْضَك الشيء
[ ٥٢ ]
يطمس الحواسّ ويضرب على القلب:
وعينُ الرّضا عن كلِّ عيبٍ كَليلةٌ … ولكنَّ عينَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا
ومع ذلك فإن أئمة الجرح والتعديل كانوا مضرب المثل في القدرة على الانتصار على هوى النفس غالبًا في هذه المعارك النفسيّة، إذْ كانوا من أقوى الناس على هزيمة دواعي الهوى وعَتادِه من الشُّبهات. كما أنه مما ساعد على تمييز الحكم الجائر عن طريق الإنصاف وتفريقه عن الحكم المنصف الغالب على حال أحكام أئمة الجرح والتعديل: أنها في غالب الأحوال أحكامٌ صادرةٌ من أئمة متعدّدين، كلهم من أهل الاجتهاد في الحكم على الرواة، وليست أحكامًا لفردٍ واحدٍ منهم لا تُعرف أحوال الرواة إلا من طريقه. وتزداد هذه الميزة ظهورًا بتعدُّدِ أعصارهم وبلدانهم أيضًا، وباختلاف مشاربهم ومذاهبهم ومصالحهم ورغباتهم ومخاوفهم؛ ولذلك: لئن قَوِيَتْ أسبابُ الزلل عند واحدٍ منهم، فَتَعثَّرَ حُكْمُه في وَهْدةِ غُلُوٍّ في المحبة أو اشتطاطٍ في العداوة، على خلاف عادته في رَدْمِه وَهْداتِ الباطل وصَدِّه جيوشَ الشُّبهة والشهوة وفي كَسْرِه النفسَ السَّبْعِيّة، فإن أسباب الزلل تلك ستضعف أو تزول تمامًا عند عشراتٍ من العلماء سواه؛ لأنهم لم يقعوا تحت ضغوطها أصلا، فقالوا الحقَّ وحكموا بالعدل.
فانظر إلى إنصافهم في قواعد علمهم ومجال تطبيقاتهم
[ ٥٣ ]
وأحكامهم الجزئية:
- من مثل إنصافهم أهلَ البدع، مهما غَلُظَتْ بِدَعُهم، ما داموا مُسْلِمينَ متأوِّلين: فحكموا بعدالتهم ورأوا الحجةَ لازمةً بنقلهم، ما لم يرووا حديثًا منكرًا يؤيِّدون به بدعتهم المقطوع ببطلانها.
- ومن مثل طعنهم في أقرب الناس إليهم، إذا كانوا أهلا للطعن، دون محاباة: كالأب، والابن، والأخ، والصديق، ووليّ الإحسان.
أما متى نحكم بخروج الناقد عن معهودِ إنصافِه، ومتى نُسقط الجرحَ أو التعديل الصادرَينِ ممن الأصلُ قَبولُ جرحه وتعديله بحجة أنهما صدرا بغير موضوعيّةِ العلم وعَرِيَّينِ عن حِيادِهِ وإنصافِ ميزانه = فذلك الحكم والإسقاط يرجع إلى يقينٍ أو إلى ظنٍّ غالب:
فنقطع بحصول ذلك من الناقد:
- إذا ما كان جَرْحُه متوجِّهًا إلى من استفاضت ثقته واشتهرت وثبتت، حتى تيقَّنَّا ذلك: كمن جرح إمامًا من أئمة السنّة.
- وإذا ما كان تعديلُه متوجِّهًا إلى من استفاض تضعيفُه واشتهر وثبت، حتى قطعنا بجرحه: كمن وثَّق أحدَ مشاهير الكذبة الدجّالين.
ويغلب على الظن إسقاطُ الجرح والتعديل عن استحقاق الاعتبار إن لاحت قرائن تدل على ذلك:
وقاعدة القرائن في ذلك: هي أن ينفرد الجارحُ بجرحه في
[ ٥٤ ]
مقابل ثناءٍ كثيرٍ مِن غيره، قد لا يصل الثناءُ درجةَ الاستفاضة القاطعة، لكنه يقترب منها. أو العكس: فينفرد المعدِّل بثناءٍ وتعديلٍ في راوٍ تَكَاثَرَ جارِحُوهُ بجارح، قد لا يصل جرحُه حدَّ اليقين، لكنه يفيد غلبة الظن.
وهذه القاعدة وحدها لا تكفي لرمي الجارح أو المعدِّل بعدم الإنصاف، وإن كَفَتْ في ردِّ قوله غالبا؛ إذْ قد نَرُدّ الجرحَ أو التعديل أو نُرجّحُ عليه ضدَّه على أنه اجتهادٌ خطأٌ وَوَهَمٌ من الناقد، ولا يلزم من ردِّ جرح أو تعديل أن يكون سبب الردِّ هو أنه حُكْمٌ صَدَرَ بغير إنصاف.
لكن إن انضمَّ إلى تلك القاعدة قرينةٌ أخرى تُرشِّحُ اختلالَ ميزانِ الإنصاف المحايد، عندها يمكن إلحاقُ القول الجارح أو المعدِّل بما لا وزن له من الجرح والتعديل، بغلبة الظن التي استفدناها من مجموع تلك القرائن.
ومن هذه القرائن:
١ - عِلْمُنا بوجود سببٍ يؤثّر على الإنصاف في عادة الناس: كالعداوة الشخصية، والعداوة العقائدية، أو التعصُّبِ على المذهب، أو له، أو كعاطفةِ القرابة بالمحبة، أو الخضوعِ للإحسان ولأَسْرِ قُيودِ الإنعام.
٢ - مجازفة عبارة الجرح والتعديل، وغُلُوّ المادح أو الذام، وخروج العبارة عن حدّ الاعتدال مدحًا أو ذمًّا، حتى لو كانت في جانب الصواب (كمبالغة في مدح ممدوحٍ وتعديلِ ثقة) أو في جانب الخطأ (كمبالغةٍ في جرح ضعيفٍ وفي
[ ٥٥ ]
القدح في عدالة مردود)، فللخطأ غير المقصود علامات وحدود، فإن تجاوزها صار قريبًا من التعمّد.
باجتماع إحدى هاتين القرينتين مع قاعدة هذا الفصل، وهي ظهور خطأ الحكم بالجرح أو التعديل (كما سبق): سيغلب على الظن أن الجرح كان بغير إنصاف وأن التعديل لم يُوزن بميزان الاعتدال.
أما بغير تحقق هذه القرائن: فيبقى الأصل على أصله، وهو حمل كلام الناقد على الاجتهاد المنصِف: سواء أقبلناه منه ورجَّحناه، أو رَدَدْناه ورَجَّحْنا غيرَه عليه؛ فليس سببُ كل خطأ في حكمٍ هو عدمَ الإنصاف، ولا يقتصر تفسير مرجوحيةُ قولٍ على حَيْفِ مجازفته، بل هذا خلاف الأصل في أحكام النقاد: أصابوا، أم أخطؤوا. فكما ينشأ الصواب في كلام النقاد عن اجتهاد، فالغالب في منشأ الخطأ منهم عن الاجتهاد أيضَا.
وبذلك تعلم أن قاعدة (كلام الأقران يطوى ولا يروى) ليست على إطلاقها، وأنها لا تصحّ إلا في حالة ما أن تلوح قرائنُ تدل على وجود سببٍ لعدم الإنصاف. وإلا فإن المعاصرَ والقرين أَولى بمعرفة حال من عاصره ممن تأخر عنه غالبًا، فلو توقفنا عن كلام كل قرين في قرينه نكون بذلك قد أهدرنا أحد أقوى أحكام النقاد على الرواة.
[ ٥٦ ]