• تعريفُ العدالة (على الإطلاق): مَلَكَةٌ تحمل صاحبَها على مُلازمةِ التقوى والمروءة.
شرحُ التعريف:
المَلَكَة: السَّجِيَّة.
وتعريف العدالة بتلك الملَكة ليس عليه انتقادٌ في نظري؛ لأن تعريفَ العدالة بذلك ليس هو تعريفَ العَدْلِ، فمن كانت له تلك الملَكة لا يلزم من اتِّصافِه بها أن يكون معصومًا، فقد يخالف صاحبُ الملَكةِ مَلَكَتَهُ أحيانًا، وقد يتجاوز ذو السَّجِيَّةِ سجِيَّتَهُ، وكما قيل في بيان ذلك: «لكلّ جوادٍ كَبْوَةٌ، ولكلّ سيفٍ نَبْوَةٌ». وعليه: فإنّي لا أرى أن هناك فرقًا بين تعريفِ العدل بصاحب تلك الملَكة وتعريفِه بأنه: من كان الغالبُ عليه فِعْلَ الطاعات وتَرْكَ المعاصي، أو بأنه: مَن غَلَبَ خيرُه شرَّه.
ثم إن الملَكاتِ (والسَّجايا) تتفاوت في القوة والتَّمَكُّنِ، فليس كل من كان الجودُ سجيتَه بلغ مبلغَ حاتم الطائي، ولا كل من كانت التقوى والمروءة ملكةً له بلغ مبلغ أبي بكر وعمر ﵄. وهذا هو مقتضى اعتقاد أهل السنة والجماعة: بأن الإيمان يزيد وينقص، وأن أصحابه فيه متفاوتون.
[ ٨ ]
- والتقوى: هي الدافع الإيماني الذي يجعل المتَّصِفَ به متقرِّبًا لله تعالى بفعل الطاعات وتَرْكِ المحرّمات وسرعةِ الأوبة بعد الغفلات.
وأما المُتَّقي: فهو من غَلَبَ أثرُ إيمانه على أعمال قلبه وجوارحه، فكان غالبُ حاله طاعةَ الله تعالى والتقرُّبَ إليه.
- والمقصود ب (المروءة) هنا معناها الخاص: وهي التزامُ صفات أهل العقل الراجح وسمات أهل التقوى التي تخضع للعُرْفِ المكاني والزماني.
إذِ الأمرُ قد يكون في أصله مباحًا أو صغيرةً من الصغائر التي لا تكفي وحدها لنفي العدالة، ورغم ذلك فقد يَخْرِمُ ذلك المباحُ أو الذنبُ الصغيرُ مروءةَ الشخص، ويمنع وَصْفَه بالعدالة، وذلك إذا ما كان ذلك المباحُ أو تلك الصغيرةُ من خصائص الفُسّاق أو من السمات الغالبة على أهل السَّفَهِ (نقص العقل) في عُرفٍ من الأعراف.
ولكي أُقرِّب المعنى للمعاصرين: تخيّل أنك رأيت موظَّفًا يَدخُل دائرةَ عملِه بإزارٍ فقط، لا يَستُر إلا ما بين السرة والركبة، فإنه سوف يغلب على ظني أن فاعلَ ذلك ليس من أهل المروءة، مع أنه لم يفعل محرّمًا، حيث إنه قد ستر عورته؛ لأن ذلك المظهر لا يفعله في عرفنا شخصٌ عاقل.
وأما تعريف (المروءة) بالمعنى العام: فهي التزامُ صفاتِ أهلِ العقلِ الراجِحِ وسِماتِ أهلِ التقوى، مطلقا.
فالمروءةُ (بمعناها العام) أعمُّ من التقوى، وخوارمُ المروءة
[ ٩ ]
أعمُّ من أسباب الفسق؛ فالمروءة بمعناها العام: يكون فيها كل مُفسِّقٍ خارمًا للمروءة (^١)، ولا يكون كل خارمٍ للمروءة مفسِّقًا بحكمٍ منصوص (^٢).
فللمروءة إطلاقان: إطلاقٌ أخصُّ من إطلاق، والمراد هنا الأخصّ.
وإنما وجب اشتراط المروءة بالمعنى الخاص: للتأكيد على إخراج مَن يَغلِب على الظن أنه ليس بعدل، وإن لم يثبت عليه يقينًا أنه فاسق؛ وذلك لإتيانه بما الغالبُ على مَن يأتيه (عُرْفًا) بأنه من أهل الفسق أو من أهل السَّفَهِ (نَقْصِ العقل)، ونحن مطالبون عَقْلًا باعتبارِ غلبةِ الظنِّ والحكمِ بها، إذا لم يُعارِضْها يقينٌ، أو ظنٌّ أقوى منها في غلبةِ الظن.
ويظهر من كل ذلك: أن اشتراط المروءة إنما هو في الحقيقة للتثبُّتِ من سلامة العقل والدين، من خلال التَّنزُّهِ عن قوادحَ ظنيةٍ فيهما: فهي كفعلٍ مباحٍ أو ذنبٍ من الصغائر لكنهما من خصائص أهل الفسق أو السَّفَهِ عُرْفًا، فيغلب على الظن أن فاعله منهم.
فإذا علمتَ ذلك، تَبيَّنَ أنّ مَن أتى قادحًا ظنيًّا مما يقدح في المروءة غالبًا، لكننا نعلم يقينًا أنه سالمُ العقلِ والدِّين: فيجب أن نُقدِّمَ حينها يقينَنَا بعدالته على ظنِّنَا بعدمها، وأن نُرجِّحَ الحكمَ المقطوعَ بطريقِهِ على الحكم المظنونِ طريقُهُ: وهو العلامات
_________________
(١) فشارب الخمر ومرتكب الكبائر: فاسق، ومخروم المروءة أيضًا.
(٢) فمن فعل مباحا من سمات أهل السَّفَه وقلة العقل: سيكون مخرومَ المروءة، ولكنه لا يُفسَّق.
[ ١٠ ]
والسِّمات. وبذلك لا نجرح الراوي الذي عرفناه يقينًا بالعدالة، وإن بدا منه خارمٌ للمروءة مما لا يستند في نقضه للمروءة إلا على الأعراف.
* * *