ويجب التفريق عند إرادة الترجيح: بين حالتين:
١ - حالة كون الجرح مفسَّرًا (مبيَّنًا سببُه).
٢ - وحالة أن يكون الجرح مبهمًا (غير مبيَّنٍ سببُه).
الأولى: أن يكون الجرح مفسَّرًا بجارح: فيُقدَّم الجرح؛ إلا في حالات قليلة يظهر فيها خطأ الجارح، كردّ المعدِّل على الجارح بما يبيّنُ أنه جرح بما لا يُصَحِّحُ الجرح، ومن خلال توارد قرائن متتابعة تدل على خطئه.
الثانية: إذا كان الجرح مبهمًا غير مفسَّر: فإنّ الأصل تقديمه على التعديل؛ لأنه إذا صدر من عارف بأسباب الجرح والتعديل، فالغالب والأصل أنه لم يجرح إلا بجارح. ومادام أنه كذلك لزم تقديمه على التعديل؛ لأن مع الجارح زيادة علم، «فمن عمل بقول الجارح لم يتهم المُزَكِّي، ولم يُخرجه بذلك عن كونه عدلًا. ومتى لم نعمل بقول الجارح كان ذلك تكذيبًا له ونقضًا لعدالته (ورفضًا لموجِب عِلْمِه بأسباب الجرح والتعديل)، وقد عُلم أن حاله في الأمانة (والعلم) مخالفةً لذلك» - من الكفاية للخطيب؛ إلا ما بين قوسين فهو مِنِّي زيادةً في الحجة.
لكن يمكن أن نقدِّم التعديل على الجرح المبهم إذا لاحت قرائن تدل على قوة التعديل على الجرح المبهم.
وبهذا تبيَّن أن الأصل تقديم الجرح (مفسَّرًا كان أو غير
[ ٥٧ ]
مفسَّر)؛ إلا إن جاءت قرائنُ ترجح التعديل على الجرح المبهم:
ومن هذه القرائن:
١ - كثرة عدد المعدِّلين.
٢ - جلالة المعدِّل وزيادة علمه على علم الجارح.
٣ - إنصاف المعدِّل في مقابل تشديد الجارح.
ومن أمثلة هؤلاء العلماء في كل طبقة من طبقاتهم:
المنصِفون «» المتشددون
الثوري «» شعبة
ابن مهدي «» القَطَّان
أحمد «» ابن معين
أبو زُرعة «» أبو حاتم
البخاري «» النَّسائي
ابن عدي «» ابن حبان (أحيانًا)
تنبيه: وُصف بعض علماءِ الجرح والتعديل بالتساهل، وأشهر من وُصف بذلك: ابن حبان، والعِجلي.
- أما ابن حبان: فالصواب في شأنه: أن له مقصدًا في كتابه (الثقات) أوْهَمَ تساهلَه فيه خاصة، دون بقية كتبه. ولذلك لا يُكتفى بمجرد ذكره الراوي في (الثقات) ليُنسب توثيقه إليه، إلا بشروط. وليس هذا التعامل الخاص به ناشئًا عن توثيقه المجاهيل، كما قيل. وإنما نشأ من غرضه في كتابه، والذي كان قد أشكَلَ على إدراكه عباراتٌ له لم تكن كافيةً لمنع الاختلاف في فهمها.
[ ٥٨ ]
- وأما العِجلي: فلم يصفْه بالتساهل المُفْضِي لإهدار توثيقه إلا بعضُ العَصْريِّين، وإلا فهو معتمدُ الجرح والتعديل عند كل العلماء السابقين.
تنبيه: يقول المعلِّمي في مقدمة الفوائد المجموعة: «ما اشتُهر من أن فلانًا من الأئمة مسهِّلٌ وفلانًا متشدد ليس على إطلاقه، فإن منهم من يُسهِّل تارةً ويشدد تارة، بحسب أحوال مختلفة. ومعرفة هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم = لا تحصل إلا باستقراءٍ بالغ لأحكامهم، مع التدبر التامّ».
بل الأهم مما قاله المعلِّمي أن تعلم أن هذه الأوصاف بالتشدّد والتساهل لا تعني اختلالَ المنهج عند الإمام الجارح أو المعدِّل، وإنما تعني أحد معنيين:
١ - أن ذلك العالم إذا أخطأ في حكمه ربما مالت أخطاؤه إلى جانب التشديد (فيمن وُصف بالتشدد) أو إلى التسهيل (فيمن وُصف بالتساهل)، أو ربما ظهرت له عباراتٌ نادرةٌ فيها مجازفةٌ وغُلُوٌّ في الجرح أو في التعديل كانت هي سبب وصفه بالتشدد أو التساهل. ولكن لم تبلغ أخطاؤه تلك درجةَ القدحِ في صحة منهجه العام؛ لقِلّتها أو نُدرتِها؛ وإلا لن يكون إمامًا معتمدَ القولِ في الجرح والتعديل.
٢ - أن تكون العبارات توهم بظاهرها التشدُّدَ أو التساهلَ، ولكن صاحب العبارة نفسه لا يريد ذلك الظاهر. ففي الموصوف بالتشدد تجد عباراته تَشِحُّ عن الثناء الكبير،
[ ٥٩ ]
حتى إنه ربما أطلق وصف (الصدوق) على من هو (ثقة) عنده، وربما أطلق (ليس بالقوي) على من كان في آخر مراتب القبول لديه. وفي الموصوف بالتساهل: ربما قال (لَيِّن) أو (فيه ضعف) عمّن هو عنده شديد الضعف. وهذا الحال هو الذي يُعبَّر عنه بأنه شِدّةُ النَّفَس (في التشديد) أو رَخَاوتُه (في التساهل). وما يوهمه الاختلافُ الناشئُ عن شِدّةِ النَّفَس ورخاوته خلافٌ لفظيٌّ، وليس حقيقيا.
وعليه: فلا يعني وَصْفُ الإمام بالتشديد إهدارَ تضعيفه، ولا وَصْفُه بالتساهل إهدارَ توثيقه، ولا وَصْفُه بالإنصاف ترجيحَ حُكمِه مطلقًا على غيره. وإنما فائدة هذه الأوصاف تنحصر في اعتبارها قرينةً من قرائن الترجيح عند التعارض .. فقط.
٤ - أن يكون المعدِّل معاصرًا للمتكلَّم فيه، خلافًا للجارح.
٥ - أن يكون المعدِّل بَلَدِيًّا للمتكلَّم فيه، وليس كذلك الجارح.
٦ - قوة عبارة التعديل ووضوحها (مثل: حافظ، أو: من أوثق الناس، أو: صدوق لا يُرَدُّ حديثه، أو: محلّه الصدق يحوّل من كتاب الضعفاء)، في مقابل لِين عبارة الجرح (مثل: ليس هو من أهل الحفظ، كان فلان لا يرضاه، ليس هو بالقوي، فيه بعض اللين، فيه ضعف).
٧ - أن يكون مَن جَرَحَهُ جرحًا ظاهرُه الشدة قد روى هو عنه؛ إذا كان من سادة العدول.
٨ - أن يَهْجُرَ قولَ الجارح بعضُ أَتْبَعِ الناس لأقواله في العادة من أهل العلم.
[ ٦٠ ]
٩ - أن يظهر من كلام المعدِّل احتمالُ تَأوُّلِ عبارة الجارح وتَوْجِيهِها بما لا يُعارِضُ التعديلَ.
١٠ - عِلْمُ المعدِّل بكلام الجارح، ورَفْضُه له (دون تفصيلِ الرَّدِّ؛ لأنه بالتفصيل يرتفع أن يكون مجرّدَ قرينةٍ).
١١ - أن يكون للجارح كلامٌ آخر يوافق فيه المعدِّلَ، ولا تظهر قرينةُ اختلافِ الاجتهاد بالجرح بعد التعديل.
١٢ - أن يُنزل الجارحُ الراويَ المضعَّفَ منزلةَ راوٍ هو نفسه قد حكم بقبوله، فيقول: هو مثل فلان، أو هو بابةُ فلان، بل ربما رفعه عليه.
[ ٦١ ]