الأغلب أن يكون التعارُضُ واقعًا بين أئمةٍ متعدِّدِينَ، أي أن يكون الجارحُ إمامًا غيرَ الإمام المعدِّل. ولكن قد تكون العبارات المتعارضة صادرةً من إمام واحد، فالإمام نفسُه اختلَف قولُه المحكيُّ عنه في الراوي.
ولكل حالةٍ من هاتين الحالتين طريقةٌ عِلْمية للتعامل مع التعارض، تتيح لنا الخروجَ من هذا التعارض بأَولى الأقوال بالصواب وأحقها بالاعتماد.
وتنبّه أن هذا الفصل (فصل تعارض الجرح والتعديل) هو أجلُّ فصول هذا العلم وأعمقها وأكثرها زللا لمن لم يتقنه! فعليك بالصبر في التدرّب على مراحله وخطواته، وأن لا تتعجل الخوضَ فيه قبل التمكن من هذا العلم تنظيرًا .. وتطبيقا عمليا، وذلك بالتفقه في العلم من خلال ممارساتِ أئمة الفن، كابن عدي من المتقدمين في كتابه (الكامل)، وكالذهبي من المتأخرين في عموم كتبه وخاصة (الميزان)، ومن خلال التَّمرُّنِ والتدريب الخاص على الرواة المختلَف فيهم، وموازنة نتائجك بنتائج العلماء.
وسنبدأ ببيان مراحل الدراسة عند وقوع التعارض بين عددٍ
[ ٣٥ ]
من الأئمة.
فعند تعارض العلماء في الجرح والتعديل: أسير على ثلاث مراحل، وتحت كل مرحلة خطوات أو تفصيل. فسوف نبدأ بذكر إجمال المراحل الثلاث، ثم سنعقد لكل مرحلة منها فصلا خاصًّا.
فنقول: عند تعارض العلماء جرحًا وتعديلًا، نسير وَفْقَ المراحل التالية:
المرحلةُ الأولى: التَّثَبُّتُ من أن التعارُضَ حقيقيٌّ، ليس وهميًا. فإن تبيّن أنه حقيقي، انتقلت إلى المرحلة الثانية.
وتحتها خطوات ثلاث:
١ - التثبت من صحة القول المعارِض (جرحًا أو تعديلًا).
٢ - أن يكون الجمع بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف.
٣ - أن يتبيّن أن الجرح أو التعديل خرج من قائله بغير إنصاف.
المرحلة الثانية: الترجيح. فإن عجزت عن الترجيح انتقلت إلى المرحلة الأخيرة.
المرحلة الثالثة: التوقُّف.
فإلى بيان مجمل هذه المراحل وشرحها:
[ ٣٦ ]