هو الاطمئنان إلى أن الراوي (أو الشاهد) لديه من التقوى والورع ما يمنعه عن تَعَمُّدِ الكذب. إذْ بغير قوّة مراقبة الله تعالى، واستحضار عِلْمِه سبحانه بكل شيء، مع خشية عقابه = لا يردعُ الإنسانَ عن الكذب شيءٌ، إذا كان له في الكذب مصلحةٌ، واطمأنّ إلى عدم افتضاحِهِ به عند الناس.
وهؤلاء العرب في الجاهلية كانوا من أَتْرَكِ الأُمم للكذب أَنَفَةً وتَكَرُّمًا؛ مع ذلك فهذا أبو سفيان بن حرب ﵁، لما سأله هرقل عن النبي ﷺ، وجعل رِفاقًا لأبي سفيان خلفَ ظَهْرِهِ شُهودًا على ما يُجيب به، ليصدّقوه أو يكذِّبوه فيما يقول، وأبو سفيان حينها على دين قومه (لم يُسلم بعدُ) = فيقول أبو سفيان (كما في
_________________
(١) فلا يُشترطُ الإصرارُ على الصغائر للتفسيق بالصغائر، وليس الإصرارُ على الصغائر مطلقًا من المفسِّقات.
[ ١٢ ]
الصحيح): «فوالله لولا الحياءُ من أن يَأْثِرُوا عليَّ كَذِبًا لكذبتُ». فهذا دليلٌ على أنّ تَرْكَ الكذب لغير الديانة لا يُؤمَن دوامُه عند تَعارُضِ الصدق مع المصلحة، وعند الاطمئنان من عدم حصول الفضيحة بالكذب، حتى في أكثرِ الرَّقَاباتِ المُجْتَمَعِيَّةِ التي تُشَدِّدُ في تقبيح الكذب أخلاقيًّا، لا دينيًّا، وتَعِيْبُ مَن عُرفَ به بأشنع الأوصافِ المُنفِّرَةِ، كمجتمع عرب الجاهلية.
* * *