وقد كان للنُّقّاد وسائلُ عديدةٌ لمعرفة ضبط الرواة، منها:
١ - الإبدال عمدًا، للاختبار.
٢ - سؤال الراوي عن حديثه في أزمانٍ متباعدة.
٣ - النظر في أصوله وضبطِها، إن كان يروي من كتاب.
٤ - مطالبتُه بأصله للتَّثَبُّت من حفظه، إذا ما حدّث من حفظه.
٥ - الرجوع إلى كُتُب شيخِ الراوي، فَمَن فوقَه، أو جمعُ حديثِه.
٦ - سَبْرُ حديث الراوي، وهي من أهمّ وأدَقّ وسائل معرفة ضبط الراوي:
وهذا السَّبر يتمُّ من خلال عمليّةٍ شاقّةٍ تستلزم حفظًا واسعًا وفهمًا ثاقبًا وإدراكًا كبيرًا لعلوم الحديث بجميع فنونها.
على أنه ليس كل الرواة يُمكن سَبْرُ حديثِهم: كالمجهول الذي لم يَرْوِ عنه إلا تلميذٌ ضعيف، أو لم يَرْوِ هو إلا عن شيخٍ ضعيف، أو أنه ما عُرف له حديثٌ إلا محاطًا بضعيفٍ من الجهتين: فكان شيخُه فيه ضعيفًا، وتلميذُه الراوي عنه ضعيفًا. إلا في حالة واحدة، يمكن فيها سَبْرُ حديث مثل هذا المجهول، وهي حالة أن تكون نكارة الحديث أشدّ من درجة ضَعْفِ الراوي الذي فوقه (الشيخ) والراوي الذي تحته (التلميذ)، مما ينتجُ عنه: أن درجةَ النكارة وشدّتَها لا تليق إلا بذلك المجهول.
وكذلك يجب التنبّه إلى أن هذا السَّبْرَ قد يَصعُبُ (ولا يستحيل) حتى على النُّقّاد: إذا لم يكن للراوي إلا رواياتٌ موقوفةٌ ومقطوعة،
[ ٢٤ ]
أو مراسيل غير متصلة أصلا.
كما قد يصعب هذا السَّبرُ أيضًا (ولا يستحيل) عند إقلال الراوي جدًّا، كمن ليس له إلا الرواية الواحدة أو الروايتان، فيصعب غالبا على النُّقّاد سَبْرُ حديث المقلِّين، لكنه لا يمتنع دائمًا. وقد يتوقف فيه بعضهم، وقد يتنبّه غيرُهم لأسباب الحُكم فيه، فيحكمون عليه رُغمَ قِلّةِ حديثِ الراوي.
وعمليّةُ السَّبرِ هذه هي باختصار بالغ: تقوم على تقسيم حديث ذلك الراوي إلى قسمين:
- الأحاديث التي تَفرَّدَ بها.
- والأحاديث التي شُوْرِكَ في أصل روايتها.
فإن غلبت عليه المفاريد: كان ذلك دليلَ ضعفه، بل ربما كانت دليل وَضْعِه للحديث.
فإن لم تغلب عليه المفاريد، لكنها لم تزل في حيِّز الكثرة، وجب سَبْرُ ما شُورِك فيه وَحْدَهُ، ثم ما انفرد به وَحْدَهُ، ثم يُوازَنُ بين النظرَيْنِ، ليَخرج الناقدُ بالنتيجة.
فبالنظر إلى التّفرّدِ يجب أن تُلْحَظَ ملاحظُ دقيقةٌ جِدًّا، كالملاحظ التالية:
١ - قوّة تأثير المفاريد على دلالة إتقانِه المستنبَطِ مما لم ينفرد به من الحديث وشُورِكَ في أصل روايته:
o فقد يقع في ضبطه وإتقانه ما يَجبُر تفرُّدَه، وقد لا يقع فيه ما يَجبُره.
o وما لا يقع في إتقانه ما يَجبُره: قد تدلّ خِفّةُ درجةِ خطئه
[ ٢٥ ]
على أنه مجرّدُ وَهَمٍ غيرِ مقصود، فلا يؤثّر في عدالة الراوي، وقد تَفْحُشُ درجةُ النكارةِ حتى يغلب على ظن الناقد أو يتيقّن أنّ تلك النكارة لا تقع من عَدْل (كما سيأتي).
٢ - درجة غرابتها، حيث إن الغرابة درجات، وتَفَاوُتُ درجاتها يرجع إلى درجة توفُّر الدواعي لنَقْل الحديث قوةً وضعفا. ومع تَفاوُتِ الدرجات يجب أن يُلْحَظَ موطنُ التفرّد أيضًا: هل هو في المعنى، أم اللفظ، أم الإسناد:
o ففي المعنى: هل تفرّد الراوي بأصل؟ أم كان تَفرُّدُه مجرَّدَ تَفَرُّدٍ بلفظٍ لأصلٍ مشهورِ المعنى؟
o وفي اللفظ: هل اللفظ مما يُستنكر على اللفظ النبوي؟ أم هو مما يليق به؟
o وفي الإسناد: هل هناك تَفَرُّدٌ بأصلٍ إسناديٍّ يصل حَدَّ ما لا يصحّ أن يقع مثله أصلا، أو هو فقط ما لم يقع مثله قط، أم هو إسنادٌ معروف لكنه تفرّد بذلك المتن، فكل واحدة من صور التفرّد هذه أشدُّ غرابةً من الأخرى.
٣ - طبقة الراوي الزمنية: فتفرُّدُ كبار التابعين أوْلى قبولًا من صغارهم، وكبار أتباع الأتباع وإن كانوا دون التابعين في احتمال التفرّد منهم: لكنّ تَفَرُّدَهم أقربُ احتمالا من صغار أتباع التابعين أيضًا.
٤ - علاقة الراوي بمن تفرّد عنه: هل يَحتمِلُ التفرُّدَ عنه لشدّة ملازمته وقوة خبرته بحديثه، أم ليس كذلك.
[ ٢٦ ]
فإن كانت المفاريد قليلةً ولم تصل حدّ التشكيك في عدالته، أو كانت المفاريد لا وجود لها في حديث الراوي، فهو مُشَارَكٌ في كل حديثه. نُظر إلى القسم الثاني من حديث الراوي، وهو ما شُورِكَ في أصل روايته. هل الغالب عليه فيه موافقةُ الثقات، وما هي نسبة مخالفته (فُحشًا وعددًا) بالنسبة لموافقته لهم.
فإن ظهر لنا بعد ذلك أنه ضابطٌ في الجملة، عُدنا مرة أخرى إلى مفاريده (إن وُجدت)، فنظرنا فيها: هل في ضبطه ما يقع جابرًا لما تفرّد به؟ هل يحتمل ضبطُه التَّفرُّدَ بما تَفَرَّدَ به؟ فإن كان فيها مالا يحتمله ضبطُه، نظرنا:
هل فيها منكراتٌ شديدة؟ فإن كان فيها شيءٌ من ذلك: ربما أسقطنا حديثه؛ فرُبّ حديثٍ واحدٍ أَسقطَ مائة ألف حديث (كما قال الدارقطني).
ولا يعني ذلك أن الناقد لا ينظر إلى هذا القسم (قِسْمِ ما شُورك فيه الراوي) إلا بعد قِسْمِ ما تَفرَّدَ به من حديثه، بل ربما كان الابتداء بقسم ما شُورِكَ فيه أصحّ، لأن الحكم على الراوي من خلاله قد يكون أسهل، وهو أقل عمقًا من سَبرِ المفاريد (مع عمقه أيضًا).
وكما أن ما يُردُّ من مفاريد الرواة مراتب (كما سبق)، فكذلك ما يُردُّ من جهة المخالفة مما شُورِكُوا في أصل روايته وتبيّنت فيه مرجوحيّةُ روايتهم، فهو أيضًا مراتب:
ومرجع ذلك إلى الموازنة بين درجة الغلط وحال الراوي من جهة العدالة:
[ ٢٧ ]
o فإن كانت درجةُ الغلط لا تفوقُ درجةَ متانةِ عدالتِه وقوةَ يقينِ الناقدِ منها: رُدّ غلطُه فقط، دون أن يُجرح الراوي.
o وإن كانت درجةُ النكارةِ تَفُوقُ ما عَرَفَهُ الناقدُ من عدالة الراوي: رُدَّ المرويُّ والراوي معًا، فجُرح الراوي بهذا الحديث.
وهذا كله فيما إذا كان الراوي مكثرًا من الرواية، أما إذا كان مُقِلًّا، بل ليس له إلا الحديثُ الواحد أو الحديثان ونحوها. فإن الحكم عليه بالضبط وعدمه قد يكون في غاية السهولة على النُّقّاد، وقد يكون في غاية الصعوبة عليهم:
- فإن كان جميع حديث ذلك الراوي المقلّ مما شُورِكَ في نقله: سَهُلَ الحكمُ عليه من خلال ذلك.
- وإن كان جميع حديثه مفاريدَ، أو فيها مفاريدُ مع ما شُورِك فيه منها، بل ربما لم يكن له إلا حديثٌ واحد تَفرّدَ به: ففي هذه الحالة قد يَصْعُبُ الحكمُ عليه جدًا على أئمة النقاد وجهابذة الحفاظ؛ لأنه وإن وافق الثقاتِ فيما شاركهم في روايته، إلا أن قِلّةَ حديثِه الذي شاركهم فيه أصلًا لا تكفي للحكم عليه بالضبط أو بعدمه، ولا بُدّ حينها من النظر في مفاريده أيضًا. والحكم على الراوي من خلال مفاريده القليلة (التي قد تكون حديثًا واحدًا) أمرٌ في غاية الصعوبة، خاصة عند عدم وجود نكارةٍ ظاهرةٍ في ذلك الحديث الفرْد، وعند احتمال طبقة ذلك الراوي للتفرّد (كالتابعين ثم أتباعهم).
- فإن كان في إسناد الحديث المدروس أكثر من راوٍ يُمكن أن
[ ٢٨ ]
تُلحق به نكارتُه أو غلطُه: أُلحقت بالأضعف، فإن احتملها عددٌ من الرواة المتشابهين في الضعف: توقّف الناقد عن إلحاق الغلط بأحدهم.
ومن ظن أن الراوي الذي ليس له إلا حديثٌ واحد لا يمكن الحكم عليه؛ لاستحالة ذلك في ظنّه، ولوجود عباراتٍ لابن عَدِيّ قد تُوهِمُ بذلك = فقد أخطأ ظنُّه وفهمُه، بدليل أن ابنَ عدي كثيرًا ما ذكر تلك العبارات في حقّ من تكلم فيهم غيرُه من النُّقّاد، فما توقّف فيه ابنُ عدي، كان قد توصّل غيرُه فيه إلى حكم.
ويدل على إمكان ذلك عددٌ من الأدلة، منها:
١ - وقوع ذلك مرات كثيرة: يقول أبو حاتم الرازي عن سعيد بن محمد الزهري: «ليس بمشهور، وحديثه مستقيم، إنما روى حديثًا واحدًا». مع أن حديثَه هذا قد استنكره غيرُه. وقال أبو حاتم الرازي عن عبد الرحمن بن حرملة عمّ القاسم بن حسان: «ليس بحديثه بأس»، رغم أن عليّ ابن المديني قال عن حديثٍ له: «لا أعلم رُوي عن عبد الرحمن بن حرملة هذا شيءٌ؛ إلا من هذا الطريق، ولا نعرفه في أصحاب عبد الله».
٢ - وجود عبارات أخرى لابن عديّ تدل على إمكان ذلك أحيانًا.
٣ - وقد نصَّ الخطيبُ على إمكان ذلك في (الكفاية).
* * *
[ ٢٩ ]