لا شكّ أن لِعبارات الجرح والتعديل دلالاتٍ مختلفةً تدل على منازل الرواة في القبول والرّد، وقد سبق التنبيه على أهم مراتب الجرح والتعديل التي كان النقاد يحرصون على بيان منزلة كل راوٍ منها، ومتى كان النقاد يحرصون على تدقيق دلالات أحكامهم الدالة على منزلة معيَّنة ضمن منازل القبول أو الدالة على منزلة دقيقة ضمن منازل الرّد. فليس كل من وُصف أنه «صدوق» دون «الثقة» حتى عند من وَصَفَه ب «صدوق»، وليس كل من قيل عنه «ثقة» أعلى من الموصوف بأنه «لا بأس به» حتى عند من وثّقه؛ إذ ربما قصد من واصِفُه بال «صدوق» أنه راوٍ محتَجٌّ به، ولم يقصد إنزالَه عن أعلى درجات القبول (الصحة)، وربما قصد الذي وصفه بأنه «ثقة» بيانَ أنه ممن يُحتج به فقط، وإن كان عنده في آخر مراتب القبول (الحسَن).
كما يجب التنبّهُ إلى اختلاف اصطلاحات المتقدّمين والمتأخرين في هذا الباب، ك (المستور) الذي كان يطلقه المتقدمون على المعروف بالعدالة.
ويجب التنبّهُ إلى اختلاف دلالات العبارات عند الجمع بغيرها وعند إفرادها، فدلالة اللفظة تتأثر بسياقها ولا شك.
[ ٦٤ ]
ويجب التنبه لاختلاف دلالة الإجمال في الجرح والتعديل عن قوة دلالة عبارات الجرح والتعديل المبيَّنة: أقصد بالإجمال أن يقول الناقد: هؤلاء كلهم ثقات، أو: إسناده ثقات، أو هؤلاء ضعفاء، أو في إسناده ضعفاء، فمثل هذه الأحكام الإجماليّة قد تَضعُف في دلالتها عن قول الناقد عن راو بعينه: ثقة، أو: ضعيف. ولكن لا يُلغي ذلك دلالتها بالكلية، لكن يجب مراعاة ذلك الضعف عند التعارض.
ويجب الحذر من بعض ألقاب الرواة التي أوهمت جرحا أو تعديلا وهي بخلاف ذلك:
- كالضّال: معاوية بن عبد الكريم الثقفي، وإنما ضل في طريق، وهو مُوثَّق.
- وكالطيّب: إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن يحيى بن حماد مولى الهاشميين، وهو ضعيف.
- وكالحافظ: لأشخاصٍ وُصفوا بقوّة الحفظ لكنهم متّهمون في العدالة.
- وكالصدوق: لقبٌ ليونس الكذوب، لُقِّب به تَهكُّمًا على الضِّدِّيَّة، لشدّة كذبه.
- وكالعابد والزاهد ونحوهما من أوصاف التديّن: لأقوامٍ من العُبّاد أُتُوا مِن جهةِ ضعف الضبط: فخفَّ ضعفُهم، أو من جهة الجهل والغفلة الشديدة فتعمَّدوا الكذبَ لحثِّ الناسِ على الخير أو تخويفِهم من العصيان: فاشتدَّ ضعفُهم.
[ ٦٥ ]