- تعريف العدالة (على الإطلاق): ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة.
ـ شرح التعريف: الملكة: السجية، والتقوى: هي فعل ما يحبه الله تعالى وترك ما يكرهه. والمروءة هنا (بمعنها الخاص): هي فعل ما هو من صفات أهل القل الراجح ومن سمات أهل الفضل والخيل بحسب عرف البلد والزمن.
وتعريف العدالة بتلك الملكة ليس عليه انتقاد في نظري؛ لأن تعريف العدالة بذلك ليس هو تعريف العدل، فمن كانت له تلك الملكة لا يلزم من اتصافه بها أن يكون معصومًا، فقد يخالف صاحب الملكة ملكته أحيانًا، وقد يتجاوز ذو السجية سجيته، وكما قيل في بيان ذلك: «لكل جواد كبوة، ولكل سيفٍ نبوة» وعليه: فإن لا أرى أن هناك فرقًا بين تعريف العدل بصاحب تلك الملكة وتعريفه بأنه: من كان الغالب عليه فعل الطاعات وترك المعاصي، أو بأنه: من غلب خيره شره.
[ ٧ ]
ثم إن الملكات (والسجايا) تتفاوت في القوة والتمكن، فليس كل من كان الجود سجيته بلغ مبلغ حاتم الطائي، ولا كل من كانت التقوى والمروءة ملكةً له بلغ مبلغ أبي بكر وعمر ﵄. وهذا هو مقتضى اعتقاد أهل السنة والجماعة بأن الإيمان يزيد وينقص، وأن أصحابه فيه متفاوتون.
أما المروءة فاشتراطها مهم، لإخراج الصغير غير المكلف والمجنون كذلك، اللذين لا يوصفان بالتقوى ولا بنقيضها (الفسق)، فهما ليسا من أهل العدالة. ولإخراج من يغلب على الظن أنه ليس بعدل، وإن لم يثبت عليه يقينًا أنه فاسق؛ وذلك لإتيانه بما الغالب على من يأتيه (عرفًا) بأنه من أهل الفسق أو السفه (نقص العقل).
وعليه يتبين أن الأمر قد يكون في أصله مباحًا، لكنه مما يخرم المروءة، لأنه من سمات أهل الفسق أوالسفه. فلو رايت في الشارع رجلًا يصيح ويقفز رافعًا شعارًا لأحد الأندية الرياضية، أو رأيت مسئولًا يدخل محل عمله بإزارٍ فقط لا يستر إلا ما بين السرة والركبة = فإنه سيغلب على ظني أن فاعل ذلك ليس من أهل المروءة، مع أنه لم يفعل
[ ٨ ]