والفسق نعني به هنا: رقة الدين وضعف الخوف من الله تعالى، الذي يظهر من خلال ارتكاب الكبائر، أو الاستخفاف والانهماك في جملة من الصغائر، من غير جهل أو تأول، قبل أن تعقبها توبة تعلم وتتضح.
وخوارم المروءة: هي (هنا) ما يكون بحسب العرف (البلدي والزمني) علامة من علامات أهل الفسق أو السفه.
*سبب اشتراط العدالة: الاطمئنان إلى أن الراوي (أو الشاهد) فيه من التقوى والورع ما يمنعه عن تعمد الكذب. إذ بغير مراقة الله تعالى، واستحضار علمه سبحانه بكل شيء، مع خشية عقابه = لا يردع الإنسان عن الكذب شيء، إذا كان له في الكذب مصلحة، واطمأن إلى عدم افتضاحه به عند الناس.
وهؤلاء العرب في الجاهلية كانوا من أترك الأمم للكذب أنفةً وتكرمًا؛ مع ذلك فهذا أبو سفيان بن حرب ﵁، لما سأله هرقل عن النبي ﷺ، وجعل رفاقًا لأبي سفيان خلف ظهره شهودًا على ما يجيب به، ليصدقوه أو يكذبوه فيما يقول، وأبو سفيان حينها على دين قومه (لم يسلم بعد) = فيقول أبو سفيان (كما في الصحيح): «فوالله لولا الحياء من
[ ١٠ ]
أن يأثروا علي كذبًا لكذبت». فهذا دليل على أن ترك الكذب لغيد الديانة لا يؤمن دوامه عند تعارض الصدق مع المصلحة، وعند الاطمئنان من عدم حصول الضيحة بالكذب.
ولما كان كذلك هو سبب اشتراط العدالة استثنينا من الفساق فساق التأويل: كالمبتدع (غير المكفر ببدعته) المأول (غير المعاند). وكمن يشرب النبيذ على مذهب الكوفيين؛ لأن هؤلاء - وإن كنا نغلظ عليهم هذا الاعتقاد او الفعل، لخطورته ومخالفته الصريحة للنصوص الشرعية، ونحذر الناس منهم ومن الاغترار بهم - قد لا يكون وقوعهم فيما وقعوا فيه بسبب ضعف الواءع الديني في قلوبهم، ذلك الضعف الذي لا يمنع صاحبه من تعمد الكذب. بل وقعوا في ذلك السق جهلًا أو تأولًا (وأحدهما مصاحب للآخر)، مع تعظيمهم لحرمات الدين، وقوة مراقبة الله تعالى في قلوبهم، مما يطمأن معه إلى أنهم لن يتعمدوا الكذب.
[ ١١ ]