١ - ضبط صدر: هو القدرة على استحضار المروي من الصدر كما تلقاه الراوي دون الرجوع إلى الكتاب، مع شرط عدم إحالة المعنى فيما إذا ما روى بالمعنى.
(والرواية بالمعنى تحتاج إلى ثلاثة أمور مجملة، اثنين منها مكتسبة: وهما: العلم بالفقه وأصوله، والعلم باللغة، وواحدٍ منها فطري: وهو حسن الفهم ودقة الإدراك للمعاني). مع العلم بأن من الأحاديث النبوية مالا تصح فيها الرواية بالمعنى، كالأدعية والأذكار التي يتعبد بألفاظها، وكجوامع كلمه ﷺ.
٢ - ضبط كتاب: وهو أن يكون المروي مكتوبًا مصححًا، محفوظًا من التغيير أو التلف أوالفقدان، وأن لا يحدث صاحب هذا الضبط (إذا لم يكن لديه ضبط الصدر) إلا من كتابه هذا أو من نسخةٍ مطابقة ٍ له.
- كيفية معرفة العلماء المتقدمين لضبط الروة: يتم ذلك منهم من خلال عملية شاقة تستلزم حفظًا واسعًا وفهمًا ثاقبًا وإدراكًا كبيرًا لعلوم الحديث بجميع فونها، هذه العملية هي عملية سبر مرويات ذلك الراوي.
[ ١٦ ]
وهي باختصار بالغ: تقسيم حديث ذلك الراوي إلى قسمين: الأحاديث التي تفرد بها، والأحاديث التي شورك في أصل روايتها.
ـ فإن غلبت عليه المفاريد كان ذلك دليل ضعفه، بل ربما كانت دليل وضعه للحديث.
ـ فإن لم تغلب عليه المفاريد لكنها لم تزل في حيز الكثرة، نظر إليها نكارة وعدم نكارة، مع مراعاة طبقة الراوي حيث إن التابعين يقبل التفرد منهم مالا يقبل مثله من أتباعهم، ثم لا يكاد يقبل تفرد أتباع التابعين؛ على ما نص عليه الذهبي في الموقظة.
ـ فإن كانت المفاريد قليلة أو لا وجود لها، نظر إلى القسم الثاني من حديث الراوي، وهو ما شورك في أصل روايته. هل الغالب عليه موافقة الثقات، وما هي نسبة مخالفته (فحشًا وعددًا) بالنسبة لموافقته لهم.
فإن ظهر لنا بعد ذلك أنه ضابط في الجملة، عدنا مرة أخرى إلى مفاريده (إن وجدت)، فنظرنا فيها: هل في ضبطه ما يقع جابرًا لما تفرد به؟ هل يحتمل ضبطه التفرد بما تفرد به؟ فإن كان فيها مالا يحتمله ضبطه، نظرنا:
[ ١٧ ]
هل فيها منكرات شديدة، فإن كان فيها شيء من ذلك ربما أسقطنا حديثه (فرب حديثٍ واحد اسقط مائة ألف حديث، كما قال الدارقطني).
ـ ولا يعني ذلك أنه لا ينظر إلى هذا القسم (قسم ما شورك فيه الراوي) إلا بعد قسم ما تفر به من حديثه، بل ربما كان الابتداء بقسم ما شورك فيه أصح، لأن الحكم على الراوي من خلاله قد يكون أسهل. وهو أقل عمقًا من سبر المفاريد (مع عمقه أيضًا).
ت وهذا كله فيما إذا كان الراوي مكثرًا من الرواية، أما إذا كان مقلًا، بل ليس له إلا حديث الواحد أو الحديثان نحوها. فإن لحكم عليه بالضبط وعدمه قد يكون في غاية السهولة على النقاد، وقد يكون في غاية الصعوبة عليهم
فإن كان جميع حديث ذلك الراوي المقل مما شورك في نقله سهل الحكم عليه من خلال ذلك وإن كان جميع حديثه مفاريد، او فيها مفاريد مع ما شورك فيه منها، بل ربما لم يكن له إلا حديث واحد تفرد به؛ وفي هذه الحالة يصعب الحكم عليه جدًا على أئمة النقاد
[ ١٨ ]
وجهابذة الحفاظ؛ لأنه وإن وافق الثقات فيما شاركهم في روايته، إلا أن قلة حديثه الذي شاركهم فيه أصلًا لا تكفي للحكم عليه بالضط أو بعدمه. ولا بد حينها من النظر في مفاريده أيضًا. والحكم على الراوي من خلال مفاريده القليلة (التي قد تكون حديثًا واحدًا) في غاية الصعوبة، خاصة عند عدم وجود نكارة ظاهرة ي ذلك الحديث الفرد، وعند احتمال طبقة ذلك الراوي للتفرد (كالتابعين ثم أتباعهم).
ـ ومن ظن أن الراوي الذي ليس له إلا حديث واحد لا يمكن الحكم عليه؛ لاستحالة ذلك في ظنه، ولوجود عبارات لابن عدي تدل على ذلك في فهمه = فقد أخطأ ظنه:
- فلا ذلك بمستحيل، بدليل وقوعه. يقول أبو حاتم - كما في الجرح والتعديل (٤/ ٥٨) - عن سعيد بن محمد الزهري: «ليس بمشهور، وحديثه مستقيم، إنما روى حديثًا واحدًا». مع أن الحديث قد استنكره غيره، كما في سؤالات الآجري لأبي داود (رقم ١٠٨٥).
- ولوجود عبارات أخرى لابن عدي تدل على إمكان ذلك أحيانًا.
[ ١٩ ]
- وقد نص الخطيب على إمكان ذلك في الكفاية (١١٧ تحت فصلٍ تابع لباب: ذكر ما يعرفه عامة الناس من صفات المحدث الجائز الحديث وما ينفرد بمعرفته أهل العلم).