ـ من خلال طرائق معرفة العدالة نفسها (الاستفاضة، والتنصيص، والتوثيق الضمني). وذلك لأن أحكام أئمة الجرح والتعديل جاءت لبيان ما إذا كان الرواة محتجًا بما رووه أو غير محتج به، وذلك لا يحصل إلا بالحكم عليهم من خلال عدالتهم وضبطهم جميعًا؛ ولهذا جاءت أحكام أئمة الجرح والتعديل متناولةً الرواة من هاتين الجهتين جميعًا: العدالة، والضبط.
ـ أما طريقة السبر التي سار عليها المتقدمون علا يمكن للمتأخرين الاعتماد عليها لمعرفة ضبط الرواة استقلالًا (أي دون أن يكونوا مسبوقين بنحو حكمهم من إمام متقدم)، إلا في حالتين خاصتين بمن لم نجد فيه جرحًا أو تعديلًا (كالمجهولين وشبه المجهولين):
الحالة الأولى: أن نجد لهذا الراوي المجهول حديثًا
[ ٢٠ ]
ظاهر النكارة أو واضح البطلان، فأحكم على الراوي بالذي يليق بمقدار تلك النكارة من الضعف أو شدة الضعف أو الاتهام بالكذب. وذلك بشرط أن يكون الإسناد الذي فيه ذلك المجهول، والذي فيه تلك النكارة =مقبول الرواة نظيفًا، إلا من ذلك المجهول. (وهذه الطريقة سار عليها الذهبي في الميزان فيمن استقل بتضعيفهم، والحافظ في اللسان، والعبد الفقير في ذيل اللسان).
الحالة الثانية: وهي التي تكون نتيجتها الحكم بقبول حديث الراوي، وهي أشق من الأولى وأصعب. ولا يمكن ذلك إلا في حالة ما إذا كان الراوي مقلًا، وينص على ذلك، أو أجد ما يشهد لإقلاله من الحديث، بل قد ينص العلماء على عدد ما روى؛ ثم أقف على أحاديثه، وأستقصي في البحث؛ فيمكن حينها للعالم المتأخر صاحب الفهم الدقيق والممارسة الطويلة أن يحكم بالقبول إذا ظهرت له علاماته. خاصة إن وجد قرائن تؤيد نتيجة سبره هذا، من مثل كون الراوي من التابعين، أو روى عنه جمع، أو وجد قرائن تشهد لقبول المتقدمين له،
[ ٢١ ]
مثل أن يوجد حديثه في بعض أمهات السنة (دون أن يصحح له، لأن التصحيح توثيق ضمني، لا يحتاج معه الراوي إلى هذا السبر غالبًا).
أما الرواة المكثرون: فلو قدرنا عدم وجود جرح أو تعديل فيهم، فلا يمكن - مع كثرة حدثهم وانتشاره - أن يحكم عليهم بالقبول؛ إذ يحتمل - احتمالًا قويًا - أن يكون فيما سيفوت المتأخر (حتمًا) من حديثهم ما يسقط به حديثهم (ورب حديثٍ واحد أسقط مائة ألف حديث).
ـ ولا يعني ذلك أن سبر المتأخرين من المتأهلين لذلك عديم الفائدة إلا في هاتين الحالتين، بل هو مفيد حتى في غير هاتين الحالتين.
فالراوي الذي اشتد فيه الاختلاف جرحًا وتعديلًا، يمكن الاستفادة من سبر حديثه ت سواء أكان مكثرًا أو مقلًا، وسواء أكانت نتيجة سبر حديثه القبول أو الرد - في الترجيح بين تلك الأقوال المختلفة. فيكون السبر حينها للوصول إلى مرجح فقط، لا إلى حكم استقلالي.
*الضبط هو (غالبًا) سبب تباين مراتب الرواة في مراتب الجرح والتعديل، أما القدح في العدالة (غير فسق المتأول فيه)
[ ٢٢ ]