تقدَّم تقسيمُ الأخبار إلى مقطوع بكذبه، ومقطوع بصدقه، وما لا ولا.
وتقدم تفصيل القسمين الأولين، وبقي الثالث، وهو المشهور بأخبار الآحاد. وقد قسمها أهل الحديث إلى: صحيح وحسن وضعيف، وحدودها معروفة في كتبهم، وإنما أنبه هنا على ما أراه مهمًّا. وسأسرد ذلك في فصول.
فصل
كان الثنوية من المجوس يعلمون وجود الله ﷿ وعظمته وجلاله، ثم أخذوا يثبتون له ما يرونه كمالًا، وينفون عنه ما يرونه نقصًا، إلى أن قالوا: هو سبحانه خير محض. فوسوس لهم الشيطان قائلًا: فمن أين جاءت هذه الشرور المشاهدة في العالم؟ فكانوا قد سمعوا عن الأنبياء إثبات وجود الشيطان وسعيه في إضلال العباد، فقالوا: من الشيطان. فقال لهم: والشيطان من أوجده؟
فلم يرجعوا إلى الأنبياء وسننهم، بل اغتروا بعقولهم، فتفكروا قائلين: إن قلنا: أوجده الله ﷿، لزِمَنا أن يكون الله سبحانه خلق جرثومة الشر، وكيف يكون سبحانه مع ذلك خيرًا محضًا؟ وإن قلنا: أوجده غيره، أثبتنا ربًّا غير الله ﷿، وذلك أشد. وإن قلنا: وُجِد بغير موجدٍ أوجده، فذاك محال. فتخرَّصوا فقالوا: أوجده الله بغير قصد، وذلك أنه سبحانه فكَّر فكرةً رديئة فكان منها الشيطان. فقال لهم: إذا جاز أن يفكر فكرة رديئة لم يكن خيرًا محضًا.
[ ١٩ / ٥٣ ]
فوقعوا في المهواة. قالوا: الشيطان قديم. ولم يقنع منهم الشيطان بذلك، بل قال لهم: فقد كان ينبغي أن يُهلِكه الله ﷿ ويقطع دابر الشر. فوقعوا في المهواة الأخرى. قالوا: للشيطان قدرة ذاتية عظيمة، والله ﷿ جادٌّ مجدٌّ في إهلاكه، والحرب بينهما مستمرة.
ثم خادعوا أنفسهم فقالوا: في آخر الأمر يتمُّ انتصار الله ﷿ على الشيطان، ويلقيه وحزبه في جهنم، ويتخلص العالم من الشر.
كان قدماء المصريين موحدين، ثم طال بهم العهد، فاستغنوا عن هدي الأنبياء، وأخذوا يعظمون الله ﷿ بما تقتضيه عقولهم.
فقالوا: إن الرب ﷿ بغاية العظمة والكبرياء، والبشر في غاية من الجهل والفساد والحقارة، ومن شأن ملوك الدنيا أن يأنفوا من مقابلة سقط الناس، ويُعدُّ تعرُّض سقط الناس لمقابلة الملك ومباشرة تعظيمه تحقيرًا له. كما لو اجتمع نفرٌ من كنَّاسي المراحيض وقالوا: نحب مقابلة الملك، لِنُحيِّيه ونُهنِّئه مثلًا؛ لاستحقوا العقوبة. فنسبة البشر إلى الرب ﷿ أبعد بما لا نهاية له من نسبة سقط الناس إلى ملوكهم.
فقيل لهم: لكن البشر محتاجون إلى عبادة ربهم وسؤال حوائجهم. وكان قد بلغهم عن الأنبياء إثبات الملائكة.
فقالوا: كما أن سقط الناس يجعلون تعظيمهم وسؤال حوائجهم إلى أناس أعلى منهم قليلًا، ثم تكون لهم درجات، إلى أن ينتهي الأمر إلى الوزراء. فمَن دون الوزراء يعظِّم الوزراء ويسألهم، وهم بدورهم يعظِّمون الملك ويسألونه. فكذلك ينبغي للبشر أن يوجِّهوا عبادتهم إلى الملائكة؛
[ ١٩ / ٥٤ ]
لأنهم فوقهم ودون الرب ﷿، ثم الملائكة يعبدون الله ﷿؛ لأنهم مقربون عنده.
فجَرَوا على ذلك مدة، ثم نشأ فيهم فرعون، فقال: درجة الملائكة عالية، وبينهم وبين البشر بون بعيد، فعبادة عامة البشر للملائكة فيها توهين للملائكة. فقال قومه: وكيف نصنع؟ قال: إن بين عامة الناس وبين الملائكة واسطة، وهي ملوكهم، فإن المَلِك ما نال المُلكَ إلا بعناية من الملائكة تدل أنه محبوب عندهم مرضي لديهم مقرب إليهم، وعلى كل حال فدرجته فوق درجة العامة. فعلى العامة أن يعبدوا السلطان، [ص ٤١] والسلطان يعبد الملائكة، والملائكة يعبدون الرب ﷿.
وقد أوضحتُ هذا بأدلته من القرآن والتاريخ في رسالة "العبادة".
ومن ذلك قول الله ﵎: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧].
أي: أن موسى لم يقنع بأن يذر عبادتك ويساويك فيعبد آلهتك الملائكة، بل ترقَّى عن ذلك فترك عبادة آلهتك الملائكة، وادَّعى مساواتهم في أنه يعبد الرب مباشرة.
وقد قصَّ الله ﷿ عن فرعون قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فتدبر.
وتمام هذا والجواب عما يورد عليه في رسالة "العبادة".
هذا، ولعامة أمم الشرك أشياء من هذا القبيل. أعني أنهم يكونون على هدى، ثم يقصِّرون في الاهتداء بهدي الأنبياء والتمسك بآثارهم، ويستغنون بعقولهم وأفكارهم؛ فيهلكون.
[ ١٩ / ٥٥ ]