وذلك واضح، ولكن خبر النبي - ﵌ - قد يكون عن ظنِّه نصًّا، كقوله: أظن كذا، ولعل كذا. أو بدلالة القرائن. وقد وقع هذا في الأمور الدنيوية. فأما الدينية، فمن قال من أهل العلم: إن النبي - ﵌ - كان قد يقول في الدين باجتهاده، فإنه يقول بوقوع هذا.
أقول: وسواء كان خبره عن أنه يظن في أمر ديني أو دنيوي، فهو مقطوع بصدقه فيما أخبر عنه، وهو الظن. أعني أنه أخبر أنه يظن، فالمقطوع به هو كونه يظن، فأما الأمر الذي ظنه فقد لا يكون واقعًا، وليس ذلك من الكذب، وإنما فيه خطأ الظن.
_________________
(١) أخرجه أحمد في "المسند" (١٩٤٩٤) والطحاوي في "معاني الآثار" (١/ ٢٢١). وصحَّح الحافظ إسناده في "الفتح" (٢/ ٢٧٠).
(٢) أخرجه أحمد (١٩٨٨١) وابن خزيمة (٥٨١). وهو حديث صحيح.
[ ١٩ / ٢٣ ]
وقد أخبر الله ﷿ عن آدم أنه ظنّ صِدقَ إبليس لما قاسمه بالله، وكذلك ظن يعقوب صدق بنيه في قولهم: ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ [يوسف: ٦٥]، وكذَّبهم في خبرهم عما جرى لهم من أخذِ أخيهم بتهمة السرقة، فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ٨٣]، وظن موسى أن أخاه قصَّر، فأخذ برأسه يجرُّه إليه، في نظائر لذلك.
وكان النبي - ﵌ - ربما سها في الصلاة وهو يظن أنه لم يَسْهُ، فصلى مرة خمسًا (^١)، ومعنى ذلك أنه عند قيامه للخامسة كان يظن أنها الرابعة.
وسلَّم مرة من ركعتين في رباعية الحضر، ومعنى ذلك أنه ظن أن قد أتمَّ أربعًا، فأما قوله لما سُئل أقُصِرَت الصلاة أم سهوتَ يا رسول الله؟: "كل ذلك لم يكن" (^٢)؛ فهو يتضمن خبرين:
أحدهما عن أمر ديني، وهو صدقٌ قطعًا، وهو كون الصلاة لم تُقصَر.
والثاني عن أمر دنيوي، وهو كونه لم ينْسَ. ومراده بالنظر إلى هذا أنه يظن أنه لم ينس، بمعونة القرينة، وهي أن هناك جمعًا كثيرًا يغلب عليهم التيقظ لأعمال الصلاة، فإن كان قد نسي فإنهم يعلمون أنه إنما نفى النسيان بالنظر إلى ظنه، فيرجع ذلك إلى الخبر بأنه يظن أنه لم ينس.
ومن ذلك: خبر تأبير النخل، وهو في "صحيح مسلم" من حديث طلحة (^٣)،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٢٦) ومسلم (٥٧٢) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) أخرجه مسلم (٥٧٣) من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ. وعند البخاري (٨٤٢ ومواضع أخرى): "لم أنسَ ولم تُقْصَر".
(٣) رقم (٢٣٦١).
[ ١٩ / ٢٤ ]
ومن حديث رافع بن خديج (^١)، ومن رواية حماد بن سلمة بوجهين (^٢): حماد عن هشام عن أبيه عن عائشة، وحماد عن ثابت عن أنس.
ورواية طلحة صريحة في أنه شهد القصة، وأن النبي - ﵌ - لم يجزم، وإنما قال: "ما أظنُّ يُغنِي ذلك شيئًا"، ثم قال لهم بعدُ: "إنما ظننتُ ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدَّثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله".
وفي رواية رافع: قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا"، ثم قال أخيرًا: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر". قال الراوي: أو نحو هذا.
فما وقع في رواية حماد من الوجهين الأخيرين: "لو لم تفعلوا لصلح" من التقصير في الرواية بالمعنى؛ ولهذا قدَّم مسلم ﵀ رواية طلحة، لأنه شهد القصة وتحرّى في بيانها، ثم عقَّبها برواية رافع لأنها قريبة منها، ثم ذكر رواية حماد من الوجهين على أنها شاهد لأصل القصة.
فثبت أنه - ﵌ - إنما أخبرهم عن ظنه أن التلقيح لا فائدة له، وإنما وقع له - ﵌ - هذا الظن لأنه لم يكن قد عرف حال النخل، وقد عرف بمكة والطائف وغيرهما أن عامة الشجر تثمر ويصلح ثمرها بلا تلقيح، فظن أن النخل كذلك، حملًا للفرد المجهول الحال على ما عرف من حال الغالب.
ومن هذا: ما رُوي من قوله - ﵌ -: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيْلة، ثم
_________________
(١) رقم (٢٣٦٢).
(٢) رقم (٢٣٦٣).
[ ١٩ / ٢٥ ]
نظرتُ في فارس والروم فإذا هم يُغِيلون أولادهم، فلا يضر ذلك أولادَهم شيئًا" (^١).
فقد كان مشهورًا بين العرب أن الغَيْل يضر بالطفل، فوقع في ظنه - ﵌ - صحة ذلك وأنه مبني على تجربة صحيحة، فأراد أن ينهى عنه لما فيه من الإضرار، ثم سأل عن حال فارس والروم فأُخبِر أنهم لا يتوقَّون كما يتوقَّى العرب، ثم رأى أنه لا يظهر بأولادهم ضرر، فظن - ﵌ - أن الغيل لا يضر، فقال ما تقدم.
[ص ٢٩] وجاء عنه - ﵌ - حديث آخر: "لا تقتلوا أولادكم [سرًّا]، فإن الغَيْل يدرك الفارسَ فيُدَعْثِره عن فرسه" (^٢).
فإذا صح هذا فلا بد أن يكون متأخرًا؛ لوجوه:
الأول: أن هذا نهي صريح، وقوله في الأول: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة" ظاهر في أنه لم يقع منه قبل ذلك نهيٌ، فعُلِم بذلك أن الخبر الصريح بالنهي لم يكن قبل ذلك.
الثاني: أن الخبر الأول مبني على الظن في الجانبين، كما تقدم، والخبر الثاني بتٌّ وقطع، فهو مبني على علم.
الثالث: أن قوله: "يُدرك الفارسَ فيُدعْثِره" شيء لا يُعرف بالقرائن
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٤٤٢) من حديث جُدامة بنت وهب.
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٥٦٢) وأبو داود (٣٨٨١) وابن ماجه (٢٠١٢) من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن. وصححه ابن حبان (٥٩٨٤)، وفي إسناده المهاجر بن أبي مسلم، لم يوثقه غير ابن حبان، وبقية رجاله ثقات.
[ ١٩ / ٢٦ ]