شبهة:
ذكروا عن هؤلاء أنهم استدلوا على منع القبول بأمرين:
الأول: أن الحكم الشرعي يترتب عليه أمور عظيمة، كإزهاق النفوس، وإحلال الفروج، وغير ذلك. وخبر الواحد يجوز أن يكون كذبًا، فإثبات الحكم الشرعي به يؤدي إلى إزهاق نفوس لا تحصى، وإحلال فروج لا تحصى، بخبر قد يكون كذبًا.
والجواب: أنكم تعلمون أن هذه النشأة الدنيا يشتبك فيها الخير بالشر، ألا ترون أن الخلق والتكليف وإرسال الرسل وإنزال الكتب جرَّ إلى كثير من الشر؟ وتعلمون أن المدار إنما هو على الموازنة، فإذا كان شيء يترتب عليه خير وشر بُنِيت الحكمة على الراجح. فإذا كان الخير أكثر وأعظم اقتضت الحكمة وقوعه.
ووجوب العمل بأخبار الثقات يترتب عليه من الخير والمصالح ما لا يحصيه إلا الله ﷿، من تيسُّرِ نقل الشريعة، والعلم والعمل بها، وما يترتب على ذلك من الثواب وقيام الحجة وتوسيع دائرة الابتلاء وغير ذلك. وكل ذلك داخل في حكمة الخلق والتكليف، وهذا كله متحقق لا ريب فيه.
وأما المفسدة التي حصرتم نظركم فيها فمع قلتها وصغرها في جانب ما ذكر من الخير هي محتملة فقط؛ لأن الغالب على أخبار الثقات الصحة، ولاسيّما إذا اعتبر فيها ما يعتبره أهل الحديث من شرائط القبول، ويعتبره الفقهاء في الاجتهاد والترجيح.
[ ١٩ / ٦٧ ]
وحسبك أنك لا تكاد [تجد] حديثًا صحيحَا قامت الحجة على كذبه، فإن كان فقليل جدًّا، وقد يكون ذاك القليل هو جميع ما اتفق فيه الكذب عمدًا أو خطأ.
وهذا كافٍ في حلِّ هذه الشبهة لمن يريد الحق.
وفوق ذلك، فقد تكفَّل الله ﷿ بحفظ شريعته، فإن اتفق أن فاجرًا تظاهر بالثقة فاغتر به بعض الناس، فكذب في حديثٍ؛ فإما أن يفضحه الله ﷿، وإما أن يرشد الناظر إلى ما يرد خبره، فإن تركه ففي بعض الأحوال والوقائع لحكمة يعلمها سبحانه، ثم يبين حاله في غير ذلك.
فإن قيل: قد يأخذ به آخذٌ، فيخطئ فيتبعه طائفة إلى يوم القيامة.
قلت: يبينه الله تعالى لغيره، ويكون على من تمكَّن من النظر من أتباعه أن ينظر، أو يسمع كلام من خالف متبوعه، أو يسأل، فيبين الله تعالى له. فإن أصرَّ الأتباع على رأي متبوعهم ولم يلتفتوا إلى غيره، فذاك ضلالٌ ارتضوه لأنفسهم، والدين بريء منه.
ومثل هذا يقع كثيرًا في النظر العقلي، وفي فهم القرآن، كما لا يخفى. وذلك غير خارج عن الحكمة، قال الله ﷿: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].
ومنكرو أخبار الآحاد يعترفون بالدلائل الظنية من القرآن، ومنهم من يعترف بالرأي والقياس، ويحتمل فيها مثل ما قالوا؛ بأن يذهب ذاهب إلى فهمٍ ظهَر له من القرآن، أو رأيٍ خطرَ له، ثم تتبعه طائفة أو طوائف.
[ ١٩ / ٦٨ ]