شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠].
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦].
[ص ٥٩] وقوله ﷿ في خطاب أهل النار: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣٠ - ٣١].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦ - ٧].
فروع
الأول: قد علمت أن العرب نطقت بهذا الاستعمال، وجعلت لـ "أغنى عن" مفعولًا، قالوا: "أغْنِ عني شرَّك".
وقال الشاعر: الحِماما (^١)
وفي "الصحيح" (^٢) قصة عثمان في الصحيفة التي عُرِضت عليه، فقال: "أغْنِها عنّا".
وقد صرح بالمفعول في بعض هذه الآيات، وأصرحها آية الجاثية:
_________________
(١) تمام البيت: لعمرك والمنايا غالباتٌ وما تُغني التميماتُ الحِمامَا وهو لصخر الغي الهذلي في "شرح أشعار الهذليين" (١/ ٢٨٧)، ولأبي مثلم الهذلي في "لسان العرب" (غنا).
(٢) البخاري (٣١١١).
[ ١٩ / ٩٦ ]
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]، وهو في كثير من الآيات لفظ "شيء" إما منصوبًا، وإما مجرورًا بـ "من" المؤكدة للعموم.
هذا هو الذي ينبغي اعتماده. وبعضهم يحمل لفظ "شيء" في كثير من الآيات على أنه مفعول مطلق، ويفسر بـ "شيئًا من الإغناء"، وهو تكلف لا ضرورة إليه.
وهو في كثير من الآيات اسم استفهام مقدم، كقوله ﷿: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١]، وقوله حكايةً عن الكافر حين يرى العذاب: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨]، وقوله سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢].
فـ "ما" في هذه الآيات استفهامية بمعنى "أي شيء"، والاستفهام إنكاري فيه معنى النفي.
ولا حاجة إلى جعل كلمة "ما" في الآيات نافية، لأن الفعل يخلو عن المفهوم، فإما أن يُدَّعى قصْرُه أو يُقدَّر، وكلاهما خلاف الأصل.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥]، والمعنى: أي شيء من الكفر، كما يأتي في التي بعدها.
وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. والمعنى: أي شيء من الرجس وهو الكفر؛ فإن قبلها: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي﴾ الآية.
[ ١٩ / ٩٧ ]
فأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١]، وقوله: ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] فسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
الثاني: كلمة "عن" ومجرورها ثابتة في أكثر الآيات، وتُرِكت في بعضها، والذي يترجح تقديرها؛ لتجري الآيات على وتيرة واحدة.
ففي قوله تعالى: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ أي عنهم، أي الكفار المتقدم ذكرهم قبلُ، أو ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ كما في الآية الأخرى، أو "عن المكذبين المتبعين أهواءهم"؛ لأن قبلها ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
وإذا قلنا بتقديره في ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ فتقديره: "عن المستظل به".
وفي ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يقدر: "عن آكله".
الثالث: اضطربت الأقاويل في كلمة "من" التي تجيء في هذا التركيب في نحو قوله تعالى: ﴿لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٩].
والذي يترجح حملها على ما بينته آية "المؤمن": ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾. فيقال في ﴿لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: إن تقدير المعنى: "لن يغنوا عنك شيئًا من أمر الله"، وفي آيتي "يوسف": "شيئًا من قضاء الله"، وفي آية "التحريم": "شيئًا من عذاب الله" وكذلك في آية "آل عمران".
وعلى هذا فالظاهر أن يقدر في آيتي "المرسلات" و"الغاشية": "شيئًا" أي: ولا يُغني عن المستظلِّ به شيئًا من اللهب، ولا يُغني عن آكله شيئًا من
[ ١٩ / ٩٨ ]