إذا لم تطمئن نفسك بأن معنى الآية إنما هو النهي عن عَضْه الناس وبَهْتهم، وترجح عندك معنى آخر يصلح لأن يستدل به المنكرون، فدونك أجوبة عن ذلك:
_________________
(١) (ص ٧٦٢ - ٧٦٤).
[ ١٩ / ٩٠ ]
الأول: أن كلمة ﴿عِلْمٌ﴾ في الآية الأولى، و﴿تَعْلَمُونَ﴾ في الثانية، يحتمل أن يكون مرادًا به ما يعم اليقين والظن الغالب، نحو دليل من شأنه ذلك، والقرينة على ذلك معرفة المخاطبين أن عامة مصالح الدنيا
_________________
(١) ومنها ما يتعلق بالدين إنما تقوم على اعتماد الظن الغالب، وأن الله ﷿ لم يبعث رسوله ليُحرِج العباد ويُضيِّق عليهم، بل قد عرفوا قبل نزول الآية التوسعة في ذلك، وفي أمور الدين أيضًا، كإيجاب اتباع الدلائل الظنية من الكتاب ومن كلام الرسول. كيف ولولا ذلك لكانت الآيتان مانعتين عن العمل بهما أنفسهما؛ لأن دلالتهما ظنية. وقد قال تعالى في سياق الآية الثانية: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٦٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠]. وهذه كلها أقوال لم يقم عليها دليل من شأنه أن يفيد الظن الغالب. الثاني: كلمة "ما" في قوله تعالى: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ عامة،
[ ١٩ / ٩١ ]
فتخصَّص بأدلة العمل بأخبار الثقات، ولاسيما عن النبي - ﵌ -. كيف وقد خصصت بغير ذلك من النصوص إجماعًا، وذلك بجواز أو إيجاب العمل بالظن الغالب في أشياء، كالدلائل الظنية من الكتاب والسنة المعلومة، والقضاء بالشهادة، وعمل العامي بفتوى المجتهد، والاعتماد في الصلاة والصوم على الأذان، واشتراء الأشياء ممن هي في يده مع احتمال أنه سرقها أو غصبها مثلًا، واشتراء اللُّحمان مع احتمال أنها ميتة أو لحم ما لا يحل، وقتل من نراه مع العدو في صفهم إذا لم نعرف أنه مسلم، والرأي في الحرب مع ما فيه من المخاطرة بالمسلمين، وغير ذلك.
وشكك بعضهم في هذا بأن للخصم أن يقول: إنما أقبل من هذا ما ثبت وجوب العمل به بدليل قاطع، كالدلائل الظنية من القرآن، ولا أجيز تخصيص الدلائل الظنية من القرآن إلا بدليل قاطع، أو بما قام على وجوب العمل به دليل قاطع.
أقول: لا حاجة للمناقشة مع هذا، بل يكفينا هنا ما يأتي.
الثالث: أن العمل بخبر الثقة ــ ولاسيّما الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﵌ - ــ ثابت بحجج تفيد العلم، كما يأتي إن شاء الله تعالى. وعليه فالعمل به اتباعٌ للعلم. أولا ترى أن القاضي إذا قضى في الأموال مثلًا بشهادة عدلين، فقد قضى بما أنزل الله ﷿ قطعًا، وإن كان صدق الشاهدين مظنونًا فقط. فهكذا مَن عمل بخبر الثقة فيما قامت الحجة القطعية على وجوب العمل بخبر الثقة من (^١) جنسه، والله أعلم.
_________________
(١) في الأصل: "في".
[ ١٩ / ٩٢ ]