يكون عندهم منكرًا. فينبغي التيقظ لهذا.
الثالث: إذا صححوا الحديث في باب، وكان فيه زيادة، فتصحيحهم قد لا يتجه إلى تلك الزيادة؛ لاحتمال أن تكون منكرة، ولاسيَّما إذا لم يذكروا تلك الزيادة فيما التزموا فيه الصحة.
الرابع: قد يتبين في هذا العصر في حديث مما في أحد الصحيحين علة تدل القرائن أن صاحب "الصحيح" لم يطلع عليها. فينبغي التأمل في هذا.
[ص ٣٩] فصل
وأعمُّ من هذا كله ما نُقل عن الإمام أحمد، وداود إمام أهل الظاهر، والحسين الكرابيسي، والحارث المحاسبي: أن خبر الثقة يفيد العلم مطلقًا.
ونصره ابن حزم، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، واختاره وجنح إليه بعض من جاء بعد هؤلاء (^١).
وردّ الأكثرون هذا القول، وشنّع بعضهم على من قاله. وقال الغزالي (^٢) ما معناه: لعلهم أرادوا أنه يجب العمل به قطعًا، أو أطلقوا العلم وأرادوا الظن.
أقول: كل من مارس الحديث يعلم أن العالم قد يرى أن هذا الراوي ثقة، ثم يتبين له أو لغيره جرحه، وقد يحكم بصحة الحديث، ثم يتبين له أو لغيره أن له علة قادحة، وقد يخبر كل من الثقتين بخبر يناقض خبر صاحبه،
_________________
(١) انظر "إرشاد الفحول" (ص ٤٣) و"الإحكام" لابن حزم (١/ ١١٩).
(٢) "المستصفى" (١/ ١٤٥).
[ ١٩ / ٤٩ ]
والثقة غير معصوم عن الخطأ إجماعًا، والنقل عن الإمام أحمد نفسِه كثير لبيان أغلاط المحدثين الثقات.
وظنُّ الغزالي قوي؛ فإن العلم كثيرًا ما يطلق في اللغة على ما يعمُّ اليقين القاطع، والظنَّ الغالب الناشئ عن دليل من شأنه إفادة الظن الجازم، ولذلك قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]. وسيأتي لهذا مزيدٌ إن شاء الله تعالى.
والإمام أحمد وداود والكرابيسي والمحاسبي بغداديون، وكان في عصرهم ببغداد طائفتان كانوا معهما في نزاع مستمر:
الأولى: الجهمية ونحوهم. وكانت تطعن في الأحاديث الواردة في صفات الله ﷿، وأحوال يوم القيامة، ونحوها، قائلةً: هذه أخبار آحادٍ غاية ما تفيده الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا، والعقائد إنما تستمدُّ من البراهين القطعية.
الثانية: بعض الغلاة في الرأي، كبشر المريسي. وكانوا يردون الأحاديث، تارةً بدعوى أنها مخالفة لظاهر القرآن، وتارة بأنها مخالفة للقياس.
فإذا قيل لهم: دلالة تلك الظواهر ظنية، والأحاديث تفيد الظن، فالصواب إنما هو العمل بهما بحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد، ونحو ذلك.
قالوا: من الظواهر عندنا ما يفيد العلم، والقياس عندنا قد يفيد العلم.
[ ١٩ / ٥٠ ]
قيل لهم: كيف ذلك مع احتمال أن هذا الظاهر غير مراد، وأن هذا القياس خطأ؟
قالوا: ذاك احتمال غير ناشئ عن دليل صحيح، فهو كالعدم، وقد قرر متأخرو الحنفية هذا، وقالوا: إن العلم علمان: علم يقين، وعلم طمأنينة، ثم أطلقوا في كل منهما القطع.
والحاصل أنهم أطلقوا العلم والقطع على الظن الحاصل ببعض الدلالات، وإطلاق العلم على ذلك قريب لما مرَّ ويأتي، وأما القطع فاصطلاح لهم.
فيمكن أن يكون الإمام أحمد وداود والكرابيسي والمحاسبي أرادوا الرد على الطائفتين، فقالوا: إن خبر الثقة يفيد العلم. وأرادوا أن الأخذ به واجب؛ لحجج تفيد العلم اليقيني. وقالوا للجهمية: من تلك الحجج إجماع سلف الأمة، وكان معروفًا عنهم الأخذ بخبر الثقة، حتى في صفات الله ﷿، وأحوال المحشر.
أقول: والسر في ذلك أنهم يطلقون من الصفات ما ثبت إطلاقه عن الله ﷿ ورسوله - ﵌ -، ولا يكيّفون ذلك ولا يبتغون تأويله، فصار الإطلاق قريبًا من الأحكام الفرعية، كالأذان والتشهد وأذكار الصلاة ونحوها. وما يقع في النفوس من ذلك لا يزيد عما يقع فيها من سماع آيات الصفات وتلاوتها.
وإذا رجع المنصف إلى عقله ودينه علمَ أنه لا ضرر من ذلك البتة. ولتوضيح هذا موضع آخر.
على أن ما يسميه الجهمية "براهين قطعية" ليست إلا شبهات مُضِلّة،
[ ١٩ / ٥١ ]
تُمرِض الصحيح وتزيد المريض مرضًا، فهي في الحقيقة أضعف من أن تفيد ظنًّا سليمًا، فكيف تفيد اليقين؟
[ص ٤٠] وقالوا لأهل الرأي: إذا وجب الأخذ بخبر الثقة قطعًا، فما بقي إلا أننا إذا نظرنا في خبر بعينه بقي عندنا احتمال أن يكون وقع في روايته شيء من الخلل لو بان لنا لسقط ذلك الخبر، ولكن هذا احتمال ناشئ من غير دليل، كما قلتم في ظواهر القرآن سواء، فأما القياس فهو أهون من ذلك.
أقول: ولعله يأتي استيفاء هذه الحجة وما لها وما عليها إن شاء الله تعالى، والمقصود هنا غير ذلك كما لا يخفى.
[ ١٩ / ٥٢ ]