إن لغات العرب مختلفة، ويحدث بين القبائل العربية اختلاف في إعراب أو رسم بعض الكلمات.
وقد جاء في «الصحيح» بعض الأمثلة من الاختلافات، ويمكن إرجاع السبب فيها إلى اختلاف اللغات، فمنها:
١ - لغة ربيعة:
ووقفت على عدة أمثلة أذكر منها:
أ - ما جاء من اختلافهم في رسم كلمة: (أربع)
وذلك في كتاب: العمرة، باب: كم اعتمر النبي - ﷺ - (١) من حديث ابن عمر ﵄ وفيه أن مجاهدا وعروة بن الزبير سألاه: كَمْ عدد عُمَرَاتِ النبي - ﷺ -؟ قَالَ: (أَرْبَعً) إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ الحديث.
كذا جاء اللفظ عند اليونيني في أصله: (أَرْبَعً) بصورة المرفوع وعليها فتحتان، ورمز اليونيني لصحة ذلك عند أبي ذر أيضًا.
قال ابن مالك في «شواهد التوضيح» (٢) كذا في بعض النسخ برفع (أربع) وفي بعضها بالنصب.
ثم قال بعد أن بسط كثيرا من الأمثلة على جواز رفع أربع أو نصبها من حيث الأوجه الإعرابية، قال: فعلى ما قررته: النصب والرفع في (أربع) بعد السؤال عن الاعتمار جائزان، إلا أن النصب أقيس وأكثر نظائر، ويجوز
_________________
(١) ٣/ ٢ (١٧٧٥).
(٢) ص: ٣٧.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
أن يكون كُتب على لغة ربيعة، وهو في اللفظ منصوب (١).
ب - اختلافهم في كلمة (ثابت)
ما جاء في كتاب: الصوم، باب: الحجامة والقيء للصائم (٢).
قال البخاري: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ (ثَابِتً) الْبُنَانِيَّ يَسْأَلُ قَالَ: سُئِلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لاَ، إِلاَّ مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ.
كذا جاءت كلمة (ثَابِتً) بصورة المرفوع وعليها فتحتان، وفي الهامش عليها: (ثابتً)، هو هكذا في «اليونينية» بصورة المرفوع وعليه فتحتان. اهـ.
ولم يتعرض لذلك ابن حجر ولا غيره من الشراح، وجاءت في المطبوع من «الفتح»: (ثابتًا) كذا.
وهذه الصورة التي جاءت في «اليونينية» يمكن تخريجها على لغة ربيعة، والله أعلم.
٣ - اختلافهم في (منع وهات):
ومنه ما جاء في كتاب الخصومات، باب: ما يُنهى عن إضاعة المال من حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَادَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» (٣).
كذا جاءت كلمة (مَنَعَ) في «اليونينية» مصححًا عليها، وبهامشها: (ومنعًا) ورمز اليونيني إلى صحة الرواية عند أبي ذر كذلك.
_________________
(١) «شواهد التوضيح» ص: ٣٩.
(٢) ٣/ ٣٣ (٩٤٠).
(٣) ٣/ ١٢٠ (٢٤٠٨).
[ ٢ / ٥٦١ ]
وقال ابن مالك في «شواهد التوضيح»: ومن المكتوب على لغة ربيعة: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَادَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ» أي: منعًا وهات، فحُذف الألف لما ذكرتُ لك، وحذفها هنا بسبب آخر لا يختص بلغة؛ وهو أن تنوين (منعًا) أُبدل واوًا، وأُدغم في الواو، فصار اللفظ بعين تليها واو مشددة، كاللفظ (يعول) وشبهه، فجُعلت صورته في الخط مطابقةً للفظه، كما فعل بكَلِمٍ كثيرةٍ في المصحف، ويمكن أن يكون الأصل: ومنع حق وهات، فحُذف المضاف إليه وبقيت هيئة الإضافة (١).
ج - ومما جاء على لغة ربيعة أيضًا ما جاء في قول عائشة ﵂ فيما أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: المُحَصَّب (٢) قالت: إنما كان منزل ينزله النبي - ﷺ -. ا. هـ.
كذا جاء الحديث في «اليونينية» (منزل) بصورة المرفوع والمجرور، وفي الهامش رمز أنه عند أبي ذر: (منزلًا) بالنصب، وكذا هي عند ابن حجر في «الفتح».
فقد وجه ابن مالك في «شواهد التوضيح» الرواية الأولى بثلاثة أوجه.
وذكر الوجه الثالث منها فقال: الوجه الثالث: أن يكون (منزل) منصوبًا في اللفظ، إلا أنه يكتب بلا ألف على لغة ربيعة؛ فإنهم يقفون على المنصوب المنون بالسكون وحذف التنوين بلا بدل، كما يفعل أكثر العرب في الوقف على المرفوع والمجرور، وإنما كُتب المنون المنصوب بالألف؛ لأن تنوينه يبدل في الوقف ألفًا، فرُوعِي جانب الوقف، كما روعي في (أنا) فكتب بالألف لثبوتها وقفًا، ولم يبالوا بحذفها وصلًا، وكما رُوعِي في
_________________
(١) انظر: «شواهد التوضيح» ص: ٤٩ - ٤٥.
(٢) ٢/ ١٨١ (١٧٦٦).
[ ٢ / ٥٦٢ ]
(مسلمة) ونحوه، فكتب بالهاء لثبوتها وقفًا، ولم يبالوا بثبوتها في الوصل تاء، وكما رُوعِي في (به) و(له) ونحوهما، فكتبا بلا ياء ولا واو كما يوقف عليهما، ولو رُوعِي فيهما جانب الوصل لكتبا بياء وواو، فمن لم يقف على المنون المنصوب بألف استغنى عنها في الخط؛ لأنها على لغته ساقطة وقفًا ووصلًا. اهـ (١).
٢ - لغة بني الحارث بن كعب.
ومن أمثلة الاختلافات التي جاءت على هذه اللغة:
أ - قوله: (اثنا عشر)
وهو ما جاء في كتاب: الأذان، باب: السمر مع الضيف والأهل (٢) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ الحديث، وفيه: فَتَفَرَّقْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا.
كذا العبارة في «اليونينية»، وفي الهامش رمز أن في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت ونسخة أخرى: (اثني).
قال ابن مالك: مقتضى الظاهر أن يقول: وفرقنا اثني عشر رجلًا. لأن (اثني عشر) حال من النون والألف، ولكنه جاء بالألف على لغة بني الحارث بن كعب، فإنهم يلزمون المثنى وما جرى مجراه الألف في الأحوال كلها؛ لأنه عندهم بمنزلة المقصور (٣).
٢ - اختلافهم في لفظة (المتبايعان).
_________________
(١) «شواهد التوضيح» ص: ٣٧، «فتح الباري» ٣/ ٥٩١.
(٢) ١/ ١٢٤ (٦٠٢) هامش (١٧).
(٣) «شواهد التوضيح» ص: ٩٧.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
مثاله: ما جاء في كتاب: البيوع، باب: كم يجوز الخيار (١) من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونُ الْبَيْعُ خِيَارًا» كذا جاءت الكلمة في «اليونينية» وفي الهامش رمز أنها عند ابن عساكر: (المتبايعان).
قال القسطلاني: هي على لغة من أجرى المثنى بألف مطلقا (٢). ا. هـ.
قلت: وهي لغة بني الحارث كما سبق ذكره عن ابن مالك.
٣ - اختلافهم في كلمة (أبا جهل):
ومنه ما جاء في كتاب: المغازي، باب: قول الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾ (٣) من حديث أنس ﵁ في قول عبد الله بن مسعود: أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ؟
كذا جاء في «اليونينية» وصححها اليونيني في الأصل، وفي الحاشية أن في رواية أبي ذر عن شيخيه الكشميهني والحمّويي، والأصيلي، وابن عساكر: (أَبَا جَهْلٍ) وقال ابن مالك (٤) وهو يتكلم عن لغة بني الحارث: ومن لغتهم أيضًا قصر الأب والأخ، كقول ابن مسعود ﵁ لأبي جهل: أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ؟ ا. هـ.
وقال ابن حجر في «الفتح» (٥): قوله: (أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ؟) كذا للأكثر، وللمستملي وحده: (أَنْتَ أبُو جَهْلٍ؟)، والأول هو المعتمد في حديث أنس
_________________
(١) ٣/ ٦٤ (٢١٠٧).
(٢) وانظر «شرح ابن عقيل» على ألفية ابن مالك ١/ ٥٨ - ٥٩.
(٣) ٥/ ٧٤ (٣٩٦٣).
(٤) ص: ٩٧.
(٥) ٧/ ٢٩٥.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
هذا، فقد صرح إسماعيل ابن علية عن سليمان التيمي بأنه هكذا نطق بها أنس .. ثم قال: وقد وُجهت هذه الرواية المذكورة بالحمل على لغة من يثبت الألف في الأسماء الستة في كل حالها. اهـ.
٣ - ومن اللغات أيضًا لغة طيء:
ومن أمثلة الاختلافات التي تمثل هذه اللغة ما جاء في كتاب الصلح، باب: الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث .. وفيه في ترجمة الباب: فإن تَوِيَ لأحدهما لم يرجع على صاحبه (١). كذا في «اليونينية» بفتح المثناة وكسر الواو وصحح عليها، وفي الحاشية على هذه الكلمة: عند أبي ذر: (تَوَى) بفتح الواو، وهي على لغة طيء ا. هـ.
٤ - ومن الأمثلة التي جاء الاختلاف فيها تبعًا لأحد اللغات:
أ - ما جاء في كتاب: جزاء الصيد، باب من قال: ليس على المحصر بدل (٢). من حديث ابن عمر ﵄. وفيه: (وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ، وَأَهْدَى).
ضبطت كلمة (مُجْزِيًا) في «اليونينية» بضم الميم وسكون الجيم وكسر الراء وآخرها ألف وعليها فتحتان. وفي الهامش: رمز أن رواية أبي ذر مصححًا، والأصيلي، وابن عساكر مصححًا أيضًا بلفظ: (مُجزئ) بضم الميم وسكون الجيم آخرها همزة وعليها ضمتان. اهـ.
وقال القسطلاني: (مجزيًا) بغير همز في «اليونينية» وكشطها في الفرع، وأبقى الياء على صورتها منصوبًا على لغة من ينصب الجزأين بـ (أن) أو خبر (يكون) محذوفة. ا. هـ
_________________
(١) «اليونينية» ٣/ ١١٨٧.
(٢) ٣/ ١٠ (١٨١٣).
[ ٢ / ٥٦٥ ]
وقال ابن حجر في الفتح: قوله: (ورأى أن ذلك مُجزئ عنه) كذا لأبي ذر وغيره بالرفع على أنه خبر (أنّ)، ووقع في رواية كريمة: (مجزيًا) فقيل هو على لغة من ينصب بـ (أن) المبتدأ والخبر، أو هى خبر (كان) المحذوفة، والذي عندي أنه من خطأ الكاتب؛ فإن أصحاب الموطأ اتفقوا على روايته بالرفع على الصواب. ا. هـ (١)
قلت (الباحث): وهذه اللغة لغة معروفة وقد جاءت في بعض الأحاديث الأخرى (٢).
ب - ومما جاء على القاعدة المشهورة عند بعض العرب، وهي إبدال الهمزة بعد النقل بمجانس حركتها:
ما جاء في كلمة (أخوة) في حديث أبي سعيد الخدري في فضل أبي بكر الصديق ﵁، في كتاب: فضائل الصحابة ﵃، باب: قول النبي - ﷺ -: «سُدُّوا الأَبْوَابَ إِلاَّ بَابَ أبا بَكْرٍ » (٣).
قال القاضي عياض (٤): في فضل أبي بكر: «وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ» كذا للقابسي والنسفي والسجزي والهروي وعبدوس كما جاء في سائر الأحاديث، قال نفطويه: إذا كانت من غير ولادة فمعناها المشابهة، وعند العذري والأصيلي هنا: (وَلَكِنْ خُوَّةُ الإِسْلاَمِ).
_________________
(١) «فتح الباري» ٤/ ١٢.
(٢) انظر كتاب «العلل لابن أبي حاتم» ص: ٥٢٥ مسألة (٥٥٠) في باب: علل رويت في الصلاة ومسائل رقم (٥٩١)، ٧٣٠ غير ذلك، وانظر: «شرح النووي على مسلم» ٣/ ٧٢ حيث حكى اختلاف الاصول في حديث أبي هريرة في الشفاعة في جملة: (إن قعر جهنم لسبعون خريفًا).
(٣) ٥/ ٤ (٣٦٥٤).
(٤) ١/ ٢٢ (المكتبة العتيقة).
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وكذا جاء في باب: الخوخة في المسجد للجرجاني والمروزي، وعند الهروي: (أخوة)، وعند النسفي: (خلة)، وكذا في باب الهجرة.
قال شيخنا أبو الحسن بن الأخضر النحوي: ووجهه أنه نقل حركة الهمزة إلى نون (لكن) تشبيها بالتقاء الساكنين، ثم جاء منه الخروج من الكسرة إلى الضمة فسكن النون. ا. هـ.
وقال ابن حجر في «الفتح»: ووقع في بعض الروايات (وَلَكِنْ خُوَّةُ الإِسْلاَمِ) بغير ألف فقال ابن بطال: لا أعرف معنى هذه الكلمة، ولم أجد (خوة) بمعنى خلة في كلام العرب ا. هـ.
وقد وجدت في بعض الروايات: (وَلَكِنْ خُلَةُ الإِسْلاَمِ) وهو الصواب، وقال ابن التين: لعل الألف سقطت من الرواية، فإنها ثابتة في سائر الروايات، ووجهه ابن مالك بأنه نقلت حركة الهمزة إلى النون فحذف الألف، وجَوز مع حذفها ضم نون (لكن) وسكونها، قال: ولا يجوز مع إثبات الهمزة إلا سكون النون فقط. ا. هـ (١)
وذكر ابن مالك في «شواهد التوضيح» أن: (خوة) أصلها (أخوة) فنقلت حركة الهمزة إلى النون وحذفت الهمزة على القاعدة المشهورة ثم قال:
ونبهت بقولي: على القاعدة المشهورة، على أن من العرب من يبدل الهمزة بعد النقل بمجانس حركتها، فيقول: هؤلاء نشؤُ صدق، ورأيت نشأ صدق، ومررت بنشيء صدق .. ثم قال: وشبيه بـ (ولكن خوة الإسلام) في تخفيف مرتين (كذا) وحذف همزته لفظًا وخطًا: قوله تعالى: ﴿لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾
_________________
(١) «فتح الباري» ٧/ ١٣ - ١٤، وينظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ١١٦، و«شواهد التوضيح» ص: ٨٢ - ٨٣.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
فإن أصله: لكن أنا، فنقلت حركة الهمزة، وحذفت فصار لكننا، واستثقل توالي النونين متحركتين، فسكن أولهما، وأدغم في الثاني ثم قال:
والحاصل أن للناطق بـ (ولكن خوة الإسلام) ثلاثة أوجه: سكون النون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضم النون وحذف الهمزة، وسكون النون وحذف الهمزة. فالأول أصل، والثاني فرع، والثالث فرع فرع (١).