أهمية الكتابة:
إن الكتابة من أهم وسائل الحفظ التي تساعد الراوي على حفظ ما سمع أو روى، وخاصة في العلوم الإسلامية، والتي تعتمد على ضبط اللفظ المسموع عن الشيخ، سواء كان هذا اللفظ متنًا أو سندًا، وهذا الضبط لا سبيل إليه إلا عن طريق الكتابة والتقييد كما سمع من الشيخ؛ ولأهمية الكتابة عند المحدثين فقد أودعوا كتبهم فصولًا كاملة وجعلوها علومًا برأسها لا ينبغي للمتصدر للرِّوَاية إهمالها، بل إنهم ألفوا فيها المؤلفات الخاصة. ومن هذه المؤلفات كتاب «أدب الكتاب» للإمام أبي بكر محمد بن يحيى بن عبد الله الصولي (٣٣٥) هـ أودع فية آداب الكتابة عند العرب والمحدثين.
وألف القاضي الرامهرمزي (٣٦٠) هـ كتابه: «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» (١)، ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الكتاب من أكثر الكتب التي حرص العلماء على سماعه، وتدوين هذا السماع على نسخة الأربعة، حتى إن المحقق قد ساق هذه السماعات فزادت على أكثرَ من تسعين ورقة من الكتاب، وهذه السماعات تستحق أن تدرس وتخرج في مؤلف مستقل؛ حتى يقف العلماء والباحثون على صفحات مشرقة من السماع والإسماع، الذي لا يعرف لأهل فن من الفنون كما عرف به أهل الحديث.
كما ألف في هذا المجال - مجال عناية المحدثين بضبط المرويات وتوثيقها - الخطيب البغدادي المتوفى سنة (٤٦٣) هـ فألف كتبه الثلاثة وهي: «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»، وهو مطبوع في مجلدين، طبعته مكتبة المعارف بالرياض، بتحقيق الدكتور محمود الطحان، وكتاب «الكفاية
_________________
(١) حققه د / محمد عجاج الخطيب، ونشرته دار الفكر، وقد اعتمد فيه المحقق على أربع نسخ خطية.
[ ١ / ٨٤ ]
في علم الرِّواية» وهو مطبوع، طبعته دار ابن تيمية بالقاهرة في مجلد واحد، وكتاب «تقييد العلم»، طبعته في جزء لطيف المكتبة العصرية ببيروت سنة ٢٠٠١ م.
وجاء القاضي أبو الفضل عِياض بن موسى اليحصبي (٤٧٦ - ٥٤٤) هـ فألف كتابه:
«الِإلماع في ضبط الرِّواية وتقييد السماع» ضمنه فصولًا مهمة في ضبط الرِّواية وتقييد السماع، كما يفهم من عنوان الكتاب، وقد بلغ درجة عالية من إرساء القواعد وبيان ما كان عليه العلماء من الدقة والتحري في ضبط الكتاب.
وقد لخص هذه الفصول وحررها العلامة تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري (٥٧٧ - ٦٤٣) المعروف بابن الصلاح في كتابه «علوم الحديث» (١)،
والمعروف بـ «مقدمة ابن الصلاح» وذلك في النوع
_________________
(١) وكل من جاء بعد ابن الصلاح وألف في علوم الحديث اقتدى به، أمثال زين الدين عبد الرحيم ابن الحسين العراقي المتوفى سنة (٨٠٦) هـ حيث ألف كتابه «التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح»، وغيره مما لا مجال لحصره، وهو معلوم عند أهل الشأن، ومن الكتب التي توسعت في بيان آداب الكتابة كتاب «تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم» للشيخ بدر الدين ابن جماعة الكناني المتوفى سنة (٧٣٣) هـ وهو مطبوع، طبعته دار الكتب العلمية. ومن الكتب الحديثة التي كتبت في هذا الموضوع مع عنايتهم بجهود المحدثين في ذلك ما يلي: - «الترقيم وعلاماته في اللغة» لأحمد زكي باشا، طبع في القاهرة سنة ١٣٣٠ هـ ثم أعاد طباعته عبد الفتاح أبو غدة بعنايته سنة ١٤٠٧ هـ طبعة مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب. - ومنها محاضرات ألقاها المستشرق الألماني براجشتراسر، وكان قد ألقاها على طلبة كلية الآداب بجامعة القاهرة سنة ١٣٥٠ هـ، وطبعت بإعداد وتقديم تلميذه الدكتور / محمد حمدي البكري بالقاهرة سنة ١٣٨٩ هـ. - ومنها كتاب العلامة عبد السلام هارون، وهو بعنوان «تحقيق النصوص ونشرها» طبع في القاهرة سنة ١٣٧٤ هـ، ثم طبع بعد ذلك طبعات كثيرة. - ومنها كتاب «تحقيق النصوص» للدكتور / صلاح الدين المنجد، وهو بحث منشور في مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة سنة ١٣٧٥ هـ، ثم طبع عدة مرات في بيروت. - ومنها «تحقيق التراث العربي منهجه وتطوره» للدكتور / عبد المجيد دياب، طبع بالقاهرة سنة ١٣٨٠ هـ. - ومنها كتاب «مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين» للدكتور / رمضان عبد التواب، طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة سنة ١٤٠٦ هـ. - ومنها «قطوف أدبية دراسات نقدية في التراث العربي» حول تحقيق التراث للأستاذ / عبد السلام هارون، نشرته مكتبة السنة بالقاهرة سنة ١٤٠٩ هـ. - ومنها مقالات الدكتور / محمود محمد الطناحي، وهو صفحات في التراث والتراجم، نشرتها دار البشائر الإسلامية ٢٠٠٢ م. - وممن خص المُحّدثين بالتأليف وأبرز جهودهم في هذا المجال من المُحْدَثين: - العلامة المحدث الشيخ أحمد شاكر؛ حيث كتب مقدمة نفيسة في تصحيح الكتب، وصنع الفهارس المعجمة وكيفية ضبط الكتاب، وسبق المسلمين الأفرنج في ذلك، وهذه المقدمة في أول كتاب «سنن الترمذي» وهي مقدمة أودع في جزء منها النوع الخامس والعشرين من أنواع علوم الحديث من مقدمة ابن الصلاح وعلق عليها تعليقات جيدة. - ومنهم: الدكتور / أحمد نور سيف، حيث كتب بحثًا بعنوان «عناية المحدثين بتوثيق المرويات وأثر ذلك في تحقيق المخطوطات»، طبعته دار المأمون للتراث بدمشق سنة ١٤٠٧ هـ. - وكتب أيضًا د / موفق بن عبد الله بن عبد القادر بعنوان «توثيق النصوص وضبطها عند المحدثين» وهو مطبوع، نشرته دار التوحيد للنشر سنة ٢٠٠٧ هـ. - كما وقفت على دراسة للدكتور / عابد سليمان المشوخي بعنوان «أنماط التوثيق في المخطوط العربي في القرن التاسع الهجري» وضمنها فصولًا في المقابلة والتصحيح والسماعات والإجازات عند المحدثين في هذا القرن.
[ ١ / ٨٥ ]
الخامس والعشرين (١) حيث قال:
_________________
(١) وقد نقل كلام ابن الصلاح هذا العلامة أحمد شاكر في مقدمة تحقيقه لكتاب «الجامع الصحيح» وهو «سنن الترمذي» في ص: ١٦ إلى ص: ٤٢ من المجلد الأول، وعلق عليه بعض التعليقات، وقد أعاد نشرها بعنايته عبد الفتاح أبو غدة، ونشرها مكتب المطبوعات الإسلامية سنة ١٩٩٣ م، وسماها «تصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة وكيفية ضبط الكتاب وسبق المسلمين الإفرنج في ذلك». وهذا القدر المنقول من المقدمة لابن الصلاح هو في كتابه من ص: ١٧١ - ١٨٥ من طبعة حلب سنة ١٣٥٠ هـ، التي حققها العلامة الشيخ راغب الطباخ رحمه الله تعالى، ومن ص: ١٨١ - ٢٠٨ من الطبعة التي أشرف عليها د / نور الدين عتر، التي صدرت عن دار الفكر سنة ١٩٨٦ م بدمشق، ومن ص: ٣٦٢ وحتى ص: ٣٨٩ من طبعة د / عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) التي طبعتها دار المعارف بالقاهرة، وبهامشها «محاسن الإصطلاح» للإمام سراج الدين البلقيني (٨٠٥) هـ.
[ ١ / ٨٦ ]