بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله المنعم، مفضل النبيين، المجزل الجواد الكريم، ذي المن العظيم، الذي ابتدأنا بنعمته في الأزل مشيئةً وقدرًا قبل أن نكون خلقًا بشرًا، وقبل أن نُسوَّى أجسامًا وصورًا، ثم اصطنعنا بعد فأكرمنا بمعرفته، وأرشدنا بنور هدايته، علمنا الدين وكنا جُهّالًا، وبصَّرنا السبيل وكنّا ضُلالا، ولولا فضله علينا ورحمته إيانا ما زَكا منا من أحد ولا اهتدى بجهده إلى خير ورشد، و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجا* قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢] أوضح به مناهج الحق، ونَوَّر سبلَه، وطمس به أعلام الباطل، وعَوَّر طرقه، وشرع فيه الأحكام، وبين فيه الحلال والحرام، ثم بشر وأنذر، ووعد وأوعد، وضرب فيه الأمثال، واقتص عن الأمم السالفة نواصي الأخبار؛ ليكون لنا فيها موعظة وبها اعتبار.
والحمد لله ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وان كانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] جعله مهيمنًا على كتابه، ومبينًا له، وقاضيًا على ما أجمل منه بالتفسير، وعلى ما أبهم من ذكره بالبيان والتلخيص؛ ليرفع بذلك من قدره، ويشيد بذكره، فتكون أحكام شرائع دينه صادرة عن بيان قوله وتوقيفه، ثم قرن طاعته بطاعته، وضمن الهُدى في متابعته، فقال: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وأحمد الله الذي جعلنا من أمته؛ فأكرمنا بدينه وسنته، وعلمنا منهما ما لم نكن نعلم، وكان فضله علينا عظيمًا.
[ ١ / ٧ ]
نحمده على جميع آلائه قديمها وحديثها، تليدها وطريفها، السالفة منها والراهنة، الظاهرة منها والباطنة، حمدَ المعترفين بأسبابه وبآلائه، العاجزين عن مزيد فضله، ونسأله أن يصلي على محمدٍ عبدِهِ ورسولِهِ أفضل صلاة صلاها على نبي من أنبيائه، وأرفعَها درجةً، وأسناها ذكرًا، صلاةً تامةً زاكيةً غاديةً عليه ورائحةً، كما قد جاهد فيه حق جهاده، وناصحه في إرشاد خلقه وعباده، وعادى فيه الأقربين، ووالى الأجانب الأبعدين، وصدعَ بما أُمر حتى أتاه اليقين، وأن يضاعف من بركاته عليه، ويزلف مقامه لديه، وأن يسلم عليه وعلى آله تسليمًا (١).
أما بعد:
لقد أكرم الله تعالى هذه الأمة الإسلامية المحمدية بخصائصَ كثيرةٍ ومزايا وفيرة، منها ما يتعلق بذات الشريعة المطهرة وأنواع العبادات والمعاملات والطاعات والمثوبات يسرًا وسهولة، ومنها ما يتعلق بخدمة الشريعة ونقلها وتبليغها وتدوينها وضبطها وحفظها، وفي كل ناحية من هاتين الناحيتين خصائص غير قليلة.
ومن أهم هذه الخصائص التي أكرم الله بها الأمة الإسلامية في تبليغ الشريعة من السلف إلى الخلف خصيصة الإسناد؛ حيث كان كل واحد منهم ينقل العلم لمن بعده من الخلف سندًا معزوًا إلى قائله، وذلك في كل العلوم حتى إذا منَّ الله على الأمة الإسلامية بتثبيت نصوص الشريعة وعلومها، وأصبحت راسخة البنيان، محفوظة من التغيير والتبديل، تسامح العلماء في أمر الإسناد؛ اعتمادًا منهم على شيوع التدوين وثبوت معالم الدين.
ومعنى الإسناد هو مصدر من قولك: أسندت الحديث إلى قائله، إذا رفعته إليه بذكر ناقله.
_________________
(١) مقتبس من مقدمة الخطابي في «أعلام الحديث».
[ ١ / ٨ ]
والإسناد هو حكاية طريق متن الحديث، والسند طريق متن الحديث، وسمي سندًا لاعتماد الحفاظ عليه في الحكم بصحة الحديث أو ضعفه، أخذًا من معنى السند لغة، وهو ما استندت إليه من جدار أو غيره.
وحكاية الإسناد ورواية النصوص مُسندةً خصيصةٌ عظيمةٌ، ومَيزةٌ لم تعط للأمم من قبلنا، وهو من الدين بموقع عظيم.
ولقد عقد الإمام مسلم في مقدمة «صحيحه» بابًا في بيان أن الإسناد من الدين، وضمنه بعض أقوال العلماء في بيان منزلة الإسناد من الدين (١) ومنها:
ما نقله عن ابن سيرين ت (١١٠) هـ قال: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَاخُذُونَ دِينَكُمْ (٢).
وقال أيضًا: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ (٣).
وعن سليمان بن موسى قال: لَقِيتُ طَاوُسًا فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلاَنٌ كَيْتَ وَكَيْتَ. قَالَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ (٤).
_________________
(١) وذكر أستاذنا الدكتور مصطفى أبو عمارة في أول كتابه «رواة الحديث وطبقاتهم» مقدمة نفيسة في بيان مكانة الإسناد من الدين، واختصاص الأمة الإسلامية به.
(٢) أخرجه مسلم في المقدمة ١/ ١١، وابن سعد في «الطبقات» ٧/ ١٩٤، والدارمي في «سننه» المقدمة، باب في الحديث عن الثقات ١/ ٤٠٠ (٤٤٣)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٢/ ١٥.
(٣) أخرجه مسلم في المقدمة ١/ ١١، والدرامي في «سننه» المقدمة، باب في الحديث عن الثقات ١/ ٣٩٦ (٤٣٠)، وعبد الله بن أحمد في «العلل» ٢/ ٥٥٩ (٤٦٤٠)، وابن عدي في «الكامل» ١/ ٥١٧ (١٤٠٢).
(٤) أخرجه مسلم في المقدمة ١/ ١٢، والدارمي في «سننه) المقدمة، باب في الحديث عن الثقات ١/ ٣٩٥ (٤٢٨)، والعقيلي في «الضعفاء» ١/ ١٢.
[ ١ / ٩ ]
وعن أبى الزِّنَاد قال: أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً كُلُّهُمْ مَامُونٌ. مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ يُقَالُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ (١).
وعن عبد الله بن المبارك (١٨١) هـ قال: الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ (٢).
وفي بعض الروايات الأخرى عند غير مسلم زيادة: ولكن إذا قيل له: من حدثك؟ بقي (٣).
وقال أيضًا: بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ. يَعْنِي الإِسْنَادَ (٤).
وقال أبو عبد الله الحاكم في كتابه «معرفة علوم الحديث» بعد ذكره لقول ابن المبارك: الإسناد من الدين - قال: فلولا الإسناد، وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه، لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بُتْرًا (٥).
واعتبر الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (١٢٤) هـ الأحاديث التي ليس لها أسانيد أنها أحاديث ليس لها خُطُم ولا أَزِمَّة.
روى الحاكم بإسناده إلى عتبة بن أبى حكيم أنه كان عند إسحاق بن أبى
_________________
(١) أخرجه مسلم في المقدمة ١/ ١٢، وابن عدي في «الكامل» ١/ ٢٥٩، والخطيب في «الكفاية» ص: ٢٥٢.
(٢) أخرجه مسلم في المقدمة ١/ ١٢، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٢/ ١٦، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٨/ ٢٠٤.
(٣) أخرجه الترمذي في «العلل الصغير» في سننه ١/ ٨٠٤، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ٣/ ١٠٥٤.
(٤) أخرجه مسلم في المقدمة ١/ ١٢
(٥) «معرفة علوم الحديث» ص: ١١٥.
[ ١ / ١٠ ]
فروة (١) وعنده الزهري، قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله، قال رسول الله، وقال له الزهري: قاتلك الله يا ابن أبى فروة، ما أجرأك على الله، ألا تسند حديثك، تحدثنا بأحاديث ليس لها خُطُم ولا أَزِمَّة (٢).
وقال شعبة بن الحجاج (١٦٠) هـ: كل حديث ليس فيه: حدثنا أو أخبرنا، فهو خل وبقل (٣).
وقال سفيان الثوري (١٦١) هـ رحمه الله تعالى: الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه سلاح فبأَي شيء يقاتل (٤).
وقال أيضًا: الإسناد زين الحديث، فمن اعتنى به فهو السعيد (٥).
وقال الإمام الشافعي (٢٠٤) هـ رحمه الله تعالى: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد، كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب، وفيه أفعى وهو لا يدري (٦).
وقال الحافظ بقية بن الوليد الحمصي (١٩٧) هـ: ذاكرت حماد بن زيد
_________________
(١) أحد الضعفاء المتروكين .. ينظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ١/ ٣٩٦ (١٢٦٠)، و«الجرح والتعديل» ٢/ ٢٧٧، و«الكامل» لابن عدي ١/ ٥٣١.
(٢) «معرفة علوم الحديث» ص: ١١٥.
(٣) أخرجه ابن الجعد في «مسنده» ص: ٢٢ (٣٠)، وابن عدي في «الكامل» ١/ ١٠٧، وأبو نعيم في «الحلية» ٧/ ٢٤٩. والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» ص: ٥١٧ (٦٤٩)، والخطيب في «الكفاية» ص: ٤١٢، والسمعاني في «أدب الإملاء والاستملاء» ص: ٧.
(٤) أخرجه ابن حبان في «المجروحين» ١/ ٢٧، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» ص: ٨٨ (٧٦)، والسمعاني في «أدب الإملاء» ص: ٨.
(٥) «أدب الإملاء» للسمعاني ص: ٦، ٨.
(٦) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٩/ ١٢٥، والحاكم في «المدخل إلى كتاب الأكليل» ١/ ٢٨، وأورده الخليلي في «الإرشاد» ١/ ١٥٤.
[ ١ / ١١ ]
بأحاديث، فقال: ما أجودها لو كان لها أجنحة! يعني: إسنادًا (١).
وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن المُعلِّمى رحمه الله تعالى في فاتحة كتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم الرازي: الإنسان يفتقر في دينه ودنياه إلى معلومات كثيرة لا سبيل له إليها إلا بالأخبار، وإذا كان يقع في الأخبار الحق والباطل، والصدق والكذب، والصواب والخطأ، فهو مضطر إلى تمييز ذلك.
وقد هيأ الله ﵎ لنا سَلَفَ صِدْق، حفظوا لنا جميع ما نحتاج إليه من الأخبار في تفسير كتاب ربنا ﷿، وسنة نبينا - ﷺ - وآثار أصحابه، وقضايا القضاة وفتاوى الفقهاء، واللغة وآدابها والشعر والتاريخ وغير ذلك.
والتزموا وألزموا من بعدهم سَوق تلك الأخبار بالأسانيد، وتتبعوا أحوال الرُّواة التي تساعد على نقد أخبارهم، وحفظوها لنا في جملة ما حفظوا، وتفقدوا أحوال الرُّواة وقضَوا على كل راو بما يستحقه، فميزوا من يحتج بخبره لو انفرد، ومن لا يحتج به إلا إذا اعتضد، ومن لا يحتج به ولكن يستشهد، ومن يعتمد عليه في حال دون أخرى، وما دون ذلك من متساهل ومغفَّل وكذاب.
وعَمَدوا إلى الأخبار فانتقدوها وفحصوها، وخَلَّصُوا لنا منها ما ضمّنوه كتب الصحيح، وتفقدوا الأخبار التي ظاهرها الصحة، وقد علموا - بسعة علمهم ودقة فهمهم - ما يدفعها عن الصحة، فشرحوا عللها وبينوا خللها، وضمّنوها كتب العلل.
وحاولوا مع ذلك إماتة الأخبار الكاذبة، فلم ينقل أفاضلهم منها إلا ما احتاجوا إلى ذكره، للدلالة على كذب راويه أو وهنه، ومن تسامح من
_________________
(١) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» ١/ ١٦٢ (٢٠٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٧/ ١٢٧، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٠/ ٣٤٠.
[ ١ / ١٢ ]
متأخريهم فروى كل ما سمع فقد بيّن ذلك، وَوَكل الناسَ إلى النقد الذي قد مُهدت قواعده، ونصبت معالمه، فبحق قال المستشرق المحقق مرجليوث: ليفخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم. اهـ.
ولم تقتصر عناية العلماء بالإسناد في الأحاديث المروية عن رسول الله - ﷺ - فقط، بل امتدت لتشمل كلام الصحابة رضوان الله عليهم وكلام التابعين، ومن تصفح مقدمة الإمام مسلم وغيرها من كتب الحديث المسندة يجد الكثير من أقوال الصحابة، وآثار التابعين مسندة شأنها شأن الحديث المروي عن الرسول - ﷺ -.
بل امتد الأمر إلى نقل كلام تابعي التابعين بالإسناد، كما نقل مسلم في مقدمة «صحيحه» عن عبد الله بن المبارك المروزي - وهو من تابعي التابعين - قوله مسندًا: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
فهذه الأقوال المنقولة عن كل واحد من الصحابة ومن بعدهم كثير منها منقول بالسند، كما نقل حديث رسول الله - ﷺ -، فالحديث نقل بالسند؛ لأنه أصل من أصول الدين، وكذلك نقل كلام الصحابة ﵃ بالسند؛ لأنه فهم للدين، وعمل به، وتفسير له من أقرب الناس إلى رسول الله - ﷺ -، وأعلمهم بكلامه وهديه.
وكذلك نقل كلام التابعين وتابعي التابعين نقلًا بالسند؛ لأنهم أعرف الناس بما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فكل منقول متوقف قبوله أو ردُّه من حيث النقل على السند ونقد المتن، فإن صح السند ولم تظهر علة في متنه تقدح فيه ثبت نقل الخبر، وإن لم يصح انتفى ثبوته، وبهذا المعيار يحاكم كل ما ينقل.
فلذا وجدنا عند العلماء المتقدمين هذا السند يمتد ويتسع، ويتصل بكل علم نقل إليهم، فما نقل من تفسير لآيات القرآن كان بسند، وما نقل من
[ ١ / ١٣ ]
حديث نبوي كان بسند، وما نقل من تفسير للحديث كان بسند أيضًا؛ وما نقل من أدب أو شعر أو نثر أو فقه أو تاريخ أو لغة كان بسند أيضًا، بل أشد من هذا ما نقل من المسليات أو المضحكات كأخبار الحمقى والمغفلين أو أخبار الأذكياء والنابهين نقل بسند أيضًا.
هكذا انكب السلف الصالح من صحابة وتابعين ومن بعدهم على السنة النبوية وما يتعلق بها من علوم، فانتشر الرُّواة والمحدثون في أروقة المدارس وعَرصات المساجد، وأخذوا يبحثون في أسانيد الأحاديث النبوية ومتونها، فنشأ علم مصطلح الحديث، وطبقات الرجال، والجرح والتعديل، والتراجم؛ توخيًا للدقة، وحرصًا على سلامة السنة من أي تحريف.
ولقد مرَّ التوثيق والتثبت في المرويات بمرحلتين متميزتين في نقل السنة والعناية بها وهما:
١ - مرحلة ما قبل تدوين المصنفات وجمع الأحاديث في دواوينها المعروفة المشهورة.
٢ - مرحلة ما بعد تدوين المصنفات.
ففي المرحلة الأولى: كانت العنايةُ منصبةً على نقلة الآثار، والبحث عن أحوالهم، والتفتيش في مروياتهم، بعد جمعها ومعارضتها، ومن يتحمل عنه، ومن لا يكتب عنه.
وكانت مرويات الرُّواة هي محور معرفة درجة هؤلاء الرُّواة من الضبط والاتقان، أو الخلل والنسيان، أو التساهل وعدم الدقة والاهتمام.
وقد واكب ذلك حصر المرويات، وأودعت في بطون الكتب مرتبة على أنواع مختلفة، فبعضها يحوي الصحيح، وبعضها يحوي الضعيف، وبعضها في معرفة أحوال الرجال، وغيرها من الموضوعات .. إلى غير ذلك.
وهذه المرحلة تكاد لا تتعدى القرن الرابع؛ حيث لم ينته هذا القرن إلا
[ ١ / ١٤ ]
وقد ظهرت معظم الكتب والمصنفات، وأصبح الاعتماد على ما فيها من كتب.
المرحلة الثانية: وهي مرحلة ضبط المصنفات بعد مرحلة التدوين، وانقطاع مرحلة الرواية، فكما أبلى المحدثون بلاء حسنًا في المرحلة الأولى، فقد هيأ الله لهذه المرحلة من العلماء من وضع القواعد والمناهج التي تروى بها الكتب.
وكان المتقدمون من علماء المسلمين لا يعطون الاهتمام التام للكتاب، إلا إذا كان راويه الثقة الضابط العدل قد قرأه على مؤلفه، أو كان لديه سند متصل بقراءة الكتاب، وتلقاه من شيوخه عن شيوخهم إلى مؤلفه.
أما الكتاب الذي يجده العالم وجادة، ولم يسمعه من مؤلفه ولا له منه إجازة، فهو عندهم من قبيل الخبر المنقطع المرسل كما قرره علماء المصطلح، وقد منع الأخذَ منه معظمُ المحدثين والفقهاء من المتكلمين، وأجازه المتأخرون بشروط ضيقة؛ لتعذر شرط الرواية في الأعصار المتأخرة، وهذا منهم فيما يوثق بنسبته إلى مؤلفه، أما ما لا يوثق بنسبته فلا اعتداد به بالاتفاق (١).
وما هذا كله إلا ليكون النقل صحيحًا والتوثيق تامًّا، ولتأخذ الكلمة العلمية ثبوتها، وصحتها، وضبطها، وتاريخها، وانتقالها إلى الأجيال اللاحقة على أوثق طريق؛ ولهذا قرروا القاعدة المشهورة في أول كتب آداب البحث والمناظرة وهي:
إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل.
أو كما قال ابن تيمية في كتابه: «مقدمة في أصول التفسير» (٢): العلم إما
_________________
(١) ينظر رسالة «الإسناد من الدين» لعبد الفتاح أبو غدة ص: ٣٠ - ٣٥.
(٢) ص: ٥٥.
[ ١ / ١٥ ]
نقل مُصَدَّق، وإما استدلال مُحَقَّق.
ونحن الآن أمام كتاب هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، بذل فيه مؤلفه قصارى جهده لانتقاء مجموعة من الأحاديث التي يرى أنها عنده من أصح الصحيح؛ وفقا لقواعد العلماء وجهابذة هذا الفن، بحيث يكفي الباحث الوقوف على الحديث في هذا الكتاب في الدلالة على صحة الحديث.
وهذا الكتاب هو: «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه» لمؤلفه أبي عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، الجعفي، المولود يوم الجمعة، بعد الصلاة، لثلاثَ عشرةَ ليلةً خلت من شوال، سنة أربع وتسعين ومائة ببخاري، والمتوفى ليلة السبت، ليلة عيد الفطر، سنة ست وخمسين ومائتين، وكان عمره اثنتين وستين سنة إلا ثلاثةَ عشرَ يومًا، تغمده الله برحمته آمين (١).
ولذا توافد عليه العلماء صغارًا وكبارًا، للسماع وتلقي «الصحيح» منه.
ومما لا شك فيه أنه لم يعرف في تاريخ العلم والحضارة عبر القرون والأجيال، وفي تاريخ التأليف والتصنيف ما عرف عن كتاب «الجامع الصحيح» لمؤلفه محمد بن إسماعيل البخاري.
ولنظرة سريعة على التراث الضخم الذي اتصل بهذا الكتاب شرحًا واختصارًا، وغير ذلك مما تناول جانبًا من جوانب هذا الكتاب، ليدل دلالة قاطعة على مدى اعتناء الأمة الإسلامية بهذا الكتاب، الذي رضيته أصحَّ كتاب
_________________
(١) لم أترجم للبخاري لأن مثله لا يُجهل لأهل هذا الشأن، وليس البخاري ممن يترجم له في أوراق أو كراريس، وقد ألف العلماء الأئمة في سيرته كتبا كثيرة وافية. ومن أوفاها وأكبرها كتاب العلامة الشيخ عبد السلام المباركفوري المتوفى (١٣٤٢) هـ: «سيرة الإمام البخاري» وطبع قديمًا في مجلد، ثم طبع سنة ١٤٢٢ هـ في مجلدين، طبعته دار عالم الفوائد بمكة المكرمةـ.
[ ١ / ١٦ ]
بعد كتاب الله تعالى، وأوثقَ مصدر للحديث النبوي، وتلقيها له بالقبول، ولا يعرف كتاب من كتب البشر تناوله العلماء والمؤلفون بالشرح والتحشية والتعليق مثلما تناولوا هذا الكتاب.
وقد كان الشرح والتعليق هو المجال العلميَّ الذي تظهر فيه عناية العلماء والمؤلفين في العصور القديمة، ومقياس اهتمامهم بأثر علمي، فكان أكثر الكتب شروحًا وتعليقًا، هو أعظمَ المؤلفات تقديرًا، وأعلاها منزلة، وأكثرَها شهرة، وكان أقلُّ الكتب شروحًا وتعليقًا، أخملَها ذكرًا وأقعدَها شهرة وصيتًا، ويبقى مغمورًا لا يسترعي انتباهًا ولا يثير اهتمامًا.
فإذا أخذ هذا المقياس الذي به تعرف مكانة الكتاب في القرون الماضية، حكمنا بأن «الجامع الصحيح» للبخاري قد فاز بالقدَح المعلى في هذا الميدان، واحتل الصدارة في مكتبتنا الإسلامية.
فقد بلغ عدد شروحه والتعليقات عليه مئاتِ المؤلفات، ثم يلي هذا المقياسَ شدةُ العكوف على دراسة الكتاب، والتهافت على روايته ونقله، والتنافس في حمله ونشره، وضمه إلى الصدور، والعض عليه بالنواجذ، وتوارث الأجيال في تلقيه جيلًا بعد جيل، وكابرًا عن كابر، وطبقةً عن طبقةٍ، حتى لا تعرف فترةٌ من الزمان نسج فيها عليه العنكبوت، وساد عليه الظلام وانقطعت روايته، وتوقفت دراسته، وقد تفرد «الجامع الصحيح» بهذه الميزة بعد كتاب الله تعالى، فقد رواه وأخذه عن مؤلفه أكثر من تسعين ألفًا من الرُّواة والحفاظ، وتسلسل نقله وروايته حتى انتهى هذا الكتاب إلى مؤلفه، وبلغ حد التواتر في شهرته وصحة نقله ونسبته إلى المؤلف، لا ينكر ذلك، ولا يشكك فيه إلا من تشكك في المتواترات والحقائق العلمية التي تثبت بالضرورة، ولا يزال هذا الكتاب موضع الاهتمام والعناية، وموضع التأمل والدراسة، في الحلقات العلمية والجامعات الإسلامية وغيرها في العالم.
[ ١ / ١٧ ]
ولقد خص هذا الكتاب بالإطباق على أنه قد بلغ أقصى درجات الصحة والتحري في نقل الصحيح الثابت، والاحتياط الذي يبلغ إليه اجتهاد المجتهدين وأمانة النقلة والرواة، وأن المؤلف قد أفرغ فيه جهده، وراعى فيه أدقَّ الشروط التي عرفت في هذا الفن، والتزم فيه التزامات لم تعرف عن مؤلِّف في هذا الميدان، ثم ساعدته في ذلك الملكة الراسخة، التي لا يُرزَقُها إلا واضعو الفنون، والصيارفة الحذاق، الذين لا يعرفهم التاريخ إلا في أزمنة طويلة، وعلى مر القرون والأعصار، فيأتون بما يرزقهم الله من ثقوب النظر، وصحة الحدس، وسرعة الخاطر، وسلامة الفكر، والذوق السليم الذي لا يخطئ، ما لا يرزقه أقرانهم ونظراؤهم - على جلالة قدرهم وغزارة علمهم - فيأتون في هذه الفنون والمقاصد من الحكم الصحيح السريع، والوصول إلى الحقيقة، والاهتداء إلى الصواب بما يشبه الإلهام، وبما يخيل إلى كثير من الناس بأنه فوق الطاقة البشرية.
ومن الظلم والجهل بالحقائق، والتسرع في الحكم، والتقليد الأعمى، أن نخضع أمثال هؤلاء لهذه القواعد المرسومة المحدودة، التي جاءت في كتب من تأخر زمانه على زمانهم، ونزلت مكانته عن مكانتهم، فيؤخذ مثلًا كتاب «تهذيب الكمال» للحافظ المزي (٧٤٢) هـ، أو مختصراته للحافظ ابن حجر (٨٥٢) هـ، أو «ميزان الاعتدال» للحافظ الذَّهَبِيّ (٧٤٨) هـ - على فضل هذه الكتب وفضل مؤلفيها على المشتغلين بعلم الحديث - فيحكم على «الجامع الصحيح» للبخاري، أو «صحيح مسلم» رحمة الله عليهما، أو «الموطأ» للإمام مالك، فيعاد الأمر ويجدد النظر في هذه الكتب التي تلقتها الأمة بالقبول، وبلغ أصحابها إلى أقصى درجات التحقيق والدقة والتحري، وتشرح تشريح الأجسام، وتسلط عليها المقاييس المحدودة التي تقبل النقاش، ويتسع فيها مجال الكلام.
[ ١ / ١٨ ]
فهذا النوع من القسوة العلمية، والجفاف الفكري سيُحدث فوضى، تتزلزل بها أركان الدين، ويتورط المسلمون في اضطراب قد أغناهم الله عنه.
وليس اتفاق الأمة وعلمائها على أصحية البخاري وفضله على سائر الكتب مجرد اتفاق ومصادفة، ولا عن تواطؤ ومؤامرة، وقد أعاذ الله هذه الأمة التي اختارها لحمل دينه، وتبليغ رسالته من أن تكون فريسة غفلة، أو أن تجتمع على الضلال، بل كان ذلك إلهامًا من الله، ومكافأة على ما قام به مؤلف الكتاب من جهاد في سبيل حفظه للأحاديث النبوية، ثم تحقيقها، وتنقيحها، ومعرفة رجالها ورواتها، وكشف أستار الكذابين والوضاعين، وتمييز الضعفاء والمجروحين، ثم في نقلها ونشرها في الآفاق، وجمعها في مجموعة مهذبة منقحة بحسب الطاقة البشرية.
ولذلك يقول الحافظ ابن دقيق العيد في مقدمة كتابه «الاقتراح في فن الاصطلاح» وهو يذكر طرق توثيق الرواة:
ومنها: تخريج الشيخين أو أحدهما في الصحيح للراوي، محتجين به.
وهذه درجة عالية، لما فيها من الزيادة على الأول، وهو إطباق جمهور الأُمَّةِ أو كلها على تسمية الكتابين بالصحيحين، والرجوع إلى حكم الشيخين بالصحة.
وهذا معنى لم يحصل لغير من خُرِّج عنه في الصحيح، فهو بمنزلة إطباق الأمة، أو أكثرها على تعديل من ذكر فيهما، وقد وجد فيها هؤلاء الرجال المخرج عنهم في الصحيح من تكلَّم فيه بعضهم.
وكان شيخ شيوخنا الحافظ أبو الحسن المَقْدِسي (١) يقول في الرجل الذي يُخَرَّج عنه في الصحيح: هذا جاز القَنْطَرَةَ. يعني بذلك أنه لا يُلتفتُ إلى ما قيل
_________________
(١) هو الإمام الحافظ الفقيه المالكي شرف الدين، أبو الحسن علي بن المفضل اللخمي المقدسي الإسكندراني، المتوفى سنة (٦١١) هـ له ترجمة في «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٣٩٠.
[ ١ / ١٩ ]
فيه، وهكذا نعتقد به ونقول، ولا نخرج عنه إلاَّ ببيان شافٍ وحجَّة ظاهرة، تزيد في غلبة الظنِّ على المعنى الذي قدَّمناه، من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما (١).
ويؤيد ذلك ما قاله ابن حجر (٨٥٢) هـ رحمه الله تعالى في الفصل التاسع في سياق أسماء من طعن فيه من رجال الصحيح: وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب «الصحيح» لأي راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولاسيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في «الصحيح»، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما (٢).
وقد هجر في سبيل ذلك راحته، وحظوظ بدنه، ومطالب نفسه، ونسي لذته، وغادر وطنه، واكتفى من الدنيا ببلغة عيش، وسداد رمق، ولقي في سبيله أذىً كثيرًا ومحنة وبلاءً، فكافأه الله على كل ذلك بأن قيض له أفواجًا من العلماء والأذكياء يخدمون كتابه بصنوف من الخدمة، وأنواع من الجهد لم يخطر ببال أي جماعة قبلهم، ولم تتيسر لكتاب بعد كتاب الله، وأشعل في قلوبهم حب هذا الكتاب والسهر على خدمته، حتى لم يشعروا بلذة إلا في شرحه، ونشره، وتحمله، وروايته، ولم يجدوا راحة إلا في تحقيقه وتنقيحه، حتى تكونت هذه المكتبة الواسعة الزاخرة التي لم توجد لكتاب بشري آخر.
وتلك سنة الله في خلقه، فلما حفظ البخاري سنة رسول الله - ﷺ -، وجاهد في سبيلها حق الجهاد، ووقف كل حياته وكل ما كان يملكه ويمتاز به
_________________
(١) «الاقتراح في فن الاصطلاح» في الباب السابع: في معرفة الثقات من الرواة ص: ٢٩ - ٣٠.
(٢) «هدي الساري» ص: ٣٨٤.
[ ١ / ٢٠ ]
له، تكفل الله بحفظ كتابه، وانتشاره، وبقائه، وازدهاره، واعتناء الأمة به اعتناءً لا مزيد عليه.
ومن جوانب العناية بهذا الكتاب روايته عن مؤلفه وإقبال آلاف العلماء من الأقطار المتباعدة لسماعه منه، ثم روايتهم له والحفاظ عليه حتى أيامنا هذه عبر حلقات من الرُّواة، بحيث لا يتطرق الشك إلى نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
ولقد كثر الرُّواة لهذا «الصحيح» في عهد مؤلفه، كثرةً لا يعلم عددها إلا الله تعالى.
وتميز من هؤلاء الرُّواة رواة انتسخوا لأنفسهم نسخًا من «الصحيح»، وأَولَوها عنايتهم من الدقه في النقل والمعارضة والسماع والضبط والتقييد؛ حتى اشتهرت بعض الروايات، وعن هذه الروايات أخذت في الطبقة التي تليهم نسخًا أخرى وهكذا.
ومع كثرة المشتغلين برواية «الجامع الصحيح» عبر العصور المختلفة، وتعرض الإنسان للنقص البشري الذي لا يصل به إلى حد الكمال، فقد تعددت الروايات؛ نظرًا لكثرة الرُّواة لهذا الكتاب، واعتراها ما جبل عليه الإنسان من النقص والتعرض للزلل، ووجود بعض الهفوات، وذلك نتيجة لأسباب كثيرة قد تعرضت لها بالتفصيل في هذه الرسالة.
لكن من تمام الحفظ لهذا الكتاب أن قيض له في كل عصر من العصور وزمن من الأزمان من يجمع شتات هذه الاختلافات، ويحررها، ويقارن بينها حتى يصل إلى وجه الصواب فيها؛ ولذا قد اشتهرت بعض النسخ في كل زمان، وشهرة هذه النسخ لجلالة قدر أصحابها، وعنايتهم بالصحيح فيها، ومدارستها، والمقارنة بينها، ووجود هذه الاختلافات، والاحتفاظ بها إلى زماننا هذا لهو من أكبر الأدلة على خدمة هذا الكتاب وصحة نصوصه
[ ١ / ٢١ ]
وتواترها إلى مؤلفه.
فكم من الكتب التي لا يعتنى بها، وإذا حاولت الوصول إلى نصها من خلال الوقوف على نسخة لها أعياك ذلك؛ وذلك لأن عوامل الزمان كفيلة بالقضاء على أهم الكنوز العلمية والمؤلفات الجامعة. وإنك لا تكاد تجد إطباق الأمة في كل مكان وفي كل زمان على قبول كتاب مثلما توفر لكتاب البخاري هذا، فما يلقى القبول في مكان؛ تجده يقل قبولًا في مكان آخر، وكذا ما تجده محل عناية العلماء في زمن من الأزمان تجد هذا الاهتمام يقل في وقت آخر، ومن تأمل النتاج العلمي على مر القرون الأربعة عشر الماضية تبين له أن شهرة كثير من الكتب وعناية العلماء بها كان محصورًا في زمان معين أو حدود مكانية معينة.
ومن تتبع عناية العلماء بـ «صحيح البخاري» تظهر له خاصية عجيبة جدًّا، وهي تطور نوع الاهتمام بالكتاب بدءًا من حياة المصنف حتى وقتنا هذا.
ففي عصر البخاري تتمثل خدمة الكتاب في المناقشات والتعقبات التي كانت تدور بين البخاري وبين شيوخه وأقرانه للوصول إلى قبول كل ما في الكتاب من مرويات، مما أفرز نوعًا من التأليف خاصًّا بهذا الكتاب في عصر المصنف أو بعده بقليل مثل: «استدراكات الدارقطني وإلزاماته» ثم الاستدراك على الصحيح الذي من شأنه إظهار شروط المصنف إبراز ملامح عمله والثمرات المترتبة عليه.
وبجانب ذلك اهتم العلماء برواية الكتاب مما نتح عنه شهرة بعض النسخ، وطواف العلماء بها شرقًا وغربًا في جميع البلاد الإسلامية، حيث لم يقتصر العلماء على رواية الكتاب جملة واحدة والتحديث به فقط، وإنما تعدى ذلك إلى اقتباس بعض الأحاديث ووضعها في مؤلفات خاصة كما فعل الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو البزار (٢٩٢) هـ في كتابه «البحر الزخار»
[ ١ / ٢٢ ]
المعروف بـ «مسند البزار» حيث روى جملة من الأحاديث عن البخاري وهي في «الصحيح».
كذلك فعل البيهقي حيث روى جملة من الأحاديث عن شيخه الحاكم أبي عبد الله بإسناده إلى البخاري، وغير ذلك من العلماء.
وظهرت أنواع كثيرة من المؤلفات تتناول جانبًا من جوانب الاستفادة من «الجامع الصحيح» وذلك بالشرح، أو الاختصار، أو كشف غريبه، أو ترجمة رجاله، أو بيان لطائفه، أو جمع أحاديثه أو أطرافه، وغير ذلك من الفنون الحديثية مما لا مجال هنا للتوسع فيه. ولا يزال حتى وقتنا هذا تجد الدراسات تتناول «الجامع الصحيح» من نواحي عدة.
وكان لجامعة الأزهر القدح المعلى في هذا الميدان وخاصة كلية أصول الدين بالقاهرة، متمثلة في قسم الحديث وعلومه، حيث أعد فيها كثير من الرسائل العلمية مما يتعلق بهذا الكتاب، فقد كانت رسالتي في الماجستير في تحقيق ودراسة جزء من كتاب «معرفة الصحابة من كتاب المستدرك على الصحيحين» وهو شديد الصلة بكتاب البخاري، وهيأ الله لي الأسباب بتمام النعمة علي بأن أسهم في خدمة هذا الكتاب الجليل.
وقد كانت فكرة تناول روايات ونسخ «الجامع الصحيح» للبخاري تراودني منذ زمن بعيد، خاصة وأن كثيرًا من الشراح وعلى رأسهم ابن حجر العسقلاني في كتابه «الفتح» دائمًا يحرص على ذكر هذه الروايات وتوجيه الاختلافات بينها.
وتجلى اهتمامي بهذا الموضوع خلال عملي بمشاركة الأستاذ خالد الرباط في الإشراف على تحقيق كتاب "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" للعلامة ابن الملقن، وذلك بمقر دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث بالفيوم، بمعاونة نحو ثلاثين باحثًا، وقد طبع الكتاب بحمد الله في
وزارة الأوقاف القطرية، وطُبع طبعة ثانية في دار الفلاح.
[ ١ / ٢٣ ]
ولكن فكرة الرسالة كادت أن تزول بمجرد التفكير في خطورة هذا الأمر وجلالته، حتى شد من أزري أستاذي الأستاذ الدكتور / مصطفى محمد السيد أبو عمارة، وقد كان مشرفًا على رسالتي في التخصص «الماجستير»، وأخبرني بأن الموضوع مَحطُّ عنايته منذ زمن بعيد جدًّا، وحثني على إعداد دراسة عن هذا الموضوع، وعَرْضها عليه، وذلك بعد أن أعطاني ما تجمع لديه من دراسات ومظان لهذا الموضوع، وأحالني على كتاب «تاريخ التراث العربي» للأستاذ / فؤاد سزكين (١)،
فقد تناول في كتابه هذا جهود العلماء في تدوين السنة، وتحدث عن الإمام البخاري وكتابه «الصحيح» وأماكن وجوده
_________________
(١) فؤاد سزكين أستاذ جامعيّ تركي، وُلد بإسطنبول سنة (١٩٢٤ م)، والتحق بالجامعة عام ١٩٤٢ م. حصل على درجة «الماجستير» في قسم الشرقيات والرياضيات والدراسات الرومانية عام ١٩٤٧ م، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإسلامية والدراسات الإيرانية وفي الفلسفة عام ١٩٥٠ م. يقوم حاليًا بصفته أستاذًا لتاريخ العلوم الطبيعية بتدريس العلوم الطبيعية العربية والإسلامية في معهد تاريخ العلوم في فرانكفورت بألمانيا، وهو المعهد الوحيد في العالم الذي يُدرّس فيه تاريخ العلوم الطبيعية الإسلامية بجانب تواريخ العلوم للبيئات الأخرى. من إنتاجه العلمي بجانب مقالاته في العلوم الإسلامية: «تاريخ البلاغة العربية»؛ و«مجاز القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنَّى (تحقيق)؛ و«تاريخ التراث العربي الإسلامي» وهو مترجم إلى العربية؛ و«دراسات حول مصادر الجامع الصحيح للبخاري»؛ نال جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام ١٣٩٩ هـ، ١٩٧٩ م.
[ ١ / ٢٤ ]
في مكتبات العالم. والكتاب في أصله مكتوب بغير العربية، حيث ألفه فؤاد سزكين باللغة الألمانية، وصدرت النشرة الأولى للمجلد الأول من الكتاب مترجمًا إلى اللغة العربية سنة ١٩٧٧ م طبعته الهيئة المصرية العامة للكتاب بترجمة د / محمود فهمي حجازي ود / فهمي أبو الفضل، ومما جاء فيما يتعلق بالحديث عن «صحيح البخاري» ما نصه:
وشهرة البخاري تقوم على كتابه «الجامع الصحيح» وقد درسنا هذا الكتاب دراسة ناقدة عميقة، اتضح لنا منها أن هذا الكتاب صادف حظًّا كبيرًا، وهناك بَوْن شاسع بين المكانة الرفيعة - التي زادت وتدعمت مع القرون التالية - والنقد اللاذع الحاد من بعض الشراح الموضوعيين، الذين وجب عليهم أن يفعلوا هذا أثناء شرحهم له في مواضع عديدة من النص.
ومما يدعو إلى العجب أن الأبحاث العلمية الحديثة التي يبدو أنها لم تعرف هذا على الإطلاق قد أخذت - دون نقد أو تمحيص - الصفات المنسوبة إلى الكتاب رغم أنها غير صحيحة (١).
ثم يقول: وبالنسبة للأسانيد فإن مصنف «الجامع الصحيح» للبخاري لا يرقى إلى الكمال، فالأسانيد ناقصة في حوالي ربع المادة، وقد أطلق على هذا الأمر ابتداء من القرن الرابع اسم: التعليق، وبهذا يفقد كتاب البخاري كثيرًا من شهرته بالجمع والشمول، أما البخاري نفسه فقد ثبت أنه ليس عالم الحديث الذي طور الإسناد إلى الكمال كما زعم كيتاني (٢)، بل هو أول من بدأ معه
_________________
(١) بنصه من «تاريخ التراث العربي» ١/ ١٧٣، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة ١٩٧٧ م.
(٢) ليوني كيتاني Leone C.، مستشرق إيطالي مشهور، ولد في روما في ١٨٦٩ م وتخرج في جامعتها، وتعلم سبع لغات منها العربية والفارسية، تقلد سفارة بلاده في واشنطن، زار الهند وإيران ومصر وبلاد الشام، ألّف «حوليات الإسلام» في عشر مجلدات ضخمة، يعتمد عليه الكثيرمن المستشرقين في أبحاثهم حول الإسلام واهتم بالتاريخ الإسلامي عمومًا، ومات عام ١٩٣٥ م. ينظر: كتاب «المستشرقون» ١/ ٤٢٩ - ٤٣٠.
[ ١ / ٢٥ ]
انهيار الإسناد (١).
ومن نظر في كلامه هذا تبين له بوضوح القدْح الصريح في مكانة الكتاب ومؤلفه، والرد على كلامه هذا قد قام به كثير من الباحثين الذين ألفوا في بيان شروط الصحيح.
غير أن الأستاذ / فؤاد سزكين اتجه في حديثه إلى التعريض بكتاب «الصحيح» - متأثرًا في ذلك بالثقافة التي احتك بها، والوسط الذي يعيش فيه - من ناحية أخرى، وهي التشكيك في نص «الصحيح» المتداول بين أيدينا، فأخذ يشير إلى روايات «الصحيح» ونسخه التي بين أيدينا فيقول:
وهذه النصوص المتداولة لابد أنها كانت مختلطة ومعقدة للغاية، حتى إن النسخ الأولى المنسوخة عنها تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا، وعندما اقتصر الاشتغال في القرن السابع الهجري على اختلافات النص في إطار الروايات التي ترجع للنص المتداول للفربري، قام علي بن محمد بن عبد الله اليونيني (ت ٧٠١ هـ - ١٣٠٢ م) بإعداد النص الذي بين أيدينا، ويبدو أن الروايات الأخرى قد ضاعت - للأسف - والنصوص التي وصلت إلينا ترجع في غالبيتها إلى تحرير اليونيني، وجزء منها يرجع إلى الأعمال السابقة على اليونيني، ولكنها تعود إلى روايات استمدت من رواية الفربري، وهي تقدم في قسم منها اختلافات لا تصلح - للأسف - لحل مشكلات النص (٢).
هكذا نص الأستاذ / فؤاد سزكين في طبعة الهيئة المصرية للكتاب، حتى ذكر لي الأستاذ الدكتور / مصطفى أبو عمارة أن هناك طبعة أخرى لهذا الكتاب
_________________
(١) بنصه من «تاريخ التراث العربي» ١/ ١٧٤.
(٢) بنصه من كتاب «تاريخ التراث العربي» ١/ ١٧٥ - ١٧٦.
[ ١ / ٢٦ ]
يمكن أن يكون قد استدرك فيه ما نسب إليه في هذه الطبعة، وخاصة أن الترجمة أحيانًا تكون غير معبرة عن حقيقة قصد المؤلف باللغة المترجم منها، وهذه الطبعة صدرت سنة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، وأشرفت على طباعتها إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية. فرجعت إليها بعد أن منّ الله عليّ بالحصول على نسخة منها، فوجدت النص قد تغير تمامًا بالنسبة للنصين الأول والثاني اللذين سبق نقلهما، بينما لم يتغير النص الثالث الذي يتعلق بروايات «الصحيح» (١).
وتعجبت في بداية الأمر من اختلاف الطبعتين حتى وقفت على مقدمة الطبعة الثانية، وذكر فيها فؤاد سزكين ردود الأفعال عن كتابته في الطبعة الأولى مما يتعلق بالبخاري وكتابه «الصحيح» وقبوله لمراجعات بعض المختصين في ذلك من العرب، مما يعني أن ما جاء في طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب كانت عن قصد، وتعبيرًا عما يعتقده في البخاري وكتابه، وخاصة أنه يتحدث بالعربية وإن ألف بالألمانية والتركية (٢).
ولكن يبقى الإشكال مطروحًا فيما كتبه عن روايات البخاري، حيث لم يغير فيه شيئًا، ولم يكن التعرض للحديث عن روايات «الجامع الصحيح» ونسخه في هذا الموضع فقط، بل ذكر في حاشية الطبعة الثانية لكتابه «تاريخ التراث» أن له دراسة أخرى عن «صحيح البخاري» وهي منشورة باللغة التركية، وقد لخص فيها موضوعه ومنهجه في مقدمة الكتاب، وهذه المقدمة باللغة الإنجليزية تبدأ من الصفحة التاسعة إلى الصفحة السادسة عشرة، وقد أُلحقت ترجمة هذه المقدمة باللغة العربية في هامش الطبعة الثانية من «تاريخ التراث العربي».
_________________
(١) وهذه النقول في المجلد الأول من طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود من ص: ٢٢٠ - ٢٢٧.
(٢) ينظر مقدمته للطبعة الثانية ١/ ٨ - ٩.
[ ١ / ٢٧ ]
وقد تناول في هذه الدراسة الحديث عن مصادر البخاري في «الصحيح» هل هي مصادر شفوية أم اعتمد على مصادر مكتوبة قبله؟ انطلاقًا من اقتباساته اللغوية الواردة في مواضع مختلفة في «الصحيح» ونقوله في كتاب التفسير عن بعض المصنفات التي ألفت في غريب القرآن أو الحديث.
وبعد أن تعرض للمصادر العامة للبخاري ثم المصادر اللغوية اتجهت دراسته إلى روايات «الصحيح» نفسها التي انتقلت إلى الأجيال التالية فيقول: إن كتاب البخاري من وجهة نظر أصحاب الروايات كان موضوع دراسة ممتعة، هناك أسباب عديدة للاعتقاد بأن بعض الصعوبات في النص المنسوب إلى رواية الفربري كانت موضع عناية، على الرغم من فروق النسخ في القراءات المختلفة.
ولابد من القول بأن هذه الرواية اختيار مرجوح في المقام الأول، وهناك أيضًا رواية النَّسفي، ونعرف امتيازها عن طريق الأقسام المختلفة التي وصلت إلينا منها في الشروح، وعلى الرغم من كل الجهود فإنه من غير الممكن أن نصل إلى نسخة من «الجامع الصحيح» تقوم على هذه الرواية، فإذا ما توصلنا إلى نسخة منها، فإنا على ثقة من أن المشكلات الموجودة في النص المتاح لـ «صحيح البخاري» أو بعضها على أقل تقدير يمكن أن تتضح (١).
قلت: إن تناول روايات «الجامع الصحيح» ونسخه، وبيان الأسباب التي أدت إلى ذلك، وصور هذه الاختلافات، وبيان النتائج التي ترتبت على هذه الاختلافات، والعوامل المساعدة في توجيه هذه الاختلافات أصبح ضرورة ملحة في أعناق المختصين بعلم الحديث النبوي الشريف في هذا العصر؛ للرد على كثير من المشكلات الملحة التي تدور بأذهان الدارسين لتاريخ «صحيح
_________________
(١) ينظر هامش ص: ٢٢١ - ٢٢٥ من ج١ من «تاريخ التراث» طـ جامعة الإمام محمد بن سعود.
[ ١ / ٢٨ ]
البخاري» والتعرض لشرح بعض نصوصه.
ولقد كان للمحدثين القدامى السبق في بيان هذه الاختلافات والتوجيه بينها، وذلك في أثناء الشروح التي ألفت لشرح «الصحيح» كما سيأتي في هذه الرسالة كما ألفت بعض المباحث والأقسام في بعض الكتب التي اهتمت بهذا الجانب أيضًا، ولكن المكتبة الحديثية المعاصرة تفتقر إلى تناول بعض هذه القضايا من منظور آخر، وهو جمع شتات ما تفرق من هذه المباحث في المؤلفات الكبيرة مع التركيز على أسباب ذلك والنتائج التي ترتبت على ذلك، وذلك في إطار دراسة هذه الظاهرة من حيث أنها مظهر من مظاهر عناية الأمة بهذا الكتاب، مع إلقاء الضوء على هذه الروايات، والتعريف بأصحابها، ووصف هذه النسخ، ومحاولة الوقوف على مظان هذه الروايات والنسخ مع التركيز على أهم هذه الروايات من أجل الوصول إلى نص «الصحيح» كما وضعه مؤلفه رحمه الله تعالى.
وتناول هذه القضايا من هذا المنطلق منزلق خطير ينبغي الإعداد له جيدًا، والتزود بالإمكانيات المادية والعقلية التي تساعد على ذلك، وهو فوق طاقة فرد أو باحث، وإنما يحتاج إلى جهة بحثية لتبني مثل هذه الأمور.
وقد يكون هذا الأمر سببًا في عدم إقبال الكثير من الدارسين أو المعنيين بدراسة الحديث إلى الكتابة في هذا الموضوع؛ لأنه يحتاج إلى خبرة معينة في تاريخ النسخ والمخطوطات، وتتبع أماكن نوادر المخطوطات في مكتبات العالم، وإجادة تقييم هذه النسخ، ومعرفة قيمتها الزمنية، كما أنه يحتاج إلى عناية تامة بـ «صحيح البخاري» وذلك من خلال الوقوف على منهج البخاري في تأليف هذا الكتاب وطريقة التحديث به.
لذا حينما وقفت على بعض ما كتب في هذا الميدان وجدتها دراساتٍ نظريةً تفتقر إلى التطبيق العملي، مما يجعل الباحث يستمد معلوماته من أقوال
[ ١ / ٢٩ ]
من سبقه، دون محاولة التعرض لإخضاع هذه النقول للمجال التطبيقي على بعض النصوص، أو تتبع وصف هذه النسخ والروايات من خلال تتبع واستقراء لعدد معين من الكتب وغير ذلك.
كل ما سبق وغيره من اهتمام العلماء قديمًا وحديثًا بهذا الموضوع جعلني أفكر في هذا الموضوع والكتابة فيه، وهذا ملخص لأهم الدوافع لاختيار هذا الموضوع:
١ - أهمية الموضوع في إضافة دراسة تتعلق بتاريخ أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.
٢ - أن كل الدراسات التي كتبت تتمثل في مباحثَ صغيرةٍ تشكل بعض الجوانب فقط.
٣ - إظهار عناية الأمة الإسلامية بهذا الكتاب، ويتمثل ذلك في روايته وضبط كلماته وحروفه.
٤ - بيان مناهج المحدثين، وسبقهم غيرهم في وضع الضوابط التي تكفل ضبط الكتاب حين تقييده ومراجعته ووضع ضوابط للمقابلة والتصحيح، وغير ذلك.
٥ - التعريف برواة البخاري، وتمييز كل طبقة بحيث لا تلتبس بغيرها من الطبقات.
٦ - بيان أهم الروايات في كل طبقة التي عول عليها العلماء وحرصوا على روايتها.
٧ - بيان عناية المشارقة والمغاربة وجهودهم في هذا الميدان، والوقوف على أشهر الروايات عند كل منهما.
٨ - الوقوف على الأسباب التي أدت إلى الاختلافات بين النسخ.
٩ - الوقوف على صور هذه الاختلافات وأهم النتائج التي ترتبت على
[ ١ / ٣٠ ]
ذلك.
١٠ - محاولة وضع منهج للوصول إلى نص «صحيح البخاري» تتمييز الروايات فيه ويفصل بينها.
١١ - بيان بعض الأخطاء التي وقع فيها العلماء؛ نتيجة لتجاهل هذه الفروق بين النسخ.
١٢ - التعريف بجهود شراح «الصحيح» وبيان الروايات التي اعتمدوا عليها في شروحهم.
وغير ذلك من الدوافع.
[ ١ / ٣١ ]
وعنوان هذه الرسالة هو:
(الاختلاف بين روايات «الجامع الصحيح» ونسخه دراسة نظرية تطبيقية)
وقد اشتملت هذه الرسالة على مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة ثم الفهارس العلمية.
المقدمة: أتكلم فيها عن منزله السنة، وعناية الأمة بها، ومنزلة السند وبيان أهميته، وبيان دوافع اختيار الموضوع، ثم الخطة العامة، وتوضيح مصطلحات العنوان، وأهم الأدوات المساعدة في ذلك، وأهم الدراسات التي تناولت هذا الموضوع من قبل.
أما التمهيد: «عناية المحدثين بضبط المرويات»
وذلك من خلال محورين:
المحور الأول: وضع المحدثين ضوابط وآدابًا لتحمل الرواية (التحمل والأداء).
المحور الثاني: وضع المحدثين ضوابط لضبط الكتاب وتقييده والحفاظ عليه.
والباب الأول: «طبقات الرُّواة عن البخاري»
ويتكون من تمهيد وثلاثة فصول.
أما التمهيد أتكلم فيه عن عناية البخاري بكتابه والتحديث به.
والفَصْل الأول: «طبقات الرُّواة عن البُخارِيّ»،
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: رواية إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي (٢٩٥) هـ
المبحث الثاني: رواية حماد بن شاكر النَّسفي (٣١١) هـ
المبحث الثالث: رِواية أبي عبد الله الفَرَبْريّ. (٢٣١ - ٣٢٠) هـ.
المبحث الرابع: باقي الرُّواة عن البُخارِيّ.
[ ١ / ٣٢ ]
رواية أبي طلحة البزدوي (٣٢٩) هـ
رِواية أبي عبد الله المحاملي (٣٣٠) هـ
الفَصْل الثاني: «الرُّواة عن الفَرَبْريّ»
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: رِواية أبي علي ابن السَّكن (٣٥٣) هـ
المبحث الثاني: رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ.
المبحث الثالث: رِواية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ
المبحث الرابع: رِواية أبي محمد الحَمُّوي (٣٨١) هـ
المبحث الخامس: رِواية أبى الهيثم الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ
المبحث السادس: باقي الروايات عن الفربري
٦ - رِواية أحمد بن عبد الله الفَرَبْريّ «حفيد الفَرَبْريّ» (٣٧١) هـ.
٧ - رِواية أبي أحمد الجُرْجانيّ (٣٧٣) هـ.
٨ - رِواية ابن شبويه (٣٧٨) هـ.
٩ - رِواية النُّعَيميّ (٣٨٦) هـ.
١٠ - رِواية الإشتيخني (٣٨٨) هـ.
١١ - رِواية الكُشّانيّ (٣٩١) هـ.
١٢ - رِواية الأخسيكثي.
١٣ - رِواية محمد بن خالد الفَرَبْريّ.
الفَصْل الثالث: «أشهر الروايات بين العلماء حتى القرن الخامس الهجري»
ويتكون من أربعة مباحث.
المبحث الأول: رِواية أبي ذر الهَرَويّ (٤٣٤) هـ.
المبحث الثاني: رِواية الأصيِلي (٣٩٢) هـ.
[ ١ / ٣٣ ]
المبحث الثالث: رِواية أبي الوَقْت (٥٥٣) هـ
المبحث الرابع: رِواية كريمة المَرْوَزيّة (٤٦٣) هـ.
الباب الثاني: «الاختلاف بين الروايات»
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: صور هذه الاختلافات
الفصل الثاني: أسباب هذه الاختلافات ..
الفصل الثالث: نتائج هذه الاختلافات.
الفصل الرابع: وسائل التوجيه بين هذه الاختلافات.
الباب الثالث: عناية الأمة بضبط هذه الاختلافات
وفيه ثلاثة فصول.
أما الفَصْل الأول: عناية المشارقة بالصحيح:
المبحث الأول: ترجمة اليُونِينِيّ (٧٠١) هـ
المبحث الثاني: نسخة اليُونِينِيّ (٧٠١) هـ، أصوله، ورموزه، عمله، مصير هذه النسخة.
المبحث الثالث: الطبعة «السلطانية» وما يتعلق بها.
والفَصْل الثاني: عناية المغاربة بالصحيح
وفيه ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: عناية المغاربة بالصحيح وأهم الروايات التي اشتهرت عندهم من الصحيح.
المبحث الثاني: نسخة أبي علي الصَّدفي (٤٥٤ - ٥١٤) هـ:
ترجمته. روايته. نسخته. أهم النسخ المأخوذة منها.
[ ١ / ٣٤ ]
المبحث الثالث: نسخة أبي عمران موسى ابن سعادة (٥٢٢) هـ
ترجمته. روايته. نسخته. أهم النسخ المأخوذة منها.
الفصل الثالث: أهم المصنفات التي تعتني بضبط هذه الاختلافات.
ويتكون من تمهيد ومبحثين:
أما المبحث الأول: ضبط الاختلافات من خلال كتب الشروح.
- «فتح الباري» لابن حجر العسقلاني (٨٥٢) هـ.
- «إرشاد الساري» للقسطلاني (٩٢٣) هـ.
- شروح أخرى تذكر إجمالًا.
«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٤٤٩) هـ
«التلخيص» للإمام النووي (٦٧٦) هـ
«الكواكب الدراري» للكرماني (٧٨٦) هـ
«فتح الباري» لابن رجب الحنبلي (٧٩٥) هـ
«التوضيح» لابن الملقن (٨٠٤) هـ
«عمدة القاري» للعيني (٨٥٥) هـ
المبحث الثاني: كتب تقييد الألفاظ.
- كتاب «مشارق الأنوار» للقاضي عياض (٥٤٤) هـ.
- كتاب «تقييد المهمل» لأبي علي الجياني (٤٩٨) هـ.
- كتاب «مطالع الأنوار» لابن قرقول (٥٦٩) هـ.
- أهم النتائج والتوصيات.
- الخاتمة: وهي في كيفية الوصول لنص صحيح لصحيح البخاري.
- الفهارس العلمية.
[ ١ / ٣٥ ]