سبق ذكر عناية البخاري بـ «صحيحه» وإسماعه لخلق كثيرين.
وممن اشتهر من الرواة عنه الفربري وروايته اشتهرت، وتميزت عن غيرها لأسباب سبق ذكرها في مبحث روايته.
ولقد بلغت عنايته بـ «الصحيح» أنه كتب نسخته منه بخطه، وكان الرواة عنه يقابلون نسخهم بنسخته عند المعارضة.
وهناك أسئلة - تحتاج إلى إجابة - والوصول إليها، يزيل كثيرًا من الإشكالات:
وهذه الأسئلة هي: هل كتب البخاري نسخة من «الصحيح» تامة تمثل الصورة النهائية لـ «الصحيح» أم لا؟
وإذا كتب فأين هي الآن؟ ولماذا وجدت هذه الاختلافات في الطبقة
[ ٢ / ٤٥٤ ]
الأولى والثانية عن البخاري إذا كانوا قد نسخوا من كتاب واحد؟
قلت (الباحث): من المؤكد أن الإمام البخاري كانت له نسخته الخاصة به من «الصحيح» فقد عرف ذلك واشتهر عنه، وهذه النسخة كتبها محمد بن أبي حاتم الوراق كاتب البخاري، وقد نص غير واحد على ذلك من أقدمهم أبو إسحاق المستملي (٣٧٦) هـ.
وقد نقل أبو الوليد الباجي (٤٧٤) هـ في كتابه «التعديل والتجريح» عن المستملي نصًّا، اختلف العلماء في توجيهه.
قال الباجي: وقد أخبرنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي الحافظ ﵀ حدثنا أبو إسحاق المستملي إبراهيم بن أحمد قال انتسخت كتاب البخاري من أصله، كان عند محمد بن يوسف الفربري، فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة، منها تراجم لم يُثبِت بعدها شيئا ومنها أحاديث لم يترجم عليها فأضفنا بعض ذلك إلى بعض (١).
فهذا النص - وهو صحيح الإسناد إلى المستملي - يصرح فيه المستملي أنه انتسخ نسخته من أصل كتاب البخاري، الموجود عند محمد بن يوسف الفربري، ولا شك أن ذلك - على أدنى تقدير - الصورة التي روى عليها الفربري «الصحيح» من البخاري، وقد سمع الفربري الصحيح من البخاري في سنوات (٢٤٨) هـ إلى (٢٥٥) هـ وهو مقارب جدًا لوفاة الإمام البخاري المتوفي سنة (٢٥٦) هـ.
وبناء تصبح رواية الفربري أقربَ الصور التي استقر عليها البخاري في «صحيحه».
وكلام المستملي يفيد صراحة أنه لم يِتَم بعد، وبقاء بعض المواضع
_________________
(١) «التعديل والتجريح» ١/ ٣١٠، ٣١١.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
مبيضة أي: ترك مكانها بياضًا لم يكتب فيه شيئًا، وأن هذه المواضع كثيرة، ومنها تراجم لأبواب لم يكتب فيها أحاديث، وأحاديث لم يكتب لها ترجمة.
قال المستملي: فأضفنا بعض ذلك إلى بعض.
وقول المستملي: (فأضفنا) يفيد اطلاع غيره على هذا الأصل، وكأنه يعني بعض الرواة عن الفربري، كما فصله هو بعد ذلك، كما يفيد أنهم اجتهدوا في إلحاق الأحاديث بالتراجم المبيضة.
وإذا كان وضع الأحاديث تحت التراجم المبيضة كان مرجعه إلى اجتهاد كل راوٍ، فلاشك في حدوث اختلاف بين هذه الروايات لاختلاف اجتهادات الرواة.
وهذا النقل عن أبي الوليد الباجي الذي ساقه بسنده إلى المستملي اختلفت وجهة نظر العلماء والشراح الذين جاءوا بعده فيه.
فالباجي نفسه يدلل على صحة ما نقله عن المستملي بقوله: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكشميهني، ورواية أبي زيد المروزي - وقد نسخوا من أصل واحد - فيها التقديم والتأخير، وإنما ذلك بحسب ما قَدَّرَ كلُّ واحد منهم، فيما كان في طرة، أو رقعة مضافة، أنه من موضع ما، فأضافه إليه، ويبين ذلك: أنك تجد ترجمتين أو أكثر من ذلك متصلة، ليس بينها أحاديث (١).
ويؤكد ابن رشيد الفهري (٧٢١) هـ في كتابه «إفادة النصيح» ما جاء عن الباجي فيقول: ونقل أبو إسحاق (يقصد المستملي) فرعه من أصل
_________________
(١) «التعديل والتجريح» ١/ ٣١٠، ٣١١.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
البخاري (١).
وقد نقل الحافظ ابن حجر في «هدي الساري» ما جاء عن الباجي السابق ذكره، من اختلاف نسخ الأربعة المذكورين عن الفربري، وقد نسخوا من أصل واحد، وهو أصل البخاري نفسه ثم يقول: وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًّا (٢).
ويقول ابن حجر أيضًا في «الفتح» في شرح باب: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا ﴾ قال: وهذا يؤيد ما تقدم من النقل عن أبي ذر الهروي أن أصل البخاري كان عند الفربري، وكانت فيه إلحاقات في الهوامش وغيرها، وكان من ينسخ الكتاب يضع الملحق في الموضع الذي يظنه لائقًا به، فمن ثَمَّ وقع الاختلاف في التقديم والتأخير، ويزاد هنا أن بعضهم احتاط فكتب الملحق في الموضعين فنشأ عنه التكرار .. (٣).
وهذه النصوص من ابن حجر وابن رشيد تدل على موافقتهما لأبي إسحاق المستملي فيما نقله عنه الباجي.
لكن الإمام شهاب الدين القسطلاني في مقدمة «إرشاد الساري» قال بعد نقله ما جاء عن الباجي: وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر من حيث إن الكتاب قرئ على مؤلفه، ولا ريب أنه لم يقرأ عليه إلا مرتبًا مبوبًا، فالعبرة بالرواية، لا بالمسودة التي ذُكر صفتها (٤).
_________________
(١) «إفادة النصيح» ص: ٢٥.
(٢) «هدى الساري» ص: ٨.
(٣) «فتح الباري» ٤/ ٣٠٠.
(٤) «إرشاد الساري» ١/ ٢٤.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
قلت (الباحث): ما ذكره القسطلاني مخالفًا بذلك ابن حجر وابن رشيد والباجي فيه نظر من حيث الواقع، فالرواة عن البخاري ومن بعده وقع بينهم بعض الاختلافات لا يمكن توجيهها إلا بإعمال هذه القاعدة، وهذه المواضع قليلة جدًّا كما ذكر ابن حجر، كما أنها لا تعني وجود تعارض يطعن في «الصحيح»؛ لأنها متعلقة بالسياق العام وترتيب الكتاب، وليست من العلل التي تقدح في صحة الأحاديث، وترك بعض المواضع مبيضة في نسخة الإمام البخاري في موضع تراجم بعض الأبواب لما عرف من تأني الإمام البخاري - كما ذكر ابن رشيد - وحرصه على دقة الاستنباط للأحكام من الأحاديث، وهو أمر لا يعاب به فاعله، لاسيما مع ما عرف به الإمام من حسن النية، وجميل الفعلة فيما أنجزه من تراجم الكتاب وهو الغالب كما قدمت (١).
وبناء على ما سبق فإن من أسباب وجود اختلافات بين الروايات أن الرواة الأُوَل الذين نقلوا من أصل البخاري اجتهدوا في وضع بعض الأحاديث تحت بعض التراجم المبيضة. والله أعلم.