هذا الوجه من أكثر الوجوه التي عول عليها المحدثون ترجيح بعض الروايات على البعض الآخر.
واعتبار الصحبة والملازمة من أقوى المرجحات، لأن ذلك يحصل
_________________
(١) «الإلماع» للقاضي عياض ص: ٧٢ - ١٢٤، و«الكفاية» للخطيب البغدادي ص: ٤٠٨ - ٥٠٧، و«علوم الحديث» ص: ١٢٨ - ١٨٠.
(٢) ينظر: في ذلك: «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» للحازمي ١٠ - ١١، «الإحكام في أصول الأحكام» ٣/ ٢٧١ - ٢٧٤.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
به زيادة الظن في معرفة أحوال المصحوب، ومجالسة المحدثين تزيد من الوقوف على مصطلحات الشيخ، وما يعتري الرواية من الخلل، والرجوع إلى الشيخ فيما يظهر فيه إشكال أو يحتاج إلى إيضاح.
ولعل الأصل في ذلك ما حدث مع أبي هريرة ﵁ من كثرة روايته للحديث عن رسول الله - ﷺ -، وانفراده ببعض الأحاديث التي لا تروى إلا من خلاله، وذلك لشدة ملازمته لرسول الله - ﷺ - في حله وترحاله، وقد أفصح بذلك أبو هريرة نفسه، عندما بلغه إنكار البعض عليه كثرة رواياته.
روى البخاري في كتاب: العلم، باب حفظ العلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وِإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لاَ يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لاَ يَحْفَظُونَ (١).
ويترتب على كثرة الملازمة كثرة المرويات والمسموعات من الشيخ فيروي العدد من الأحاديث لا يشاركه فيها غيره.
كما يؤدي ذلك إلى تكرار سماع التلميذ الأحاديث من الشيخ، وفي ذلك فوائد لا تعد ولا تحصى، منها حصول معارضة المسموع أو المروي، مما يفيد التثبت في الرواية.
ومن أهم ما يترتب على الملازمة أيضًا: وقوف التلميذ على ما استجد عن الشيخ من رأي أو رواية، وذلك له أهميته خاصة في ما يحتاج إلى اجتهاد ونقد.
ولذلك فضل العلماء كثيرًا من روايات «الصحيح» التي عرف عن
_________________
(١) «صحيح البخاري» (١١٨، ١١٩) وينظر: (٢٠٤٧، ٢٣٥٠، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤).
[ ٢ / ٤٤٩ ]
أصحابها ملازمتهم لشيوخهم في ذلك، ولعل الفربري (٣٢٠) هـ من أكثر الأمثلة للدلالة على هذا الأمر حيث سمع «الصحيح» من البخاري في ثلاث سنين مرتين وقيل ثلاث مرات على ما سبق توضيحه في رواية الفربري.
ومن هذه الأمثلة أيضًا تفصيل العلماء الرواية ابن سعادة الأندلسي لملازمته، لشيخه وصهره أبي علي الصدفي وغير ذلك.