كانت الرواية في القرنين الأول والثاني جل الاعتماد فيها على الذاكرة، فلما بعد الإسناد وقلت الهمم بدأ الاعتماد على الكتابة، ثم جاء عصر التصنيف، وأصبح المعول عليه الكتاب أو النسخة مضافًا إلى الحفظ، ولذلك نجد المحدثين اعتنوا عنايةً تامةً بكتابة الحديث وضبطه وتقييده، حتى جعلوه عِلمًا من علوم الحديث، وقد سبق في التمهيد الحديث عن ضوابط كتابة الحديث عند المحدثين.
فكانت عناية المحدث بنسخته ومعارضتها، من أهم عوامل الترجيح بين الروايات لـ «الصحيح»، ولا يتأتى ذلك إلا لمن رزقه الله التبحر في الحديث وعلومه.
فإذا انضم إلى المعارضة أو المقابلة اقتناء نسخة الشيخ التي حدَّث منها، كان لذلك الأثر البالغ في تقديم هذه الرواية، ولذلك كانت رواية الفربري (٣٢٠) هـ الرواية عن البخاري أصح الروايات وأكثرها انتشارًا لوجود أصل «الصحيح» معه.
كما تميزت رواية أبي مكتوم ابن أبي ذر الهروي (٤٩٧) هـ لوجود أصل أبيه معه حتى باعه لأحد أمراء المغرب.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وبلي هذه المرتبة معارضة النسخة على أصل الشيخ المروي عنه.
ولذلك نجد القطعة الموجودة من رواية أبي زيد المروزي (٣٧١) هـ التي كتبت في حياة أبي زيد، وقوبلت على روايته اكتسبت أهمية كبيرة.
ولقد تميزت كريمة المروزية (٤٦٣) هـ في إسماعها «الصحيح» أنها كانت لا تعطي إجازة بالرواية إلا بعد مقابلة النسخة التي كتبها التلميذ على نسختها، حتى اشتهر عنها ذلك وعرفت به.
ومما يدل على عناية بعض العلماء بروايتهم محاولة تعيين المهمل من الرواة، أو زيادة التعريف بهم، بما يمنع الالتباس بغيرهم، كما فعل ابن السكن (٣٥٣) هـ في نسخته حيث نقل عنه الجياني (٤٩٨) هـ في كتابه «تقييد المهمل» عدة نصوص تمثل قواعد في ذلك سبق ذكرها.
كما توجد بعض الزيادات من بعض الرواة على هامش نسخهم، وهذه الزيادات قد تكون تعريفًا لراو، أو وصلًا لمعلق، أو غير ذلك مما سبق بسطه عند الحديث عن وصف النسخ.
ومما يدخل في عناية المحدث بكتابه مقابلته على عدة روايات، ومحاولة الوصول إلى وجه الصواب في نسخته، كما فعل ذلك أبو ذر الهروي (٤٣٤) هـ، فقد جمع في روايته ثلاث روايات، وقابل بينها، وعرفت هذه الرواية برواية أبي ذر الهروي عن شيوخه الثلاثة وهم: أبو إسحاق المستملي (٣٧٦) هـ، وأبو محمد الحموي (٣٨١) هـ، وأبو الهيثم الكشميهني (٣٨٩) هـ.
وأيضًا ما فعله شرف الدين اليونيني (٧٠١) هـ، فقد جمع كل ما وقف عليه من روايات لـ «الصحيح»، ورتبها على نسق لم يسبق إليه، بعد أن اختار أوثق الروايات وأصحها، ثم عرضها على الإمام اللغوي ابن مالك؛
[ ٢ / ٤٥١ ]
لتوجيهها من ناحية العربية، فبلغت نسخته مبلغا عظيمًا من الدقة والكمال، لما بذل فيها من عناية، فنالت منزلة عظيمة بين العلماء.
وعناية المحدثين برواية «الصحيح» ونسخه، لا يمكن استيعابها، وما ذكرته فيه إشارة سريعة، لتناسب المقام، وقد بسطت في كل رواية ما بذله صاحبها من عناية بها.
النوع الرابع: ما يرجع إلى أحوال الأداء (١).
أداء الرواية هو تبليغها وإلقاؤها للتلميذ بصورة من صور الأداء، وكما جعل المحدثون صورًا للتحمل جعلوا أيضًا صورًا للأداء، وكما يتفاوت الرواة في التحمل، يتفاوتون في الأداء.
ولقد عرفت بعض الأشياء عند المحدثين جعلوها من قبيل الاحتياط في الرواية والتشديد في إسماعها، فمن التزم بها عرف بضبطه وثقته، ومن عرف عنه عكسها نزل بسببها في رتبته عمن تمسك بها.
ومن هذه الأمور التي جعلها المحدثون من قبيل التساهل في الأداء:
النوم وهو يُقرأ عليه أو النسخ حال القراءة عليه، أو الانشغال بالتحدث عن الحديث. والتحديث من غير أصل مقابل، وقبول التلقين في الحديث.
ومن الاحتياط:
أن يكون أصل الراوي عند القراءة عليه بيده، أو بيد غيره وهو أهل لذلك.
أو عدم روايته من كتاب لم يعارضه، أو من نسخة ليس عليها سماعه، وعدم روايته إلا ما تحمله بطريق السماع أو العرض لاختلاف
_________________
(١) ينظر: «معرفة مدار الإسناد» ٢/ ١٧٧ - ١٧٩.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
المحدثين في جواز الرواية بالإجازة.
ومن الحيطة بيان ما عرض له في سماعه من وهن أو خلل كالسماع في مجلس مذاكرة وغير ذلك.
ومما يلاحظ أن نسخ «الصحيح» التي اشتهرت عرف عنها ذلك، ولا مجال لتفصيله هنا، وقد فصلته في وصف الروايات.
النوع الخامس: ما يرجع إلى صفة الرواية:
وهو اشتهار هذه الرواية وكثرة الناقلين لها.
وهذا وجه مهم جدًّا في أوجه التفاضل بين الروايات، فلا شك أن كثرة الرواة عن الراوي يدل على وثوقهم بهذه الرواية، فهو بمنزلة موافقه وقبول لهذه الرواية في الوقت الذي اشتهرت به، خاصة أن المحدثين لا يتحملون إلا الرواية التي تتميز بالضبط، والصحة، والوثوق بمن رويت عنه.
ولذلك نجد في كل طبقة من الطبقات بعد عصر الإمام البخاري رواة كثيرين، وتشتهر من بينهم في كل طبقة بعض الروايات التي يقبل عليها العلماء لأسباب عرفت عن هذه الروايات.
فمثلًا في الطبقة الأولى التي تلي البخاري اشتهرت فيها أربع روايات، واشتهرت بينهم رواية الفربري، وفي الطبقة التي تليها اشتهرت رواية ابن السكن، ورواية الكشمينهي ورواية المستملي ورواية الحموي ورواية أبي زيد المروزي إلخ.
وفي الطبقة التي تليهم رواية أبي ذر الهروي، ورواية كريمة المرورية، ورواية الأصيلي وهكذا.
حتى عصر اليونيني فاشتهرت روايته وما تفرع عنها في بلاد
[ ٢ / ٤٥٣ ]
المشارقة.
كما اشتهرت رواية أبي علي الصدفي في بلاد المغرب والأندلس ..
فشهرة الرواية تدل على عناية المحدثين بهذه الرواية وغير ذلك.