إن الحديث عن الأوهام الواقعة في «الجامع الصحيح» بسبب اختلاف الرواة، يجب أن لا تُعَدُّ من السلبيات التي يظن البعض إنها من المآخذ على «الجامع الصحيح» وإنما هي أمر طبيعي يعطينا فكرة عن مدى الدقة والأمانة العلمية التي كان يتميز بها المحدثون في تأليفهم للمصنفات، ومدى رعايتهم لعلم الرواية، وحرصهم على مراجعة ما يكتبونه، واستمرارهم في تنقيح ما يأخذونه عن شيوخهم، ومراجعة مصادرهم للوصول إلى أدق الروايات، وأتقنها، وهذا الأمر ليس موقوفًا على كتاب «الجامع الصحيح» فإن كتاب «الموطأ» للإمام مالك رحمه الله تعالى هو الاخر قد كثرت رواياته وتباينت بسبب مراجعته المستمرة لكتابه، وتعدد رواة «الموطأ»، وغير ذلك من المصنفات الحديثية، والتي كثرت روايتها وتعددت دليل واضح على المدى الذي وصل إليه المسلمون في ضبط النصوص وتوثيقها.
ولقد كانت عناية الإمام البخاري بمصنفاته كبيرة، وروى عنه أنه
_________________
(١) . انظر: تاريخ بغداد ٢/٦، ٣٤، وفيات الأعيان ٤/١٩٠، طبقات الشافعية ٢/٢٣٣، سير أعلام النبلاء ١٢/٤٦٦-٤٦٨، هدي الساري ٤٩٥.
[ ١٦ ]
قال: صنفت جميع كتبي ثلاث مرات (١)، أي أنه ما زال ينقحها ويراجعها أكثر من مرة.
وقال: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين، وعنه أنه قال: صنفت «الجامع» من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة، وجعلته حجّة فيما بيني وبين الله، وقال: صنفت كتابي «الجامع» في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين وتيقنت صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمع بين هذا وبين ما تقدم أنه كان يصنفه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبه وأبوابه في المسجد الحرام، ثم كان يخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويدلّ عليه قوله: إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يجاور بمكة هذه المدة كلها، وقد روى ابن عديًّ عن جماعة من المشايخ أن البخاري حوّل تراجم جامعه بين قبر النبي - ﷺ - ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين.
قال الحافظ: ولا ينافي هذا أيضًا ما تقدم لأنه يحمل على أنه كتبه في المسودّة وهنا حوّله من المسودّة إلى المُبيضة (٢) .
وقال أبو جعفر العُقيلي: لما صنف البخاري كتابه «الصحيح» عرضه على ابن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث، قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة (٣) .
وكان الإمام البخاري ﵀ يعقد مجالس علمية لإملاء الحديث
_________________
(١) . سير أعلام النبلاء ١٢/٤٠٣، هدي الساري ٤٨٧.
(٢) . هدي الساري ٤٨٩، تغليق التعليق ٥/٤١٨.
(٣) . المصدر السابق.
[ ١٧ ]
وكتابة «الصحيح» وقد ذكر الفربري انه قد سمع منه - يعني البخاري - تسعون ألف رجل، وآخر من سمع منه ببغداد القاضي حسين المحاملي (١) .
قال ابن رُشيد: ثم تواتر الكتاب من الفربري، فتطوق به المسلمون، وانعقد الإجماع عليه (٢) .
_________________
(١) . انظر تاريخ بغداد ٢/٥، سير أعلام النبلاء ١٢/٤٣٣.
(٢) . إفادة النصيح بسند الجامع الصحيح ١٩.
[ ١٨ ]