بعد رحلة شاقة وطويلة قضاها الإمام أبو عبد الله في الرواية والسماع، قرر أن يعود إلى بلده لتسكن نفسه، وتهدأ روحه، فلما وصل إلى بخارى نصبت له القباب على فرسخ من البلد واستقبله عامة أهلها حتى لم يبق مذكور، ونثرت عليه الدراهم والدنانير، وبقي مدَّة يُحدِّثُهم، فبعث إليه الأمير خالد بن أحمد الذهلي والى بخاري أن أحمل إليَّ كتاب «الجامع» و«التاريخ» وغيرهما لأسمع منك، فامتنع أبو عبد الله عن الحضور عنده، فراسله أن يعقد مجلسًا لأولاده لا يحضره غيرهم، فامتنع عن ذلك أيضًا، وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قومًا دون قوم، فاستعان خالد بن احمد بحريث بن أبي الورقاء وغيره من أهل العلم ببخارى عليه حتى تكلموا في مذهبه، ونفاه عن البلد، فدعا عليهم أبو عبد الله فقال: اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم، فأما خالد فلم يأت
_________________
(١) . ينظر: تاريخ بغداد ٢/٤-٣٦، تهذيب الأسماء واللغات ١/٦٧، تهذيب الكمال ٢٤/٤٣١، ٤٤٥ وما بعدها، سير أعلام النبلاء ١٢/٤٠٨، وما بعدها، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/٢١٨ وما بعدها، هدي الساري ٤٨٦ وما بعدها.
[ ١٤ ]
عليه إلا أقل من شهر حتى ورد أمر الخلافة بأن ينادي عليه، فنوديَ عليه، وهو على أتان، وأشخص على أكاف، وحبس إلى أن مات، ولم يبق أحد ممن ساعده إلا ابتلي بأولاده، وأراه الله تعالى فيهم البلايا (١) .
قال البخاري: دخلت بغداد آخر ثمان مرات، كل ذلك أُجالس أحمد بن حنبل، فقال لي في آخر ما ودعته: يا أبا عبد الله، تترك العلم، وتصير إلى خراسان؟ قال البخاري: فأنا الآن أذكر قوله (٢) .
وخرج البخارى من بخارى إلى خَرتَنْكَ، على فرسخين من سمرقند.
قال عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي: جاء محمد بن إسماعيل إلى خَرْنَتْكَ، وكان له بها أقرباء، فنزل عندهم، فسمعته ليلة يدعو، وقد فرغ من صلاة الليل: اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رَحُبَتْ، فاقبضني إليك، فما تم الشهر حتى مات بخَرْنَتْكَ.
وقال أبو منصور غالب بن جبريل، وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله: إنه أقام عندنا أيامًا، فمرض، واشتد به المرض حتى جاء رسولٌ إلى سمرقند في إخراج محمد، فلما وافى تهيأ للركوب، فلبس خُفَّيهِ، وتعمَّمَ، فلما مشى قدر عشرين خطوةً أو نحوها، وأنا آخذ بعضده ورجل آخذ معي يقوده إلى الدَّابة ليركبها، فقال ﵀: أرسلوني فقد ضعفت، فدعا بدعواتٍ، ثم اضطجع، فقضى ﵀، فسال منه العرق شيء لا يوصف، فما سكن منه العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه
_________________
(١) . انظر: تاريخ بغداد ٢/٣٤، تهذيب الكمال ٢٤/٤٦٤، ٤٦٥، ٤٦٦، سير أعلام النبلاء ١٢/٤٦٤، ٤٦٥، طبقات الشافعية الكبرى ٢/٢٣٣، هدي الساري ٤٩٤.
(٢) . تاريخ بغداد ٢/٢٢-٢٣، طبقات الحنابلة ٢/٢٥٧.
[ ١٥ ]
وكان فيما قال لنا وأوصى: أن كفنوني في ثلاثة أثواب ليس فيها قميصٌ ولا عمامة ففعلنا ذلك.
وقال الحسن بن الحسين البزاز البخاري: توفى البخاري ليلة السبت ليلة الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين، وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشرة يومًا (١)، ﵀ وأسكنه فسيح جناته.