قال الحافظ محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي (ت ١٣٣٩هـ): وقد عثرت على أصل شيخه الحافظ الصدفي الذي طاف به في البلاد بخطه بطرابلس، في جلد واحد مدموج لا نقط به أصلًا على عادة الصدفي وبعض الكتاب، إلا أن بالهامش منه كثرة اختلاف الروايات والرمز إليها، وفي آخرها سماع القاضي عياض وغيره من الشيخ بخطه، وفي أوله كتابة بخط ابن جماعة، والحافظ الدمياطي، وابن العطار، والسخاوي قائلًا: هذا الأصل هو الذي ظفر به شيخنا ابن حجر العسقلاني وبنى عليه شرحه الفتح، واعتمد عليه، لأنه طيف به في مشارق الأرض ومغاربها: الحرمين، ومصر، والشام والعراق، والمغرب، فكان الأولى بالاعتبار كرواية تلميذه ابن سعادة (٣) .
كما وصف نسخة الصدفي الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الفاسي في رحلته الحجازية فقال: وقفت بمحروسة طرابلس على «نسخة» من البخاري في سفْر واحد ست عشرة كراسة، وفي كل
_________________
(١) . أشار إلى ذلك فؤاد سزكين: تاريخ التراث ١/٢٢٨.
(٢) . ترجمته في الغنية ١٩٤، الصلة ١/١٤٣، تذكرة الحفاظ ١٢٥٣.
(٣) . فهرس الفهارس ٢/٧٠٧، وانظر: المقالة التي كتبها الدكتور/ عبد الهادي التازي بعنوان: صحيح البخاري بخط الحافظ الصدفي" مجلة معهد المخطوطات العربية ١/٢١، المجلد التاسع عشر لعام ١٣٩٣هـ.
[ ٤٢ ]
ورقة خمسون سطرًا من كل جهة، وكلها مكتوبة بالسواد، لا حُمرة بها أصلًا، وهي مبتدأه بما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه (كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -)، وعند تمام كل حديث صورة: «اهـ» ولا نقط بها إلا ما قَلّ، وبآخرها، عند التمام ما صورته: آخر «الجامع الصحيح» الذي صنعه أبو عبد الله البخاري ﵀، والحمد لله على ما مَنّ به، وإياه أسأل أن ينفع به، وكتبه حسين بن محمد الصدفي، من نسخة بخط محمد بن علي بن محمود مقروءة على أبي ذر ﵀ وعليها خطه، وكان الفراغ من نسخه يوم الجمعة ٢١ محرم عام ثمانية وخمسمائة، والحمد لله كثيرًا كما هو أهله وصلواته على محمد نبيه ورسوله - ﷺ - كثيرًا كثيرًا، وعلى ظهرها: كتاب «الجامع الصحيح من حديث رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه» تصنيف أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري - ﵁ - رواية أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري، ﵀ (١) .
قال الكتاني: وقد انقطع خبر هذه «النسخة» من عام ١٢١١هـ، ولم أر لها ذاكرًا، ولا ناعتًا من الرحالين، والبحاثين، ثم ذكر أنها موجودة لدى صديقه أحمد بن محمد الشريف السنوسي في الكتب التي بجغبوب (٢) .
ثم آلت إلى ملك ليبيا محمد إدريس المهدي السنوسي عام ١٣٨٨هـ، وكان الشيخ ابن عاشور قد استعار النسخة من ناظر مكتبة
_________________
(١) . فهرس الفهارس ١/٧٠٨.
(٢) . المصدر السابق ١/٧٠٩، وانظر: مقالة الدكتور التازي ١/٤٥، والجغبوب واحة بالقرب من مدينة طبرق بليبيا، انظر: المرجع السابق ٤٣.
[ ٤٣ ]
الأوقاف ببنغازي عام ١٣٧٦هـ ليصحح عليها نسخة «الصحيح» .
يقول الدكتور التازي: وأغلب الظن أن المخطوط ما يزال «بطبرق» (١) .
وقال الدكتور يوسف الكتاني: وبعد الشيخ عبد الحي وما نشره بكتابيه: «التنويه والإشادة» سنة ١٣٤٦هـ، و«فهرس الفهارس» بعدها سنة ١٣٤٧هـ، نشر الشيخ الطاهر بن عاشور مفتي الديار التونسية في «أخبار التراث العربي» بحثًا مركزًا مفصلًا عن هذا الأصل، الذي ظل بيده عن طريق الإعارة أكثر من عشر سنوات، ومنه استمد وكتب بحثه الرائع عن «أصل أبي علي الصدفي» .
وتوجد بالمغرب نسخة مقابلة على أصل الصدفي بالخزانة الملكية تحت رقم ٥٠٥٣ في مجلد ضخم، وقد نص على أنه وقعت معارضة النسخة ومقابلتها مع أصل الصدفي، المأخوذ عن نسخة الباجي.
قال الدكتور الكتاني: ومن ذلك يتبين أن الإمام الصدفي كتب بخطه نسختين من «الجامع الصحيح»، وقد كانتا معروفتين، إحداهما من أصل محمد بن علي بن محمود، وهي المشهورة والموجودة بليبيا، والثانية من أصل القاضي أبي الوليد الباجي، التي بقيت مجهولة إلى أن عثر على فرعها بالخزانة الملكية وهي المشار إليها (٢) .
_________________
(١) . المرجع السابق ٤٩، ٥٢.
(٢) . مدرسة الإمام البخاري في المغرب ١/٦٦-٦٨.
[ ٤٤ ]
ومن مخطوطاته أيضًا: