اعتنت كتب المغاربة، وخاصة كتب الشروح بروايتي ابن سفيان، وابن ماهان، وذلك بسبب الاختلاف الحاصل في هاتين الروايتين في الأسانيد، والمتون، وهذه الكتب هي:
١ - تقييد المهمل وتمييز المشكل: للحافظ أبي علي الحسين بن محمد الغساني الجياني ٤٢٧ - ٤٩٨هـ، طبع مؤخرًا في بيروت عام ١٤٢١هـ - ٢٠٠٠م، نشر دار عالم الفوائد، المملكة العربية السعودية، اعتنى به علي بن محمد العران ومحمد عزيز شمس، يقع هذا الكتاب في ثلاث مجلدات، ذكر مؤلفه في المجلد الثالث التنبيه على الأوهام التي وقعت في روايات صحيح مسلم، في الأسانيد فقط، ولم يتطرق فيها إلى المتون.
وإنما يسميها أوهام حسب ما بدا له منها، إلا أنها - حسب دراستنا - لم تكن جميعها أوهامًا، بل هي محتملة الرواية عمّن ذكر في الروايتين، فإنها لم تكن عللًا قادحة في صحة الحديث للسبب نفسه.
قال في مقدمة هذا القسم: "وهذا كتاب يتضمن التنبيه على ما في كتاب مسلم
ابن الحجاج - ﵁ - من الأوهام لرواة الكتاب عنه، أو لمن فوقهم من مسلم وغيرهم، مما لم يذكره أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني في كتاب الاستدراكات" (١).
وبعد أن انتهى من ذكر هذه - التي يسميها أوهامًا - قال: انتهى ما ذكرنا من العلل، ومن إصلاح الأوهام الواقعة في الكتابين التي جاءت من قبل الرواة عن البخاري ومسلم - رحمهما الله - ومن جمع إلى كتابنا هذا كتاب الاستدراكات التي
_________________
(١) تقييد المهمل وتمييز المشكل، مج ٣/ ٧٦٣.
[ ٩٠ ]
أملاها أبو علي بن عمر الدارقطني عليهما في كتابيهما الصحيحين، فقد جمع علمًا كثيرًا مما يتعلق بالكتابين، ومتنًا صالحًا من العلل، وعلم الحديث.
٢ - المعلم بفوائد مسلم: للإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري ت ٥٣٦هـ، مطبوع، حققه فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر، المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات، بيت الحكمة.
يقع الكتاب في ثلاث مجلدات، وهو أصل في شروح الحديث لكتاب صحيح مسلم، وهو الأصل الثاني الذي اعتنى بروايتي ابن سفيان، وابن ماهان، وما جاء فيه مؤكدًا لما ذكره الإمام الجياني في الخلاف بين الروايتين في الأسانيد ولا يتطرق إلى شي جديد من الاختلافات إلا ما ندر مرة أو مرتين.
٣ - إكمال المعلم بفوائد مسلم: من تأليف الإمام الحافظ أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي ت ٥٤٤هـ، طبع أكثر من مرة، وما بين يدي الطبعة الثالثة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، جمهورية مصر العربية - المنصورة ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٠م بتحقيق الدكتور يحيى إسماعيل، وهو أصل عظيم في شروح الحديث ليس لمسلم فقط، بل حتى الحافظ ابن حجر في فتح الباري يعزو إليه فوائده في الشروح، وأصل في الاهتمام في الروايتين، ضبط فيه ما ذكره شيخاه الجياني والمازري، وزاد عليهما في الاختلافات في المتون، ووجه الروايات توجيهًا عجيبًا، وأهم ما يمتاز به هذا الكتاب:
أ- يذكر فيه كلام الإمام المازري في المعلم بفوائد مسلم، ويكمل عليه من شرحه.
ب- يشرح ما لم يشرحه الإمام المازري إذا سكت عنه.
جـ- يرجح بين الروايتين الصحيحتين بمقتضى السياق اللغوي.
د- يستفيد من النسخ المغايرة لنسخة مسلم المعتمدة لديه.
هـ- إنه شديد العناية ببنية الكلمة، وسلامة معناها.
و- يعزو القول إلى قائله سواء في السند، أوالمتن.
ز- شديد العناية بضبط المختلف فيه من رجال السند.
[ ٩١ ]
حـ- إذا عرض له ما يستوجب التصحيح في السند، عجًّل بالتنبيه عليه قبل الفراغ من الحديث في المتن.
هذا ما يخص الروايتين، وما لا يتعلق بهما فهو أكثر من ذلك.
٤ - مشارق الأنوار على صحاح الآثار: من تأليف القاضي عياض أيضًا، طبع أكثر من طبعة، الحجرية والحديثة، والأولى أوثق يقع الكتاب في مجلدتين كبيرتين، ومنهجه فيه أنه رتب مسائله وفق حروف المعجم ما جعلنا نبذل جهدًا في ترتيب مسائل الخلاف وفق ترتيب صحيح مسلم على كتب الأبواب.
يذكر فيه ما وقع من اختلافات في ثلاثة أصول في الحديث وهي: "موطأ الإمام مالك، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم برواياتها".
ثم يخصص كل كتاب على حدة في الحديث عن المسألة الواحدة، ففي مسلم يذكر الخلاف الذي حصل من الرواة عند المغاربة والمشارقة، ليس لابن سفيان وابن ماهان فقط، بل لكل ما يتفرع منهما من روايات، وإن بَعُد في السلسة المغاربية.
ذكر في هذا الكتاب أكثر اختلافات النسخ فاق فيها كتب من سبقه، بل يكاد هو الأول في هذا المجال، ويستطرد فيه المعاني اللغوية ليصل إلى مفهومها وغريبها مستفيدًا من أهل اللغة والغريب كالفراهيدي، وابن دريد، والخطابي، وغيرهم.
٥ - إكمال إكمال المعلم للحافظ محمد بن خلفة الأبي ت ٨٢٧هـ، ومكمل إكمال المعلم للحافظ محمد بن يوسف السنوسي ت ٨٩٥هـ، وهما كتابان في شروح الحديث المتأخرة التي يعود شارحها إلى من سبقه من شيوخه المذكورين (١)، وهما ضمن سلسلة إسناد المغاربة، وهو يذكر الخلاف بين الروايتين أيضًا، إلا إني استبعدت ذكرهما في دراستي للأسباب الآتية:
أ- إنه في عصر متأخر عن جيل من ذكر الاختلافات، وهم: أبو علي الغساني الإمام المازري، والقاضي عياض.
_________________
(١) ينظر تاريخ التراث العربي ١/ ٢٦٥.
[ ٩٢ ]
ب- إنها نسخة غير مضبوطة الشكل ومطبوعة بلون غامق أغرق حروفها تقريبًا ويصعب ضبط اللفظ كالمبني للمفعول، والمشدد والمخفف الخ.
جـ- لا توجد لهما زيادة في ذكر الاختلافات، ولا يغيران توجيههما لمن سبقهما.
د- تحاشيًا للتكرار والإطالة.
هـ- انتقلت إلى اختيار كتب شروح الحديث التي اعتنت بالروايتين من جهة المشرق كشرح النووي على صحيح مسلم، ولأسباب أذكرها في الفقرة اللاحقة.
٦ - المنهاج شرح النووي على صحيح مسلم بن الحجاج: للإمام الحافظ أبي زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي ت ٦٧٦هـ.
أو ما يعرف الآن بشرح النووي على صحيح مسلم، وهو أسبق كتاب من كتب شروح الحديث أشرق عليه النور ليطبع طبعات عديدة مع صحيح مسلم، وهو أشهر من أن يعرف، وقد اخترته في دراستي للأسباب الآتية:
أ- إنه يقارن نسخ أهل المشرق فيما بينهم ثم يقارنها مع أهل المغرب.
ب- يعتمد أحيانًا على شرح القاضي عياض ونادرًا على أقوال الجياني، والمازري، إلا أنه يوجه الشروح بطريقة تختلف عنهم كحديث "إنها إحدى سوآتك يا مقداد" قال القاضي: أي إنها أحد أفعالك السيئة "بسبب الضحك"، وقال النووي: أَيْ إِنَّك فَعَلْت سَوْأَة مِنْ الْفَعَلَات مَا هِيَ؟ فَأَخْبَرَهُ خَبَره، وهذه من معجزات النبوة.
جـ- يذكر ستين موضعًا للخلاف بين الروايتين يسمي من خالف بالاسم، وأكثر من ذلك لم يذكر اسم المخالف حسب ما يقتضيه سياق الكلام.
د- يصوب الروايات وفق ما ذكره أصحاب الأطراف واللغة.
٧ - الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج: من تأليف الإمام عبد الرحمن بن أبي بكر أبو الفضل السيوطي ت ٩١١هـ.
يذكر فيه مؤلفه شروحًا بعيدةً عن المسائل الفقهية، والخلافات العقائدية، بل هي في أصل اللغة ومعناها عند العرب مستفيدًا من شرح الإمام النووي في الغالب،
[ ٩٣ ]
وأحيانًا إلى جهة المغرب، وكذلك كتب غريب الحديث، وأسباب اختياري هذا الكتاب.
أ- يذكر فيه ثلاثين موضعًا خلافيًا باسم صاحب الرواية (ابن ماهان) وما لا يذكره فهو محتمل المعنى عنده.
ب- يذكر خلافات جديدة غير التي ذكرها من قبله، وله فيها سند كحديث "أهل الثناء والمجد" عند ابن سفيان، و"أهل الثناء والحمد" عند ابن ماهان، ذكر ذلك القاضي والإمام النووي، و"أهل الثناء والمدح" ذكره الإمام السيوطي، وهو ﷾ أهل لذلك جميعًا.
[ ٩٤ ]