قال مسلم وروى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ - حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث ابن الصمة الأنصاري فقال أبو الجهم أقبل رسول الله - ﷺ - من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد رسول الله - ﷺ - عليه حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه ثم رد ﵇. ١/ ٢٨١.*
ــ
= وأما الثاني: إن صحة الحديث من حيث أن الوليد بن مسلم مدلسًا وفيه ضعف من حيث عموم رواياته إلاّ إنه في الأوزاعي ثقة (١) قال احمد بن أبي الحواري: قال ابن مروان بن محمد: إذا كتبت حديث الاوزاعي عن الوليد بن مسلم، فما تبالي من فاتك، وقال لي عباس بن وليد الخلال: قال لي مروان بن محمد: كان الوليد بن مسلم عالمًا بحديث الاوزاعي.
واما الثالث: فسبب سقطه في رواية ابن ماهان هو بسبب السماع مما يعني أن رواية ابن ماهان حدث بها الإمام مسلم مرة أخرى فحذف منها رواية الوليد عن الأوزاعي كما هي عادة المحدثين أنهم يحدثون بكتبهم فيرون أن ترفع بعض رواياتهم وهذا أيضا يكون فيه تعدد النسخ وتعدد الرواة فيكون الخلاف في مثل هذا هو تعدد المجالس وبالتالي اختلاف الروايات عند التلاميذ والله أعلم.
وخلاصة القول أن الكلام حول رواية المشارقة؛ لأن رواية ابن ماهان خلت منها وهذا يدل على سماع النسخة من الإمام مسلم مرة أخرى، والله أعلم.
* قال أبو علي الغساني: هكذا وقع في النسخ عن أبي أحمد الجلودي والكسائي، وعند ابن ماهان: "أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار" وهو خطأ،
_________________
(١) تهذيب الكمال في أسماء الرجال ٣١/ ٩٢.
[ ١١٣ ]
ــ
والمحفوظ "أقبلت أنا وعبد الله بن يسار"، وكذلك رواه البخاري (١) عن ابن بكير عن الليث "أقبلت أنا وعبد الله بن يسار" وهذا الحديث ذكره مسلم مقطوعًا، وقد حدَّثَناه حكم بن محمد، قال: انا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الفرج، قال: انا أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدّولابي، قال: انا الربيع بن سليمان المرادي، قال: انا شعيب بن الليث بن سعد عن أبيه عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمِعَه يقول: "أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة"، حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث ابن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهم: أقبل رسول الله - ﷺ - من نحو بِئْر جَمَلٍ، فَلَقِيَه رجلٌ فسلم عليه فلم يَرُدَّ عليه رسول الله - ﷺ - عليه حتى أقبل على الجدار، فمسح وجهه ويديه ثم رد ﵇.
قال أبو علي: قد أورد مسلم بن الحجاج في كتابه أحاديث يسيرة مقطوعة منها هذا الحديث الذي ذكرناه، وهو أوّلها (٢).
وأكد هذا القول الإمام المازري (٣).
وقال القاضي عياض: روايتنا فيه من طريق السمرقندي، عن الفارسي، عن الجلودي فيما حدثنا به أبو بحر عنه عبد الله بن يسار على ما ذكره، وكذلك قاله النسائي (٤) وأبو داود (٥) وغيرهما من الحفاظ وهو أخو عبد الرحمن هذا الآخر، قال البخاري في تاريخه: عبد الله بن يسار مولى ميمونة أخو عبد الملك وعطاء (٦).
ثم قال القاضي: وفي التيمم دخلنا على أبي الجهم كذا في جميع نسخ مسلم
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب التيمم، باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة، الحديث رقم٣٣٠، ١/ ١٢٩.
(٢) تقييد المهمل وتمييز المشكل ٣/ ٧٩٩.
(٣) المعلم بفوائد مسلم ١/ ٣٨٥، وإكمال المعلم بفوائد مسلم ٢/ ٢٢٣.
(٤) سنن النسائي الكبرى: كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر، الحديث رقم ٣٠٧، ١/ ١٣٥. والسنن الصغرى (المجتبى): كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر، الحديث رقم ٣١١، ١/ ١٦٥.
(٥) سنن أبي داود: كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر، الحديث رقم ٣٢٩، ١/ ١٤٢.
(٦) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٢/ ٢٢٣ و٢٢٤.
[ ١١٤ ]
ــ
قالوا: صوابه أبو الجهيم بالتصغير وكذا كناه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داوود وهو عبد الله بن جهيم سماه وكيع وعبد الرزاق يقول فيه أبو جهيم (١).
وقال الامام النووي: قَوْله: (وَرَوَى اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ جَعْفَر بْن رَبِيعَة) هَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ جَمِيع الرِّوَايَات مُنْقَطِعًا بَيْن مُسْلِم وَاللَّيْث، وَهَذَا النَّوْع يُسَمَّى مُعَلَّقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَإِيضَاح هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره مِمَّا فِي مَعْنَاهُ فِي الْفُصُول
السَّابِقَة فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب، وَذَكَرْنَا أَنَّ فِي صَحِيح مُسْلِم أَرْبَعَة عَشَرَ أَوْ اِثْنَيْ عَشَرَ حَدِيثًا مُنْقَطِعَة هَكَذَا وَبَيَّنَّاهَا وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله فِي حَدِيث اللَّيْث هَذَا: (أَقْبَلْت أَنَا وَعَبْد الرَّحْمَن بْن يَسَار مَوْلَى مَيْمُونَة) هَكَذَا هُوَ فِي أُصُول صَحِيح مُسْلِم قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ وَجَمِيع الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَسَانِيد مُسْلِم: قَوْله عَبْد الرَّحْمَن خَطَأ صَرِيح، وَصَوَابه عَبْد اللَّه بْن يَسَار، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ وَغَيْرهمْ عَلَى الصَّوَاب، فَقَالُوا: عَبْد اللَّه بْن يَسَار، وذكر ما قَاله الْقَاضِي عِيَاض.
قَوْله: (دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْجَهْم بْن الْحَارِث بْن الصِّمَّة)، أَمَّا الصِّمَّة: فَبِكَسْرِ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمِيم، وَأَمَّا (أَبُو الْجَهْم): فَبِفَتْحِ الْجِيم وَبَعْدهَا هَاء سَاكِنَة، هَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِم، وَهُوَ غَلَط، وَصَوَابه مَا وَقَعَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَغَيْره (أَبُو الْجُهَيْم) بِضَمِّ الْجِيم وَفَتْح الْهَاء وَزِيَادَة يَاء، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي كُتُب الْأَسْمَاء، وَكَذَا ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي كِتَابه فِي أَسْمَاء الرِّجَال، وَالْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه (٢)، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ وَغَيْرهمْ، وَكُلّ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْأَسْمَاء وَالْكُنَى وَغَيْرهمَا. وَاسْم أَبِي الْجُهَيْم عَبْد اللَّه كَذَا سَمَّاه مُسْلِم فِي كِتَاب الْكُنَى (٣)، وَكَذَا سَمَّاهُ أَيْضًا غَيْره وَاَللَّه أَعْلَم (٤) ُ
_________________
(١) مشارق الأنوار ١/ ١٧٢ و١٧٣.
(٢) كنى التاريخ الكبير ١/ ٢٠.
(٣) الكنى والأسماء ١/ ١٩٥.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم٢/ ٨٥.
[ ١١٥ ]
ــ
فالحديث فيه ثلاث مسائل أولها: من هو أبو الجهم، وثانيها: كون الحديث منقطعًا، وثالثها: قوله في الحديث عبد الرحمن ولا بأس أن أُبيِّنَ كل منها وإن كان أبو الجهم لا خلاف فيه بين الروايتين لكن الخلاف فيه في غير مسلم وكالآتي:
فأبو جهيم (١) بالتصغير بن الحارث بن الصمة بكسر المهملة وتشديد الميم بن عمرو الأنصاري قيل اسمه عبد الله وقد ينسب لجده وقيل هو عبد الله بن جهيم بن الحارث بن الصمة وقيل اسمه الحارث بن الصمة وقيل هو آخر غيره صحابي معروف وهو بن أخت أبي بن كعب بقي إلى خلافة معاوية.
ولكن اختلف في ضبطه أبو جهم بالتكبير أو التصغير قال ابن عبد البر: فمنهم من يقول أبو الجهيم ومنهم من يقول أبو الجهم بن الحارث بن الصمة (٢).
لذلك نجد من يذكره في الأسانيد بالتصغير كالبخاري وقد سبق تخريجه، والنسائي (٣)، والإمام أحمد (٤)، وابن الجارود (٥)، وابن خزيمة (٦)، وابن أبي اصم (٧)، وابن حبان (٨)، والدارقطني (٩)، وأبي نعيم (١٠)، والبيهقي (١١).
ومنهم من ذكره على التكبير كأبي داود (١٢)، وأبو عوانة (١٣).
_________________
(١) ينظرالكاشف ٢/ ٤١٧، وتقريب التهذيب ١/ ٦٢٩. وغيرها
(٢) الاستيعاب ٤/ ١٦٢٥.
(٣) السنن الكبرى: كتاب الطهارة، باب كيف التيمم، الحدييث رقم ٩٣٥، ١/ ٤١.
(٤) مسند الامام احمد بن حنبل: مسند الشاميين، حديث أبي جُهَيْم بن الحارث ابن الصمة - ﵁ -، الحديث رقم ١٦٨٨٣، ٣٥/ ٤١٨
(٥) المنتقى: كتاب الطهارة، باب التيمم، الحديث رقم ١٢٧، ١/ ٤١.
(٦) صحيح ابن خزيمة: كتاب الوضوء، باب جماع أبواب التيمم عند الإعواز من الماء في السفر ، الحديث رقم ٢٧٧، ٢/ ٥.
(٧) الاحاد والمثاني: حديث أبو الجهيم الأنصاري - ﵁ -، الحديث رقم ٢١٧٥، ٤/ ١٩٣.
(٨) صحيح ابن حبان: كتاب الرقائق، باب الأذكار، الحديث رقم ٨٠٦، ٤/ ١٠٢.
(٩) سنن الدارقطني: كتاب الطهارة، باب التيمم، الحديث رقم ٣، ١/ ١٧٦.
(١٠) معرفة الصحابة: باب الجيم، أبو الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، وقيل أبو الجهيم وقال مسلم بن الحجاج اسمه: عبد الله بن جهيم، الحديث رقم ٦١١١، ١٩، ٤٦٦.
(١١) معرفة السنن والآثار: باب التيمم، الحديث رقم ٤١٩، ١/ ٤٩١.
(١٢) سنن أبي داود: كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر، الحديث رقم ٣٢٩، ١/ ١٣٢. =
(١٣) = (١٣) مستخرج أبي عوانة: مبتدأ كتاب الطهارة، بيان إباحة التيمم بالجدار في الحضر ، الحديث رقم ٦٨١، ٢/ ٢٨١.
[ ١١٦ ]
ــ
ومنهم من ذكره بالوجهين كالنسائي (١).
وقول القاضي عياض في المشارق "وهو عبد الله بن جهيم سماه وكيع، وعبد الرزاق يقول فيه أبو جهيم"، فكلاهما صحيح فهو أبو جهيم عبد الله بن جهيم ذكر ذلك ابن منجويه (٢)، وأبو الفتح الأزدي الموصلي (٣). فهو يعرف بكنيته أكثر مما يعرف باسمه، والصواب أبو جهيم ذكر ذلك القاضي عياض (٤). وأيده الإمام النووي (٥).
ويشترك في هذه الكنية على التكبير صحابي آخر وهو: عامر بن حذيفة القرشي أبو الجهم العدوى له صحبة (٦)، وقد قيل: إن اسم أبى جهم عبيد بن حذيفة بن غانم، لم يقع فيه خلاف في روايتي ابن ماهان وابن سفيان، وعلى التصغير ذكره السمرقندي، أحد رواة صحيح مسلم من طريق المشارقة عن "ابن سفيان"، قال ذلك القاضي عياض، وهو خطأ، وحديثه في صحيح مسلم: "وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبي بكر بن أبي الجهم بن صخير العدوي قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول: إن زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل لها رسول الله - ﷺ - سكنى، ولا نفقة قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: (إذا حللت فآذنيني)، فآذنته فخطبها معاوية، وأبو جهم، وأسامة بن زيد، فقال رسول الله - ﷺ -: (أما معاوية فرجل ترب لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، ولكن أسامة بن زيد) فقالت: بيدها هكذا أسامة أسامة، فقال لها رسول الله - ﷺ -: طاعة الله،
_________________
(١) تقدم، وكذلك في السنن الكبرى: كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر، الحديث رقم ٣٠٧، ١/ ١٣٥، وفي السنن الصغرى "المجتبى": كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر، الحديث رقم ٣١١، ١/ ١٦٥.
(٢) رجال مسلم ١/ ٣٤٦.
(٣) أسماء من يعرف بكنيته ١/ ٣٦.
(٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٧٢.
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٨٥.
(٦) الثقات ٣/ ٢٩١.
[ ١١٧ ]
ــ
وطاعة رسوله خير لك، قالت: فتزوجته فاغتبطت" (١).
ونبه عليه الإمام النووي فقال: وَهُوَ غَيْر أَبِي الْجَهْم الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْخَمِيصَة وَالْأَنْبِجَانِيَّة، ذَلِكَ بِفَتْحِ الْجِيم بِغَيْرِ يَاء، وَاسْمه عَامِر بْن حُذَيْفَة بْن غَانِم الْقُرَشِيّ الْعَدَوِيُّ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن كَعْب (٢)، أي فرق بين عبد الله بن الحارث أبو جهيم وعَامِر بْن حُذَيْفَة أبو الجهم.
وقول أئمة الحديث من المغاربة: قد أورد مسلم بن الحجاج في كتابه أحاديث يسيرة مقطوعة منها هذا الحديث الذي ذكرناه - بلغت أربعة عشر حديثًا ـ، وهو أوّلها، فهم يطلقون هذا المصطلح على كل حديث سقط منه راوٍ، أو أكثر في أي ماكن من السند سواء في أوله أو وسطه أو آخره، وسنرى أنه يُقصد به المنقطع، ويندرج تحته: المعلق، والمنقطع، والمعضل، والمرسل والمدلس وغيرها، أو لم يذكر الراوي باسمه "أي على الإبهام". ويجب التنبيه إلى أن ما وقع منها عند مسلم لا يعني عدم الإحتجاج به؛ لأنها من أقسام الضعيف، بل هي متصلة الأسانيد عند الأئمة كالبخاري والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم، وهذا الحديث الذي نحن بصدده هو يسمى معلقًا، فالمعلق (٣): هو ما حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر وفي مسلم في موضع واحد في التميم حيث قال: وروى الليث بن سعد، فذكر حديث أبي الجهم بن الحرث بن الصمة: "أقبل رسول الله - ﷺ - من نحو بئر جمل الحديث "، - وهو حديثنا هنا -. وهذا ما ذكره الإمام الحافظ رشيد الدين أبي الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي المصري العطار المالكي فقال: ذكر الإمام أبو عبد الله محمد بن علي التميمي المازري ﵀ في كتابه المسمى بالمعلم، ونص على أنها وقعت في كتاب] مسلم أحاديث [مقطوعة الأسانيد، وعدها أربعة عشر حديثا، ونبه على أكثرها في مواضعها من كتابه، إلا أنه لم يبين
_________________
(١) كتاب الطلاق ، باب المطلقة البائن لا نفقة لها، الحديث رقم ١٤٨٠، ٢/ ١١١٤.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٨٥.
(٣) ينظر تدريب الراوي ١/ ١١٧.
[ ١١٨ ]
ــ
صفة انقطاعها، ولا ذكر من وصلها كلها من أئمة الرواة، فربما توهم الناظر في كتابه ممن ليس له عناية بالحديث ولا معرفة بجمع طرقه أنها من الأحاديث التي لا تتصل بوجه ولا يصح الاحتجاج بها لانقطاعها، هي متصلة كلها والحمد لله من الوجوه الثابتة التي نوردها فيما بعد إن شاء الله - وهذا القول الذي قاله الإمام أبو عبد الله المازري - إنما أخذه فيما قيل من كلام الحافظ أبي علي الغساني الأندلسي، فإنه جمعها قبله، وعدها كذلك أيضا إلا أنه نبه على اتصال بعضها، ولم يستوعب ذلك في جميعها ولعل المازري ﵀ إنما ترك التنبيه على اتصالها لاكتفائه بما ذكره أبو علي الحافظ، على أنهما قد خُولفا في إطلاق تسمية المقطوع على أحاديث منها، ولم يسلَّم لهما ذلك فيها على ما يأتي بيانه في موضعه - إن شاء الله ـ، وسميت من وصلها من الثقات المعتمد على قولهم في هذا الشأن، ومن أخرجها في كتبه من أئمة الحديث، الحديث الأول: قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري - ﵀ - في كتاب الطهارة: وروى الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن ابن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الرحمن ابن يسار مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -، حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهم: "أقبل رسول الله - ﷺ - من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه رسول الله - ﷺ - حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه ثم رد عليه" قلت: هكذا أخرجه مسلم في صحيحه مقطوعا، وهو حديث صحيح ثابت متصل في كتاب البخاري، وغيره من حديث الإمام أبي الحارث الليث ابن سعد بن عبد الرحمن المصري الفقيه، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل المصري أخرجه الأئمة الثقات البخاري (١)، وأبو داود (٢)
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب التيمم، باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة، الحديث رقم ٣٣٠، ١/ ١٢٩.
(٢) سنن أبي داود: كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر، الحديث رقم ٣٢٩، ١/ ١٣٢.
[ ١١٩ ]
ــ
والنسائي (١) في مصنفاتهم متصلا من حديثه، فرواه البخاري: عن يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري عنه - وابن بكير هذا من شرط مسلم - فإنه احتج بحديثه، وروى عن أبي زرعة الرازي، وعن غير واحد عنه، ورواه أبو داود: عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه عن جده، وعبد الملك هذا من ثقات المصريين روى عنه مسلم في صحيحه عدة أحاديث من روايته عن أبيه عن جده، ورواه النسائي: عن الربيع بن سليمان، عن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، والربيع بن سليمان هذا هو: المرادي صاحب الإمام الشافعي ﵀ مشهور من ثقات المصريين وأكابرهم. وقوله: عبد الرحمن بن يسار، فقد اتفقت روايتا المشارقة والمغاربة فيه الإ السمرقندي، فذكره كما ذكر البخاري وغيره، باسم عبد الله بن يسار ذكر ذلك أبوعلي الغساني والمازري (٢) وقالا: هو خطأ والصحيح ما رواه البخاري وغيره، قال صاحب غررالفوائد المجموعة: "أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار"، وصوابه عبد الله بن يسار كما أوردناه من صحيح البخاري آنفا، وكذلك هو في كتابي أبي داود والنسائي أيضا عبد الله بن يسار على الصواب، وهو أخو عطاء وسليمان وعبد الملك بني يسار مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ - (٣)، وتقدم تخريج الحديث سابقًا. وحاصل القول أن رواية ابن ماهان فيها وهم إذ ذكر عبد الرحمن بن يسار والصواب عبد الله، والله أعلم.
_________________
(١) سنن الكبرى كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر، الحديث رقم ٣٠٧، ١/ ١٣٥. والسنن الصغرى "المجتبى": كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر، الحديث رقم ٣١١، ١/ ١٦٥.
(٢) تقييد المهمل وتمييز المشكل ٣/ ٧٩٩، وينظر المعلم بفوائد مسلم ١/ ٣٨٥، وإكمال المعلم بفوائد مسلم ٢/ ٢٢٣.
(٣) ينظر غرر الفوائد المجموعة ص١١٥ - ١١٩. بتصرف.
[ ١٢٠ ]
٦ - كتاب الصلاة