حدثني عبد الرحمن بن بشر العبدي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام صاحب الدستوائي، حدثنا قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حمار أن رسول الله - ﷺ - خطب ذات يوم وساق الحديث، وقال في آخره: قال يحيى: قال شعبة: عن قتادة قال: سمعت مطرفا في هذا الحديث ٤/ ٢١٩٧.
ــ
قال أبو علي الغساني: "وبعد هذا أيضًا - أي بعد صفة الجنة وصفة النار ـ، عند مسلم: حدثني عبد الرحمن بن بشر العبدي، قال: نا يحيى بن سعيد، عن هشام صاحب الدستوائي، قال: نا قتادة، عن مُطَرِّف، عن عِياض بن حِمار أن النبي - ﷺ - خطب ذات يوم فقال: ﴿ألا إن ربي أمرني أن أعلِّمكم ما جهلتم مما علَّمني يومي هذا: كل مال نَحَلْتُه عبدًا حلالٌ، وإنِّي خلقتُ عبادي حنفاءَ كلَّهم، فاجتالتهم الشياطين﴾ الحديث، ثم قال في آخره: قال يحيى: قال شعبة عن قتادة، قال: سمعت مُطَرِّفًا في هذا الحديث. هكذا يروى عن الجلودي والكسائي، وفي نسخة ابن ماهان: قال يحيى: قال سعيد: عن قتادة، قال: سمعت مُطَرِّفًا بهذا الحديث، جعل سعيد بن أبي عروبة بدل شعبة" (١).
وأكد ذلك الإمام المازري بأن جعل ابنُ ماهان سعيدًا بن أبي عروبة بدل شعبة، ولم يخطِّيء أو يصوِّب أحدى الروايتين (٢).
وقال القاضي عياض: "كذا نص ما علق عن الإمام، وفيه تغيير في الأم من كلام المتكلم عليه بهذا، وهو الحافظ - أبو علي الجياني ﵀ - فإن مسلمًا إنما أخرجه أولًا من غير طريق يحيى عن هشام ثم قال: وفي آخره قال شعبة: قال قتادة: قال: سمعت مطرفًا في هذا الحديث. وهاهنا وقع الخلاف بين الروايات، ولذلك نقله الجياني في كتابه. ونقل المعلم يشعر أن الخلاف فيما بين سياق المسند
_________________
(١) تقييد المهمل وتمييز المشكل ٣/ ٩٢٧.
(٢) ينظر المعلم بفوائد مسلم ٣/ ٣٦٤، وإكمال المعلم بفوائد مسلم ٨/ ٣٩٧.
[ ٢٠٦ ]
ــ
وحكاية يحيى، وسعيد هذا هو ابن أبي عروبة، وهو الذي رواه عند مسلم، فقيل من طريق ابن أبي عدي، فيحتمل أن يحيى سمعه من شعبة ومن سعيد، فكلاهما يروي عن قتادة، لكن في قول يحيى: عمَّن قال منهما عن قتادة: سمعت مطرفًا، حجة قوية لمسلم، وذلك أن هذا الحديث له علة؛ ولذلك - والله أعلم - لم يخرجه البخاري، فإن ما رواه عن قتادة قال: حدثني أربعة عن مطرف بن عبد الله، منهم يزيد بن عبد الله أخو مطرف، والعلاء بن زياد، ورواه عنهما عن همام بن أبي خيثمة وابن أبي شيبة، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، ويزيد أخي مطرف وعقبة بن عبد الغافر عن مطرف، إذ هما أعلى وأحفظ، ولم يبال بمن خالفهم، واستشهد بما حكاه يحيى عن شعبة أو سعيد من قول قتادة: سمعت مطرفًا. فأزال إشكال العنعنة (١).
وربما لم نجد من يصوب أو يخطيء في هذا الحديث، لكننا وجدنا من يوفق بينهما وهو القاضي عياض بقوله: "فيحتمل أن يحيى سمعه من شعبة ومن سعيد"، وذكر الحافظ المزي حديث أبي غسان المسمعي، ومتابعاته فقال: "عن أبي غسان المسمعي وأبي موسى وبندار، ثلاثتهم عن معاذ بن هشام. عن أبيه و(١٧: ٣) عن عبد الرحمن بن بشر، عن يحيى بن سعيد، عن هشام و(١٧: ٢) عن أبي موسى، عن ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة و(١٧: ٤) عن الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن مطر الوراق ثلاثتهم عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله، عنه به. قال يحيى بن سعيد: وقال شعبة، عن قتادة: سمعت مطرفًا. س في فضائل القرآن (الكبرى ٤٩: ١) عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة نحوه. و(٤٩: ٢) عن بندار محمد بن بشار، عن غندر، عن عوف، عن حكيم الأثرم، عن الحسن، عن مطرف نحوه. ز رواه أبو عمر الحوضي وعمرو بن عاصم، عن همام بن يحيى، عن قتادة، قال: حدثني أربعة عن مطرف بن عبد الله: منهم يزيد بن عبد الله أخو
_________________
(١) المصدر السابق ٨/ ٣٩٨.
[ ٢٠٧ ]
ــ
مطرف، والعلاء بن زياد العدوي، ورجلان نسبهما همام فذكره. ورواه أبو داود الطيالسي (في مسنده ص١٤٥ - ١٤٦، ح١٠٧٩) عن همام قال: كنا عند قتادة فذكرنا هذا الحديث، فقال يونس الهدادي وما كان فينا أحفظ منه: إن قتادة لم يسمع هذا الحديث من مطرف، قال: فعبنا ذلك عليه، قال: فاسألوه، قال: فهبناه، وجاء أعرابي، فقلنا للأعرابي: سل قتادة عن خطبة النبيّ من حديث عياض بن حمار، أسمعه من مطرف؟ فسأله فغضب فقال: حدثنيه ثلاثة عنه: (٨٢٥١) يزيد بن عبد الله بن الشخير أخو مطرف، والعلاء بن زياد العدوي، وذكر ثالثًا لم يحفظه همام " (١).
وهذا حال جلِّ روايات شعبة وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، لكثرة الروايات التي روياها عن قتادة، فلا يكاد يكون حديثٌ مروي عن أحدهما الإ وهو مروي عند الآخر، إلا ما نص عليه الأئمة بالخطأ؛ بسبب من يروي عنهما فيسند الحديث إلى غيره كحديث يرويه مسلم في غير الصحيح: ثنا يحيى بن سعيد عن ابن أبي عروبة وشعبة قالا ثنا قتادة عن أبي المليح عن أبيه قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن جلود السباع، فسأل أحمد بن سلمة مسلمًا بن الحجاج: إنَّ أبا كريب ثنا عن ابن المبارك عن شعبة، عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه أن النبي - ﷺ - نهى عن جلود السباع؟ فقال مسلم: هكذا رواه أبو كريب فاستره عليه. قال ابن نقطة قلت: قول مسلم "هكذا رواه أبو كريب فاستره عليه"؛ لأنه رواه عن ابن المبارك عن شعبة وإنما رواه ابن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة (٢).
الخلاصة: التوفيق أولى والأخذ به أصوب، وعليه فرواية ابن ماهان ليست خطأ، والله أعلم.
_________________
(١) تحفة الأشراف ١١٠١٤، ٨/ ٢٥٠ و٢٥١.
(٢) ينظر التقييد في رواة الموطأ والمسانيد، ٢/ ٢٥٢ و٢٥٣.
[ ٢٠٨ ]
٤٨ - كتاب الفتن وأشراط الساعة