باب بيان أنَّ الإسناد من الدين وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات وأنَّ جرح الرواة بما هو فيهم جائز، بل واجب وأنه ليس من الغيبة المحرمة، بل من الذبِّ عن الشريعة المكرمة.
قال مسلم: وحدثني سلمة (١) حدثنا الحميدي (٢) حدثنا سفيان قال: سمعت جابرًا (٣) يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث ما أستحل أن أذكر منها شيئا، وأن لي كذا وكذا ١/ ١٢.
ــ
قال أبو علي الغساني: سقط ذكر سلمة بن شبيب بين مسلم والحميدي في نسخة أبي العلاء بن ماهان. والصواب ما رواه أبو أحمد وغيره، كما تقدم لأن مسلمًا لم يلق الحميدي (٤).
_________________
(١) سلمة بن شبيب أبو عبد الرحمن النيسابوري، الحافظ بمكة، عن أبي أسامة، ويزيد، وعبد الرزاق، وعنه مسلم والأربعة، والروياني حجة مات ٢٤٧، الكاشف، ١/ ٤٥٣.
(٢) عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي الحميدي المكي أبو بكر، ثقة حافظ فقيه، أجل أصحاب بن عيينة من العاشرة مات بمكة سنة تسع عشرة، وقيل بعدها قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره، تقريب التهذيب، ١/ ٣٠٣.
(٣) جابر بن يزيد الجعفي الكوفي تركه عبد الرحمن بن مهدي، قال أبو نعيم: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، يروي عن القاسم وعطاء قال علي: أراه أبا يزيد قال لي بيان: سمعت يحيى ابن سعيد يقول: تركنا جابر قبل أن يقدم علينا الثوري، وقال لي أبو سعيد الحداد: سمعت يحيى ابن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قال الشعبي: ياجابر لا تموت حتى تكذب على رسول الله - ﷺ - قال إسماعيل: فما مضى الأيام والليالي حتى اتهم بالكذب قال: ثنا محمد بن أبان قال: نا غندر، عن شعبة، عن جابر بن يزيد أبي محمد، التاريخ الكبير: (تأليف: الإمام البخاري أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي ت ٢٥٦هـ)، تحقيق: السيد هاشم الندوي، دار الفكر، د. ط، د. ت، ٢/ ٢١٠، قال أبو نعيم: قال الثوري: كلما قال فيه جابر: سمعت أو حدثنا، فاشدد يديك به، وما كان سوى ذلك فتوقه، الكاشف، ١/ ٢٨٨، تقريب التهذيب ١/ ١٣٧ وغيرها.
(٤) تقييد المهمل وتمييز المشكل، ٣/ ٧٦٦.
[ ٩٧ ]
ــ
وأكد ذلك الإمام المازري ولم يضف شيئًا (١).
وقال القاضي عياض: وقوله في كتاب مسلم قوله في الخطبة أول الكتاب نا الحميدي نا سفيان في خبر جابر الجعفي كذا لابن ماهان وهو غلط سقط بين مسلم والحميدي رجل وهو سلمة بن شبيب وكذا رواه الجلودي على الصواب (٢).
ثم قال القاضي: وقال أبو عبد الله بن الحذاء وهو أحد رواة كتاب مسلم: سألت عبد الغني بن سعيد (٣): هل روى مسلم عن الحميدي؟ فقال: لم أره إلا في هذا الموضوع وما أبعد ذلك، أو يكون سقط قبل الحميدي رجل، وعبد الغني إنما رأى من مسلم نسخة ابن ماهان فلذلك قال ما قال، ولم يكن بعد دخلت نسخة الجلودي، وقد ذكر مسلم قبل هذا: حدثنا سلمة حدثنا الحميدي في حديث آخر كذا هو عند جميعهم وهو الصواب هنا إن شاء الله تعالى (٤).
وأيد الإمام النووي ما قاله القاضي، وصوَّب ما صوَّبوه بإثبات سلمة بن شبيب، وزاد: لم تكن نسخة الجلودى دخلت مصر (٥).
ومسلم لم يلق الحميدي؛ لأن الحميدي حجازي مات بمكة سنة ٢١٩هـ، ومسلم نيسابوري
_________________
(١) المعلم بفوائد مسلم: (تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري ت ٥٣٦ هـ)، تحقيق: الشيخ محمد الشاذلي النفير، دار التونسية للنشر - تونس والمؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائر، ط٢، ١٩٨٧م، ١/ ٢٧٤، وإكمال المعلم بفوائد مسلم: (تأليف: القاضي عياض أبي الفضل بن موسى بن عياض اليحصبي ت ٥٤٤هـ)، تحقيق: د. تحيى إسماعيل، دار الوفاء - مصر، ط٣، ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥م، ١/ ١٤٤.
(٢) مشارق الأنوارعلى صحاح الآثار ٢/ ٣٤٤. فقوله ابن ماهان: يعني راوي المغاربة، والجُلودي يعني راوي المشارقة عن ابن سفيان عن مسلم وهي الرواية التي تمتاز بعلو الإسناد.
(٣) عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان، الامام الحافظ الحجة النسابة، محدث الديار المصرية، أبو محمد الازدي المصري، صاحب كتاب "المؤتلف والمختلف" مولده في سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة، ووفاته تسع وأربع مئة، ينظر سير أعلام النبلاء: (تأليف: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي أبو عبد الله ت٧٤٤هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، محمد نعيم العرقسوسي مؤسسة، الرسالة - بيروت، ١٤١٣هـ، ط٩، ١٧/ ٢٦٨ و٢٦٩ و٢٧١.
(٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم ١/ ١٤٥.
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٠٣.
[ ٩٨ ]
_________________
(١) ولد في نيسابور سنة ٢٠٤هـ، فيكون عمره أقل من خمس عشرة سنة، وهو بهذا السن لم تثبت له رحلة إلى مكة بعد، وكذلك الحميدي لم تثبت له رحلة إلى نيسابور، فيظهر أن يكون سقط بينهما رجل، وهو سلمة بن شبيب كما ورد في رواية ابن سفيان لصحيح مسلم من هذا الحديث، والحديث الذي قبله أيضًا، وهو: حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، قال: سمعت رجلًا سأل جابرًا عن قوله - - ﷿ - ـ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾ يوسف. وخلاصة القول أن مسلمًا كانت روايته عن تلاميذ الحميدي كسلمة بن شبيب، وأبي زرعة الرازي، وأحمد بن حنبل وغيرهم، ولم أجد من يشير إلى لقائهما لا من قريب ولا بعيد.
[ ٩٩ ]
٢ - كتاب الإيمان