وَالْعَسْكَرِيْ وَالدَّارَقُطْنِيْ صَنَّفَا فِيْمَا لَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ صَحَّفَا
فِي الْمَتْنِ كَالصُّوْلِيِّ (سِتًّا) غَيَّرِ (شَيْئًا) أوِ الإِسْنَادِ كَابْنِ النُّدَّرِ
صَحَّفَ فِيْهِ الطَّبَرِيُّ قالاَ: (بُذَّرُ) بالبَاءِ وَنَقْطٍ ذَالاَ
وَأَطْلَقُوْا التَّصْحِيْفَ فِيْمَا ظَهَرَا كَقَوْلِهِ: (احْتَجَمَ) مَكَانَ (احْتَجَرا)
وَوَاصِلٌ بِعَاصِمٍ وَالأَحْدَبُ بِأَحْوَلٍ تَصْحِيْفَ سَمْعٍ لَقَّبُوا
وَصَحَّفَ الْمَعْنَى إِمَامُ عَنَزَهْ ظَنَّ الْقَبِيْلَ بحَدِيْثِ (الْعَنَزَهْ)
وَبَعْضُهُمْ ظَنَّ سُكُوْنَ نَوْنِهْ فَقالَ: شَاَةٌ خَابَ فِي ظُنُوْنِهْ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
[ ٤٢ / ١ ]
"التصحيف" التصحيف هو التغيير، وسببه هو الاعتماد على الصحف دون الأخذ عن الشيوخ، فإذا اعتمد الإنسان على الصحف يقرأ الشيء على حسب الحروف التي أمامه لكن قد يكون ضبطه لهذه الحروف موافق للصواب وقد يخطأ، أقول: وهذا النوع يقع في الأسماء أكثر؛ لأنها لا تفهم من السياق، ولا يستدل عليها بما قبلها وما بعدها بينما المتون قد تفهم من السياق، وتنطق إذا كانت اللفظة متداولة على الصواب، بناء على ما سبقها وما تأخر عنها، وإذا كانت اللفظة من الغريب التي يقل تداولها فيقع فيها التصحيف، وإذا كان صورتها تشتبه بغيرها وقع التصحيف.
يقول -رحمه الله تعالى-:
والعسكري والدارقطني صنفا . . . . . . . . .
التصحيف منهم من يجعله لمطلق التغيير، سواء كان التغيير في الحروف أو في الضبط والشكل، أو في المعنى، ومنهم من يقول: التصحيف في الحروف والتحريف في الشكل، ومنهم من يقول: التصحيف في الحروف والشكل، والتحريف للمعنى.
والعسكري والدارقطني صنفا فيما له بعض الرواة صحفا
[ ٤٢ / ٢ ]
العسكري الحافظ أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري، وهناك من اشتهر بهذه النسبة وهو أبو هلال العسكري، له مصنفات، منها: الأمثال، ومنها الفروق في اللغة وغيرهما من المؤلفات، لكن العسكري هذا صاحب المصنفات في التصحيف، وله أكثر من مؤلف في هذا الباب، له أكثر من مؤلف، شرح ما يقع فيه التصحيف (تصحيفات المحدثين وأخبار المصحفين) هذا أصغرها في أخبار المصحفين، وذكر فيه طرائف ونوادر، وذكر أشياء من تصحيفات القراء، لبعض ألفاظ القرآن الكريم، ونسب لعثمان بن أبي شيبة أشياء مثل هذا النوع في القرآن، ذكر بإسناده قال: قرأ عثمان بن أبي شيبة: "فجعل السقاية في رجل أخيه" فقيل له: في رحل أخيه، فقال: تحت الجيم واحدة، بعضهم صحف ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [(١٧١) سورة الأعراف] قال: "نتفنا الحبل" يعني في الصورة متقاربة، وذكرنا أنه في السابق الإعجام غير موجود، صورة الحرف يشتبه بغيره، وكان العرب على سليقتهم في الصدر الأول لا يحتاجون لا إلى نقط ولا إلى شكل، وذكرنا سابقًا قراءة بعضهم: "والنحل باسقات" قيل: النخل، قال: لا النحل؛ لأن ما فيها نقطة، لا نون ولا خاء، يعني احتمال تُقرأ: البخل بعد، لكن استدل من رد عليهم من حيث المعنى، يقول: إن كانت النحل ولا بد فقل: لاسعات، لا تقل: باسقات، فهم يستدلون بسياق الكلام ببعضه على بعض، والكتاب هذا مطول يعني باعتبار ..، بالسند، يعني يذكر ثلاثة أسطر أربعة السند؛ لأنه متأخر، ثم يذكر التصحيف كلمة واحدة، قال: «عم الرجل صنو أبيه» هذا الحديث صحيح، قال المصحف: "عم الرجل ضيق أبيه" نعم وهذا قال: صحف بعضهم قوله: "لا يورث حميل إلا ببينة" قال: "لا يورث جميل إلا بثينة" ومن أشد ما وقع أثره في التصحيف قال: كتب سليمان بن عبد الملك إلى ابن حزم أن احصِ من قبلك من المخنثين، فصحف كاتبه فقرأ: اخصِ، فدعاء بهم فخصاهم، لكن ما يتعلق بالقرآن حقيقة مشكل جدًا يعني، حتى أنه صار مما يتندر به.
يقول: إنه كان في أول تعلمه -حمزة الزيات ينقلون عنه- أنه كان في أول تعلمه القرآن يتعلم من المصحف فقرأ: "ذلك الكتاب لا زيت فيه" مشكلة مثل هذه، "الخوارج مكلبين" وهي الجوارح، يأتي بعض الأمثلة في النظم، قال:
[ ٤٢ / ٣ ]
والعسكري والدارقطني صنفا فيما له بعض الرواة صحفا
يعني صنفا في هذا النوع، وهو المصحف.
. . . . . . . . . فيما له بعض الرواة صحفا
في المتن كالصولي (ستًا) غيّرِ شيئًا. . . . . . . . .
«من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال» أملاه الصولي فقال: شيئًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . أو الإسناد كابن الندرِ
ابن الندر هذا من الصحابة، عتبة بن الندر السلمي، صحفه ابن جرير الطبري.
صحف فيه الطبري قالا بذر. . . . . . . . .
نعم بذر بالباء والذال، بالباء "ونقط ذالا".
صحف فيه الطبري قالا بذر بالباء ونقط ذالا
يعني بدل الدال المهملة وبالنون، وبالباء بدل النون من التصحيف، ما جاء في حديث: "احتجر النبي -ﷺ-" صحف: "احتجم".
وأطلقوا التصحيف فيما ظهر كقوله: "احتجم" مكان "احتجرا"
النبي -﵊- احتجر في المسجد، يعني اتخذ حجرة من سعف النخل، احتجر بها يعني في وقت الاعتكاف، فصحفت "احتجم في المسجد".
وواصل بعاصم والأحدبُ بأحول تصحيف سمع لقبوا
يعني هناك تصحيف بصر، تنظر إلى الكلمة فتقرأها على خلاف الصواب، وقد تنقلها إلى كتاب أخر كذلك على خلاف الصواب، وهناك ما يسمى بتصحيف السمع، تسمع الكلمة فيصحفها سمعك إلى كلمة توازيها في الميزان الصرفي، فمثلًا عاصم صار واصل، والأحول صار الأحدب.
وواصل بعاصم والأحدبُ بأحول تصحيف سمع لقبوا
لأنه بالنسبة للبصر في فرق بين واصل وعاصم، في فرق، وفرق بين الأحدب والأحول إلا إذا كان الخط على طريق المشق أو التعليق الذي لا تبين فيه الحروف كما ينبغي، ولا يفصل بعضها من بعض كما ينبغي، ولا تظهر أسنان الحرف، والنقط قد لا تكون في مواقعها، ومر هذان النوعان من أنوع الخطوط، وهي شر أنواع الخطوط.
وواصل بعاصم والأحدبُ بأحول تصحيف سمع لقبوا
يعني البصر ما يخطأ في مثل هذا، لكن تسمع وتصحف، وهذا كثير، تجد الإنسان يسمع الكلمة فلا يضبطها، يأتي بما يقاربها مما هو على زنتها.
وصحف المعنى إمام عنزه . . . . . . . . .
أبو موسى العنزي، محمد بن مثنى، وهو من شيوخ الأئمة الستة.
وصحف المعنى إمام عنزه ظن القبيل بحديث العنزه
[ ٤٢ / ٤ ]
النبي -﵊- إذا صلى تركز له العنزة، فظن العنزة القبيلة، لا سيما وأنه عنزي، ويذكر عنه أنه يقول: نحن قوم لنا شرف، صلى إلينا النبي -ﷺ-،. . . . . . . . . إن مثل هذا يكون من باب التنكيت؛ لأنه عرف بهذا، أما إمام من شيوخ البخاري ومسلم وغيرهم يقول: صلى إلينا رسول الله -ﷺ-؟! ما يمشي هذا إطلاقًا، وأسوأ من هذا من سكن النون ثم رواه بالمعنى، وقال: صلى النبي -ﷺ- إلى شاة، وذكر بعضهم أنه قدم إلى بلد فوجدهم يصلون وقد ربطوا في المحراب شاة، ربطوها في المحراب يصلون إليها، يعني بعد أن سكن النون عنزة، ثم عاد روى بالمعنى ما يحتاج لفظ، هذه الرواية بالمعنى جائزة، فقال: صلى النبي -﵊- إلى شاة، وطبقوا، ربطوا بالمحراب شاة، قال:
وبعضهم ظن سكون نونه فقال: شاة. . . . . . . . .
يعني إلى شاة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . خاب في ظنونه
[ ٤٢ / ٥ ]
نعم الذي إذا وصل الأمر إلى هذا الحد، يعني المسألة مفترضة في طالب علم يسمع الحديث، فإذا وصل الغباء به إلى هذا الحد فهذا خاب في ظنونه، ولن يفلح، إذا كانت هذه بدايته لن يفلح؛ لأنه لو اقتصر على اللفظ ورواه بلفظه، ما فعل أو ما صحف أكثر من مرة، الآن أبو موسى على اللفظ عنزة، وصحف المعنى من العصا الذي في طرفه الزنج الذي يوضع أمام المصلي، كان يحمل مع النبي -﵊- يستتر به، لفظه ولفظ القبيلة واحد، هذا تصحيف درجة واحدة، لكن تصحيف درجتين وثلاث أيضًا كما هو في تسكين النون عنْزة، ثم بعد ذلك التطبيق والرواية بالمعنى، والعنز والشاة حكمهما واحد، وإلا فالمعز غير الضأن، الشاة الأنثى من الضأن، والعنزة الأنثى من الماعز فصيلة أخرى، ومع ذلك جرى على ذلك التطبيق عنده، فربطوا في المحراب شاة، مثل من صحف: "بسكينة ووقار" "بسكينة وفأر" وصار كل واحد من جماعة المسجد ما يجئ إلى المسجد إلا ومعه سكين وفأر، فلا شك أن الذي يعتمد على الصحف ولا يسمع من العلماء المعروفين بالضبط والإتقان، ولا يراجع كتب الضبط، مثل هذا يقع في المضحكات، ولا بد أن يقع، مهما بلغ من المنزلة إلا أنه يتفاوت بعض الناس يكثر عنده مثل هذا، وبعضهم قد يقع منه ما يضحك منه، لا سيما إذا سخر ممن يقع منه هذا الأمر، لا بد أن يعاقب، ففي مجلس إمام من الأئمة من المشاهير قال: الإمام قرأ البارحة: "والوالدات يرضعن أزواجهن" ضحك هذا الإمام ضحكًا شديدًا، وكأنه وقع في نفسه شيء من السخرية بهذا الرجل، فقرأها كما سمع، الإنسان يعاقب، الذي يعير أخاه بما وقع منه سواء كان عن عمد وتاب عنه أو كان عن سهو وغفلة وعدم قصد لا بد أن يقع، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إذا كثر نعم أيه يجرح به؛ لأنه دل على عدم الضبط، الضبط شرط، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٤٢ / ٦ ]
هذه كتب الأنساب كفيلة بها، كتب الأنساب، وكتب المشتبه، وكتب المؤتلف، كثيرة مصنفات في هذا الباب، بعني من أجمعها كتاب الحافظ ابن حجر: (تبصير المنتبه)، وكتاب الذهبي: (المشتبه) كتب كثيرة في هذا الباب بالنسبة للرواة، وبالنسبة للألفاظ كتب الغريب تضبط، والشروح أيضًا تضبط، بالنسبة للأنساب العيني في ترجمة جرير بن عبد الله في موضعين قال: البُجلي، وفي موضع ثالث ضبطها على الصواب قال: البَجلي، ربعي بن حراش ضبطه بالمهملة، والمنذري في تهذيب السنن ضبطه بالخاء المعجمة، والأكثر على ضبط الربيع بن خيثم، وضبطه بعض من ترجم من المتأخرين "بخيثم" تجدونها في كثير من الكتب التي طبعت الربيع بن خيثم، لكن صوابها بالتصغير خثيم، وغير هذا كثير، كثير جدًا يقع فيه التصحيف، وسببه الاعتماد على الصحف، ولذلك نسب إليه، ولذلك قيل: التصحيف، يعني الفعلة فعلة التصحيف ارتباطها بالتسمية بعيد، لكن بالنظر إلى أن السبب في التصحيف الأخذ من الصحف سمي تصيف، وأما المعنى المطابق فهو التحريف، وهو الانحراف باللفظة عن طريقها وسننها الصحيح، سواء كان ذلك باللفظ، بالحرف، بالشكل، بالمعنى، كله تحريف، أما تصحيف فمراعاة للسبب الموقع في التصحيف، وهو الأخذ من الصحف والاعتمال عليها، نعم.