والحسن المعروف مخرجًا وقد اشتهرت رجاله بذاك حد
حمد وقال الترمذي: ما سلم من الشذوذ مع راو ما اتهم
بكذب ولم يكن فردًا ورد قلت: وقد حسن بعض ما انفرد
وقيل: ما ضعف قريب محتمل فيه وما بكل ذا حد حصل
وقال: بان لي بإمعان النظر أن له قسمين كل قد ذكر
[ ٤ / ٢٣ ]
قسمًا وزاد كونه ما عللا ولا بنكر أو شذوذ شملا
والفقهاء كلهم يستعمله والعلماء الجل منهم يقبله
وهو بأقسام الصحيح ملحق حجية وإن يكن لا يلحق
فإن يقل: يحتج بالضعيف فقل: إذا كان من الموصوف
رواته بسوء حفظ يجبر بكونه من غير وجه يذكر
وإن يكن لكذب أو شذا أو قوي الضعف فلم يجبر ذا
ألا ترى المرسل حيث أسندا أو أرسلوا كما يجيء اعتضدا
والحسن: المشهور بالعدالة والصدق راويه، إذا أتى له
طرق أخرى نحوها من الطرق صححته كمتن لولا أن أشق
إذ تابعوا محمد بن عمرو عليه فارتقى الصحيح يجري
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد فيقول الناظم -رحمه الله تعالى-: "القسم الثاني: الحسن" الحسن: من الحُسن ضد القبح، من الحسن ضد القبح، فإذا كان الكذب قبيحًا، فإن الصدق حسن، قد يقول قائل: إن الصحيح أولى بهذه التسمية من الحسن، لكن إذا قلنا: إن هذا القسم حسن، فلنقل في ذاك أحسن، إذا قلنا في هذا القسم: حسن، فهناك ما هو أقوى من هذه اللفظة للصحيح، فهو أحسن، والكذب قبيح يقابل الحسن، الحسن لما كان في مرتبة متوسطة بين الصحيح والضعيف بحيث لا يمكن ضبط هذا التوسط؛ اختلف العلماء في تعريفه اختلافًا كبيرًا؛ لاختلاف تقديرهم للقدر الذي يتجاوز عنه في شرط الصحيح، لا شك أن الحسن اختل فيه شرط تمام الضبط؛ فإلى أي حد يقبل الضبط المتوسط؟ لأن هذه أمور معنوية، ويصعب قياسها، يصعب قياسها، فمثلًا إذا قلنا: إن هذا الراوي يروي ألف حديث، وأخطأ في مائة حديث؛ العُشر، هذا لا شك أن ضبطه أخف ممن يضبط تسعمائة وتسعين حديث، ويخطئ في عشرة، وإذا قلنا: إن بعض الرواة يخطئ في مائة، وبعضهم يخطئ في مائة وخمسين، هذا يضبط تسعمائة، وذاك يضبط ثمانمائة وخمسين، لكن الذي يخطئ في المائة يخطئ في الأحاديث الطويلة من مروياته، يخطئ في المرويات الطويلة، والذي يخطئ في مائة وخمسين؛ أخطأ -ما نقول يخطئ- أخطأ في مائة وخمسين، وضبط ثمانمائة وخمسين بما فيها الطوال، أمور لا يمكن قياسها ليست أمور محسوسة تقاس بالمتر، وإلا بالكيلو، وإلا بالصاع ما هي ..، هذه أمور معنوية.
[ ٤ / ٢٤ ]
هذا القدر الذي يحصل فيه التفاوت في الرواة؛ العلماء تتباين أنظارهم فيه، فمنهم من يقول: إن هذا الخطأ يمكن تجاوزه؛ فلماذا لا يصل إلى درجة الصحيح؟ ومنهم من يقول: إن هذا الخطأ فاحش، ينظر إليه من زاوية معينة، ويقيسه بأحاديث رواة وقعت له لم تقع لمن تجاوز عن خطئه، فملا وازنها وجدها أخطاء كبيرة فقال: يرد حديثه، هذا جعله من الصحيح، وهذا رده، ثم يأتي من ينظر في الأمور بتوسط، وروية، وتؤدة، ثم يجعل حديثه في هذه المرحلة، أقول: لوجود مثل هذا الكلام؛ وجد الاضطراب الكبير في تعريف الحسن، حتى جزم بعضهم أنه لا مطمع في تمييزه، لا مطمع في تمييز الحسن، ويقول الحافظ الذهبي في الموقظة: "أنا على إياس من وجود حد جامع مانع للحسن"، ولذا نجد في كلامهم مثلًا في التعريفات التي ذكرها الحافظ العراقي عن هؤلاء العلماء ثم قال: "وما بكل ذا حد حصل" لوجود هذا التأرجح، هذا التأرجح بين الصحيح والضعيف؛ جعل الحسن صعب جدًا في غاية الصعوبة.
يقول -رحمه الله تعالى-:
والحسن المعروف مخرجًا وقد اشتهرت رجاله بذاك حد
"حمدٌ" الحسن ما عرف مخرجه، واشتهرت رجاله، وقال الخطابي في تعريف الصحيح: "ما اتصل سنده وعدلت نقلته"، ما اتصل سنده وعدلت نقلته، وعرفنا ما في تعريفه من ملاحظات في تعريف الصحيح، وهنا يعرف الحسن بقوله: "ما عرف مخرجه واشتهرت رجاله":
والحسن المعروف مخرجًا وقد اشتهرت رجاله. . . . . . . . .
"المعروف مخرجًا" مخرجًا تمييز محول عن الفاعل، أو المفعول؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٥ ]
الأصل فيه مفعول، لكن "معروف" يحتاج إلى نائب فاعل، فهو محول عن المفعولية في الأصل "والحسن المعروف مخرجًا" مخرج الحديث رواته -على ما يقول أهل العلم-، يعني عرف رواته الذين خرج منهم الحديث، قال: قالوا: "وبذلك يخرج المنقطع بجميع أنواعه" المعروف مخرجًا معناه أنه عرف رواته الذين خرج عن طريقهم، أو خرج منهم، ومنهم من يقول: المعروف مخرجًا بلد الرواة، بلدان الرواة، أو بلدهم الذي يتفقون فيه، بمعنى أن مخرجه من المدينة، أو من مكة، أو من البصرة، فيكون هذا حديث مديني، أو بصري، أو مكي؛ مخرجه من هذا البلد، لكن البلد لا قيمة له بالنسبة لمعرفة رواته بالأصالة، ثم البلد يتبع؛ لأن البلد يستفاد منه كما سيأتي في أوطان الرواة، وبلدانهم، يستفاد منه مسألة لقاء الرواة بعضهم ببعض، إمكانه وعدمه "معروف مخرجًا" عرف رواته، بمعنى أن كل رواته معروفين، فلم يسقط منهم أحد، ولا شك أن مثل هذا التفسير لكلام الخطابي لا يسلم من تكلف، فليس صريحًا بالمراد، إذا قلنا أن مراد الخطابي المعروف مخرجًا اتصال الرواة، اتصال السند بمعرفة جميع رواته من أولهم إلى آخرهم؛ هل يريد بذلك "معروف مخرجًا" معروف الرواة بالثقة، "وقد اشتهرت رجاله" اشتهرت رجاله بأي شيء؟ بالثقة؛ يدخل فيه الصحيح، كما أنه الصحيح يدخل –أيضًا- في المعروف مخرجًا "اشتهرت رجاله" بالثقة؛ لا؛ لماذا؟ لأنه جعله قسيمًا للصحيح الذي عدلت نقلته، فهو غير الصحيح، اشتهرت رجاله بالضعف؛ لا؛ لماذا؟ لأنه جعله قسيمًا للضعيف؛ إذن اشتهروا بإيش؟ يعني اشتهروا بالتوسط، يعني اشتهروا بالتوسط باعتبار أنه ذكر الأقسام الثلاثة؟ على كل حال التعريف منتقد من كل وجه؛ لكلامه بقية، لكلام الخطابي بقية، فقال مما يتصل بهذا الكلام: "والفقهاء" عامتهم يستعملونه، "الفقهاء" أو وعامة الفقهاء يستعملونه"، وجل العلماء يقبلونه، عامة الفقهاء يستعملونه، الفقهاء يستعملونه في كتبهم، ويستدلون به، "والعلماء" ويريد بذلك أهل الحديث جلهم يقبلونه، لا كلهم، لما سيأتي من ذكر الخلاف في قبوله، أما الفقهاء فكلهم يذكرونه في كتبهم، بل كثير منهم يزيد على ذلك، فيذكر الضعيف، كما سيأتي في قول الحافظ العراقي:
[ ٤ / ٢٦ ]
والفقهاء كلهم يستعمله . . . . . . . . .
إذا قلنا أن هذا تابع للحد قلنا: انكشف الحسن؛ لأن الحسن موجود، وعليه مدار استعمال الفقهاء، ويستعملونه بكثرة "العلماء الجل منهم" الأكثر منهم "يقبله" هذه الجملة تخرج الصحيح؛ لماذا؟ لأن العلماء كلهم يقبلونه، وتخرج الضعيف؛ لأن العلماء كلهم لا يقبلونه إلا ما سيأتي في قسمه -إن شاء الله تعالى-؛ ظاهر، وإلا مو بظاهر؟
فإن قلنا: إن بقية كلامه، وقد فهم ذلك جمع من أهل العلم، وجعلوه من تمام الحد، قلنا: انكشف الحسن، وإن كان تعريفه بأنه المعروف مخرجًا "وقد اشتهرت رجاله" ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، لا يميز الحسن من الصحيح؛ لأن الصحيح معروف المخرج، مشهور الرجال، وقد يقول قائل: إنه لا يميز الضعيف، فقد يشتهر رجال الضعيف بالضعف.
المقصود أن هذا الحد منتقد، فإن قلنا: الكلام الأخير ليس تابعًا للحد، فليس فيه ما يميز الصحيح من الضعيف من الحسن، وإذا قلنا: إن الكلام الملحق به تابع له، قلنا: فيه ما يميز الصحيح، وما يميز الضعيف إلا إنه ليس على طريقة التعاريف، ليس على طريقة الحدود عند أهل العلم؛ لأن الأصل في الحد أن لا يذكر فيه الحكم، وهو ذكر حكمه، أن لا يذكر فيه الحكم "بذاك حد" يعني عرف "حمدٌ" حمد بن محمد الخطابي البستي، المتوفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، حمد، ومنهم من يقول: أحمد، وحذفها الناس تسهيلًا ووافقهم على ذلك، وسكت، يسمعهم يقولون: حمد، والأكثر على أنه سمي بهذا الاسم "حمد" مصدر حمد يحمد حمدًا.
التعريف الثاني: للترمذي:
. . . . . . . . . وقال الترمذي: ما سلم بكذب ولم يكن فردًا ورد
من الشذوذ مع راو ما اتهم . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٧ ]
يشترط الأمام الترمذي لتسمية الحديث حسنًا ثلاثة شروط؛ ذكرها الناظم -رحمه الله تعالى- بقوله: "وقال الترمذي: ما سلم من الشذوذ" يشترط أن لا يكون الحديث شاذًا "مع راو ما اتهم بكذب" أن لا يكون راويه متهمًا بالكذب "ولم يكن فردًا ورد" أن يروى من غير وجه، أن يسلم من الشذوذ؛ أن لا يتهم راويه بالكذب أن يروى من غير وجه، الخطابي ذكر تعريفه في مقدمة "المعالم"، مع ذكره لتعريف الصحيح، والترمذي ذكر تعريفه في "علل الجامع"، في علله الصغير الملحق بالجامع، والتي شرحها -تبعًا لشرح الجامع- الحافظ ابن رجب -﵀-، وتكلم على هذا التعريف بإفاضة، هذه الشروط التي يشترطها الترمذي لتسمية الحديث حسنًا يتكون منها تعريف، كما تقدم في تعريف الصحيح بذكر شروطه:
فالأول المتصل الإسناد بنقل عدل ضابط الفؤاد
هذه الشروط، وتميز بها عن غيره، الشروط التي ذكرها الإمام الترمذي الثلاثة: ما سلم من الشذوذ، طيب ما ذكر العلة، فهل الحديث الذي اشتمل على علة يسمى حسن عند الترمذي؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، العلة غير الشذوذ، كما اشترطوها في الصحيح، اشترطوا انتفاء العلة، وانتفاء الشذوذ، وهنا اقتصر على انتفاء الشذوذ، فيرد عليه الحديث المعل، الترمذي ما اشترط انتفاء النكارة، ما اشترط انتفاء النكارة، يرد عليه انتفاء النكارة؟ النكارة ما اشترطت في الصحيح؛ لماذا؟ لأن اشتراط انتفاء الشذوذ يستلزم اشتراط انتفاء النكارة؛ من أي وجه؟ نعم إذا لم تقبل مخالفة الثقة من هو أوثق منه، فلأن لا تقبل مخالفة الضعيف من باب أولى، هذا على القول بأن المنكر غير الشاذ، وأما على القول بأن المنكر هو الشاذ؛ يكفي ذكر أحدهما عن الآخر "ما سلم"
. . . . . . . . . من الشذوذ مع راو ما اتهم
[ ٤ / ٢٨ ]
"بكذب" الاتهام اتهام الراوي بالكذب من القوادح الشديدة؛ فهل اشتراط انتفاء اتهام الراوي بالكذب يستلزم اشتراط انتفاء ما دونه من القوادح؟ نعم، لا يستلزم، وبهذا قد يدخل في تعريفه الضعيف، الحديث الضعيف بسبب ضعف راويه بما دون الاتهام بالكذب؛ لأن عندنا أعظم القوادح الكذب ثم يليه الاتهام بالكذب، والاتهام بالكذب يكون سببه معرفة الراوي بالكذب في كلامه العادي، وإن لم يعرف بكذبه في الحديث النبوي، أما الكذب فيعرف بكذبه في الحديث النبوي -نسأل الله السلامة والعافية-، واتهامه بالكذب أن يكون معروفًا بالكذب في كلامه العادي، وإن لم يعرف بكذبه على النبي -﵊-، أو يأتي بحديث يتفرد به، ويكون مخالفًا لما علم من الدين؛ للقواعد العامة من الدين، أو مخالفًا لصريح القرآن، أو لصحيح وصريح السنة، المقصود أن اشتراط انتفاء، اشتراط انتفاء الاتهام بالكذب لا يعني اشتراط انتفاء ما دونه من أوجه الضعف "ولم يكن فردًا ورد" الشرط الثالث أن يروى من غير وجه، يروى من وجوه؛ لماذا؟ ليجبر بعضها بعضًا، ليجبر بعضها بعضًا، الآن الترمذي يشترط في الحسن أن يكون متصل الإسناد؟ في ما يدل على اشتراطه اتصال الإسناد؟ لا يشترط اتصال الإسناد، فالمنقطع عنده يندرج في الحسن.
الأمر الثاني: الضعيف المضعف بأحد رواته بما دون الاتهام بالكذب؛ لا يكون حسنًا، ما ورد من طريق واحد –هنا على شروطه بلوازمها- ما ورد من طريق واحد، وإن كان أقوى مما ذكره من الشروط؛ يسمى حسن، وإلا ما يسمى حسن؟ ما يسمى حسن على رأيه، وانتقده الحافظ العراقي -﵀-:
قلت: وقد حسن بعض من انفرد . . . . . . . . .
"وقد حسن بعض من انفرد" يريد أن يستدرك على قوله: "ولم يكن فردًا ورد"، الترمذي يقول: حسن غريب، ويقول: حسن صحيح غريب؛ كيف يقول: غريب، وقد اشترط في الحسن أن يكون قد ورد من وجوه، من غير وجه "لم يكن فردًا" يكن مرويًا من أكثر من طريق؛ فكيف يحسن؛ يصف الحديث بالحسن، ويصفه بالغرابة؟ كما سيأتي الاستشكال في جمعه بين الصحة والحسن.
[ ٤ / ٢٩ ]
أجيب عن الترمذي بأنه يعرف تعريفه للحسن: ما يقول فيه: "حديث حسن" فقط، إذا قال: "حديث حسن" فقط، دون حسن صحيح، ودون حسن غريب، ودون حسن صحيح غريب، فإنه إذا قال: غير حسن، بهذا اللفظ، فإنه لا يندرج عليه هذا التعريف، ويكون تعريفه وحده خاصًا لما يصفه بالحُسن فقط، قد يقول: "هذا حديث حسن"، ثم يقول: وفي الباب عن فلان وفلان وفلان، ما يرد عليه مثل هذا؟ يرد عليه، وإلا ما يرد؟ وإلا مطابق؟ مطابق لثالث ..، لكنه سيأتي في الانتقاد الآخر:
. . . . . . . . . ولم يكن فردًا ورد قلت: وقد حسن بعض ما انفرد
هذا تعريف الترمذي "وقيل" هذا تعريف ابن الجوزي في مقدمة الموضوعات، ابن الجوزي في مقدمة الموضوعات، ونسبه الحافظ العراقي في شرحه، وتبعه غيره إلى أنه ذكره في "العلل المتناهية"، ولم أقف عليه في "العلل المتناهية" لكن هو موجود في مقدمة الموضوعات:
وقيل: ما ضعف قريب محتمل فيه. . . . . . . . .
يعني ما فيه ضعف قريب محتمل، الحديث الذي فيه ضعف، لكنه ضعف قريب، وليس ببعيد، وأيضًا محتمل يحتمله أهل العلم، لكن هل هذا على طريقة التعاريف، والحدود التي تكون جامعة مانعة، جامعة مانعة، ألفاظها مدخلة، ومخرجة؛ هذا ليس على طريقة التعاريف؛ لأنه لم يبين الدرجة التي يقرب فيها الضعف ويحتمل، ولهذه التعاريف، وغيرها مما ذكره أهل العلم مما لا يستطاع به تمييز الحسن "وما بكل ذا حد حصل" وما بكل ذا حد حصل، مثل الحسن، إذا قلنا مثل هذا الكلام؛ هل معنى هذا أن الحسن الذي حكم به أهل العلم على بعض الأحاديث، الذي حكم به بعض أهل العلم على بعض الأحاديث، أنه لا يمكن الوصول إليه؟ لا يمكن الحكم على الحديث بأنه حسن؛ لأننا ما عرفنا حقيقة الحسن؟ العلماء حكموا على أحاديث بهذا الحكم، لكن يبقى أن الحكم على الأحاديث بالحسن بإيش؟ من خلال الحدود الدقيقة المنضبطة، أو من خلال القرائن التي تنقدح في ذهن الناقد بحيث ينظر إليه، ولا يصل إلى درجة الصحيح، وينظر إليه من زاوية لا يهبط إلى درجة الضعيف؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٠ ]
بالقرائن، أما على طريقة الحدود ما يمكن؛ لأن مثل هذا ما يمكن ضبطه بحد، ولذا الحكم على الأحاديث بالحسن يعني إذا توفرت الشروط السابقة الخمسة؛ سهل، يحكم طالب العلم، نعم، وإن كان يصعب عليه الحكم من خلال المتن، قد يحكم من خلال السند؛ يقول: صحيح بهذا الإسناد، ما في إشكال؛ لأن الرواة كلهم ثقات، والسند متصل، لكن قد يصعب عليه من خلال النظر في الموافق والمعارض، ويصعب عليه –أيضًا- من خلال العلل والقوادح، يصعب عليه، ومع ذلك الحكم بالصحة أسهل من الحكم بالحسن، نعم، مع كثرة الممارسة لطالب العلم تتولد لديه ملكة يجزم من خلالها أن هذا الحديث لا يمكن أن يصل إلى درجة حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ولا يمكن أن يصل إلى حد الأحاديث الضعيفة، إما لقوة إسناده بالنسبة للضعف، أو لوجود طرق تدل على أن له أصلًا، وإن لم يصل إلى درجة المجزوم به "وما بكل ذا حد حصل" ما حصل تعريف إلى الآن؛ والنهاية وبعدين؟ نستمر على هذا؛ أنه ما له تعريف الحسن؟ أو نقول لطالب العلم: أكثر من المران، اقرأ القواعد النظرية، وطبق عليها، وخرج، وادرس الأسانيد، واستنر بأقوال الأئمة، وانظر إلى إشاراتهم وافهمها، ثم بعد ذلك ينقدح في ذهنك أن هذا الحديث متوسط لا يصل إلى درجة الصحيح، ولا إلى درجة الضعيف، ولذلك إذا سمعنا كلام هؤلاء: إنه لا مطمع في تمييزه؛ ويش معناه؟ هل نقول لطالب العلم: تلغي الحسن خلاص ما في شيء اسمه حسن؛ لأنك لن تصل إلى تعريفه؟ في أمور تنقدح في ذهن الناقد لا يستطيع التعبير عنها، وجل العلل من هذا النوع، أمور تنقدح في الذهن لا يمكن التعبير عنها، وقل مثل هذا فيما يقول به بعض أهل العلم من الاستحسان، من الاستحسان في الأحكام الشرعية، وإن كان بعضهم يشدد في هذا الباب، ويقول: من استحسن فقد شرع، لكن العالم المحيط بنصوص الشريعة، وقواعد الشريعة العامة، ومقاصد الشريعة؛ قد لا يستطيع أن يرجح أدلة على أدلة من خلال قواعد التعارض والترجيح، لكن ينقدح في ذهنه ما يترجح به هذا الخبر، ولذلكم تجدون –أحيانًا- شيخ الإسلام ينزع منزع ما يخطر على بالك، نعم لماذا؟ لإحاطته بنصوص الشريعة، وقواعدها، ومقاصدها، لكن الطالب المبتدئ، أو حتى المتوسط، أو بعض
[ ٤ / ٣١ ]
أهل العلم -الذين ليسو بهذه المنزلة- قد يقفون في الترجيح، وهذا يحتاج إلى إمام من الأئمة أو من سار على دربهم، وحصل مثل تحصيلهم، مثل هذه الأمور تحتاج إلى مران، وتعب، وليست بالأمر السهل، ولذا –أحيانًا- بعض الطلاب يقول: مادام "وما بكل ذا حد حصل" وبعدين خلاص نلغي الحسن؛ وليش ندرس الحسن، حنا ما حنا مميزينه، ولا عارفينه، نقول: تدرس الحسن من خلال قواعدهم، أنت الآن استنار لك شيء من الطريق، وإن كان عليه ملاحظات، وما حصل بها حد معروف، جامع مانع، مخرج مدخل، يجمع جميع الأقسام، ما وجدنا للحسن مثل هذا، لكن تدرس هذه القواعد النظرية عندهم، وتنير لك شيئًا من الطريق، وإن لم يكن من الوضوح بحيث تقطع بأن هذا التعريف ينطبق على هذا الحديث، وهذا التعريف ينطبق على هذا الحديث، ما يلزم، أنت اقرأ القواعد النظرية، وقل مثل هذا في كثير من أبواب المصطلح، يعني إذا أردنا أن ننظر في أحكام الأئمة الكبار نجدهم –أحيانًا- ما يعللون، وصرحوا بأن معرفة العلل يظنها الجاهل كهانة، وهي إلهام من الله -جل وعلا-؛ بسبب طول الممارسة؛ لأن مثل هذا الكلام "وما بكل ذا حد حصل" وبعدين؟ يوقع في إشكال، الحسن معروف عند أهل العلم، وحكموا على أحاديث بالحسن "وما بكل ذا حد حصل" ثم ماذا؟ لكن ابن الصلاح نزل كلام الترمذي على نوع من أنواع الحسن، ونزل كلام الخطابي على نوع، فنزل كلام الخطابي على الحسن لذاته، ونزل كلام الترمذي على الحسن لغيره، يعني اللي يعرف في اصطلاح المتأخرين بالحسن لذاته، يعني من طريق واحد، فيه مستور لم تتحقق أهليته، ولا فيه مخالفة، ولا نكر، ولا شذوذ، وليس ممن يرد تفرده، مثل هذا يعبر عنه بأنه الحسن لذاته عند المتأخرين، وعليه يتنزل كلام الخطابي، لكن إذا كان الحديث فيه من هو دون هذا من الرواة، ضعف بتضعيف يقبل الانجبار عندهم، وجاء من أكثر من طريق؛ على هذا يتنزل كلام الترمذي، وهو ما عرف في عرف المتأخرين، واصطلاحهم بالحسن لغيره، "وقال" يعني ابن الصلاح "بان لي بإمعان النظر" بان لي بإمعان النظر، بتدقيق النظر، ببعد النظر "أن له قسمين" ليس بقسم واحد، أن الحديث الحسن له قسمين:
. . . . . . . . . أن له قسمين كل قد ذكر
[ ٤ / ٣٢ ]
"قسمًا" كلٌ يعني من الخطابي، والترمذي ذكر "قسمًا" فالخطابي ذكر القسم الأول، وهو الحسن لذاته، والترمذي ذكر القسم الثاني، وهو الحسن لغيره، ولذا قدم في النظم الخطابي، قدم في النظم؛ لأن الحسن لذاته أقوى من الحسن لغيره، الحسن لذاته فيه قوة بذاته، أما الحسن لغيره، فهو في الأصل فيه ضعف، لكن باجتماع طرقه اكتسب القوة؛ لأنه قد يقول قائل: لماذا يقدم الخطابي، ويؤخر الترمذي؟ مع أن إمامة الترمذي هي أعظم من إمامة الخطابي، الأمر الثاني: أن الترمذي متقدم على الخطابي فكيف يقدم قوله؟ قدم من هذه الحيثية؛ لأن الخطابي ذكر القسم الأول من أقسام الحسن، والترمذي ذكر القسم الثاني، "وقال" يعني ابن الصلاح "بان لي بإمعان النظر" يعني بتدقيق النظر، أو ببعد النظر؛ لأنهم يقولون: أمعن الفرس في عدوه إذا أبعد،،
. . . . . . . . . بان لي بإمعان النظر أن له قسمين كل قد ذكر
قسمًا وزاد كونه ما عللا . . . . . . . . .
"ما عللا"، "وزاد كونه ما عللا" يعني هل انتفاء العلة موجود في تعريف الخطابي؟
[ ٤ / ٣٣ ]