وَسَمِّ بالمَوْقُوْفِ مَا قَصَرْتَهُ بِصَاحِبٍ وَصَلْتَ أوْ قَطَعْتَهُ
وَبَعضُ أهْلِ الفِقْهِ سَمَّاهُ الأثَر وَإنْ تَقِفْ بِغَيرِهِ قَيِّدْ تَبرْ
[ ٧ / ١٣ ]
مما أنهى الناظم -رحمه الله تعالى- ما يضاف إلى النبي -﵊- صراحة هو ما يحلق به، وما اختلف في رفعه، ما اختلف في إطلاقه على المرفوع وغيره جاء بما لم يختلف في عدم رفعه، وهو الموقوف، والموقوف اسم مفعول من الوقف، وقف الخبر يقفه فهو واقف، والخبر موقوف.
يقول:
وَسَمِّ بالمَوْقُوْفِ مَا قَصَرْتَهُ بِصَاحِبٍ. . . . . . . . .
يعني اقتصرت فيه في نسبته على الصحاب، والمراد بالصاحب الصحابي
وَسَمِّ بالمَوْقُوْفِ مَا قَصَرْتَهُ بِصَاحِبٍ. . . . . . . . .
[ ٧ / ١٤ ]
يعني ولم تتجاوزه إلى النبي -﵊- سمه بالموقوف "وصلت أو قطعته" يعني ما أضيف إلى الصحابي موقوف سواء كان الإسناد متصل إلى هذا الصحابي أو فيه انقطاع، كله يسمى موقوف، مثل ما مثلنا، مالك عن ابن عمر موقوف منقطع، مالك عن نافع عن ابن عمر موقوف متصل، والعبرة بهذا كله بالنسبة، فإذا نسب إلى الصحابي فهو موقوف، بغض النظر عن الانقطاع والاتصال، واشترط الحاكم عدم الانقطاع لتسميته موقوفًا، فالمنقطع لا يمسى موقوفًا، كما اشترط فيما تقدم في المرفوع، واشترط الخطيب إيش؟ رفع الصاحب، أن يكون مما يرفعه الصحابي، وهنا اشترط الحاكم عدم الانقطاع، لكن هذا الاشتراط شاذ، فالعبرة بالنسبة إلى الصحابي، فإذا نسب إلى الصحابي من قوله أو فعله فهو موقوف، ويختلفون في إضافة تقرير الصحابي إليه، ما يقوله الصحابي وما ينطق به يضاف إليه، يقال: قال ابن عمر كذا، قال أبو هريرة كذا، موقوف عليه، وكذلك ما يفعله، فعل عمر كذا، وفعل أبو بكر كذا، كله موقوف، لكن إذا فعل بحضرته، إذا فعل بحضرة الصحابي شيء من قبل غيره وسكت عنه، هل نضيفه إلى الصحابي؟ فعلى سبيل المثال مروان دخل المقبرة وجلس، وأبو هريرة حاضر ولم ينكر عليه، ودخل أبو سعيد وأنكر عليه، ننسب إلى أبي سعيد الإنكار، لكن هل ننسب إلى أبي هريرة السكوت، التقرير باب من أبواب السنة المرفوعة، يعني ما فعل بحضرته -ﷺ- وسكت عنه هذا تقرير، لكن ما فعل بحضرة الصحابي وسكت عنه هل نقول: إنه أقره، وننسب إليه هذا؟ أو نقول: لعله سكت لأمر من الأمور، لمصلحة راجحة مثلًا؟ نعم؟ هل نستطيع أن نقول: مذهب أبي هريرة جواز الجلوس أو أنه أفضل؟ لا؛ لأنه أقر مروان وسكت عنه، حتى ما نقول: أقر، هو سكت لأمر من الأمور، قد تكون المصلحة راجحة في سوكته في تقديره، وهذا يحصل إلى وقتنا هذا، تجد مثلًا يستدل بفعل شيخ من الشيوخ، عالم من العلماء فعل بحضرته أمر، وسكت لما يترتب على هذا السكوت من مصلحة، أو لما يترتب على الإنكار من مفسدة، فهل نستطيع أن نقول: هذا مذهب فلان؟ كما قيل به في مسألة أثيرت قيل: فعل بحضرة الشيخ فلان ولا أنكر، وما يدريك ما الذي يحتف بهذه المسألة؟ فلا ينسب التقرير إلا إلى
[ ٧ / ١٥ ]
النبي -ﷺ-، فقال من قال: إن الموسيقى فعلت بحضرة الشيخ فلان وما أنكر، والطبول فعلت بحضرة فلان من الناس، لا ينسب قولًا له، لماذا؟ لما يعتريه من تقدير مصلحة راجحة في هذا الظرف؛ لأنه قد يكون في جعبته منكر عظيم جدًا يريد أن ينكره على هذا، فلو أنكر عليه منكره الخفيف بالنسبة للمنكر الشديد يمكن فاته الكبير، أو بعد حمل في نفسه عليه شيء، ورده ردًا يمكن ما يقبل منه شيئًا بعد ذلك، فالمسألة مسألة مصالح ومفاسد، والتقرير لا ينسب لغير النبي -﵊-، يعني هل نستطيع أن نقول: من مذهب أبي هريرة الجلوس في المقبرة قبل أن توضع الجنازة لأنه أقر مروان أو سكت على مروان؟ لا، عنده مصلحة راجحة، ولكن جاء أبو سعيد وأنكر أخذ بيديه، أنكر بالفعل، والناس يتفاوتون في تقدير هذه الأمور، إلى يومنا هذا وبعض الناس تفوت المصالح وهو ينتظر مصلحة، وبعض الناس يرتكب مفاسد وهو يقدر مصلحة، لكن المصلحة بنظر من؟ المسألة مصلحة الدين والأمة بمجموعها، أما مصالح خاصة لا ينظر إليها، المقصود أن مثل هذا التقرير لا يعلق عليه ولا يرتب عليه حكم، هم غير معصومين من جهة، الأمر الثاني: أنهم قد يسكتون لتقدير مصلحة راجحة، أو خشية مفسدة، لكن قد يأتي من يرتكب العزيمة بغض النظر عن أي مصلحة؛ لأن هذه مفسدة محققة في تقدير الثاني، مفسدة محققة، والمصلحة المرجوة، أو المفسدة المخوفة مظنونة، وكثير ممن يناقش في بعض المسائل يقول: ما تدرون عن شيء، أحنا ندرأ مفاسد أعظم، فلا شك أنهم أعرف بهذه الأمور، وأكثر تقديرًا للمصالح والمفاسد، لكن يبقى أن بعض المفاسد مظنونة، وقد تكون من تسويل الشيطان وتثبيطه، على كل حال التقرير لا يمكن أن ينسب إلا إلى النبي -﵊-؛ لأنه هو الذي لا يَقر ولا يُقر على خطأ.
وَسَمِّ بالمَوْقُوْفِ مَا قَصَرْتَهُ بِصَاحِبٍ وَصَلْتَ أوْ قَطَعْتَهُ
وَبَعضُ أهْلِ الفِقْهِ سَمَّاهُ الأثَر . . . . . . . . .
يسمون الموقوف على الصحابي الأثر الفقهاء من الشافعية ومنهم أبو القاسم الفوراني حيث نسب إلى الفقهاء الخراسانيين أنهم يسمون الموقوف الأثر.
[ ٧ / ١٦ ]
وَبَعضُ أهْلِ الفِقْهِ سَمَّاهُ الأثَر . . . . . . . . .
وبعض أهل الفقه سماه الأثر، يعني في مقابل المرفوع الذي يسميه الخبر، يسمون المرفوع الخبر، ويسمون الموقوف أثر، وأهل الحديث يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف،
وبعضهم يقول: الأثر المرفوع، والخبر هو الموقوف، الأثر ما يضاف إلى النبي -﵊- بإزاء الحديث، والخبر: هو ما يضاف إلى غيره، خلاف ما يقوله بعض الفقهاء، هناك كتب سميت بهذا الاسم: تهذيب الآثار للطبري، تهذيب الآثار للطبري، على مقتضى قول بعض أهل الفقه: إنه يشمل آثارًا موقوفة على الصحابة، لكن واقع الكتاب أنه في الأخبار المرفوعة، في الأخبار المرفوعة، وقد يذكر شيئًا يسيرًا من الآثار الموقوفة على الصحابة، لكن الغالب فيه المرفوع، معرفة السنن والآثار للبيهقي فيه المرفوع، وفيه الموقوف، لكن المرفوع أكثر، شرح معاني الآثار، ومشكل الآثار للطحاوي كلها فيه المرفوع والموقوف مما يد على أن الأثر يطلق عند أهل العلم، ويراد به المرفوع، والموقوف:
. . . . . . . . . وإن تقف بغيره قيِّد تبر
والأثر باعتبار إطلاقه على الحديث نسب إليه من يُعنى بالحديث، من يُعنى بالحديث، فمثل ما تقدم في نسبة الحافظ العراقي إلى الأثر:
يقول راجي ربه المقتدر عبد الرحيم بن حسين الأثري
وانتسب على الأثر جماعة من عهد السلف إلى يومنا هذا، وهم ينتسبون، ولو قلت محمد ناصر الدين الألباني الأثري فيه شيء؟ لأنه ينتسب إلى الحديث، وابن باز الأثري، وفلان الأثري، وسمى بعضهم نفسه ممن هو دونه بمراحل: الأثري؛ لأن عنده شيء من الاهتمام بالحديث، لكن كون الإنسان يسمى نفسه، هذه فيه شيء من التزكية، أما كونه يعرف بهذه بين الناس، بين الخاص والعام، وينسب إليه، هذا شرف بلا شك؛ لأنه حينئذٍ ينسب إلى ما يعنى به بحق إلى ما ينسب إلى النبي -﵊-.
. . . . . . . . . وإن تقف بغيره قيد تبر
[ ٧ / ١٧ ]
"تقف بغيره قيد تبر" الأصل أن الموقوف ما يضاف إلى الصحابي، لكن إذا أردت أن تصف بالموقوف ما تضيفه إلى التابعي، فقيده، فقل: هذا موقوف على سعيد، موقوف على الحسن وهكذا "وإن تقف بغيره" يعني بغير الصحابي، وفي نسخة "بتابع"، "وإن تقف بتابع قيد تبر" تبر: يزكوا عملك، يكزوا عملك، فأعمال البر هي التي تزكي الأعمال، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، هذه المسألة ..، فرق بين أن يسكت شخص فعل بحضرته شيءٌ، أو عدد يسير فعل بحضرتهم شيء، أو يسكت الجميع، يسكت، يجتمع العلماء كلهم، ويفعل منكر بين أيديهم، ولا ينكرون، اللهم إلا إذا كانوا بين يدي ظالم يخشون سطوته، فهذا شيء آخر، الإجماع السكوتي فيما إذا ذكر بعضهم حكمًا شرعيًا، ولم يعارض أحد، ولم يعارض، هذا إجماع سكوتي، أما أن يسكت الجميع ما يكون إلا إذا كان السكوت من أهل الإجماع، إذا كان من أهل الإجماع، يعني افترضنا أن جميع أهل العلم وجدوا في مكان، وفعل بحضرتهم منكر هذا إجماع، لكن لو وجد بعضهم ممن لا ينسب إليه الإجماع، وسكتوا لتقدير مصلحة، أو خشية مفسدة، ما يعتبر إجماع.
طالب:. . . . . . . . .
يسمى إجماع؟
طالب:. . . . . . . . .
لماذا أنكر أبو سعيد هذا، أنكر أبو سعيد؛ لأن المسألة ورد فيها نص، ويرويه أبو هريرة قال: هذا يعلم، نعم.
المقطوع
وسم بالمقطوع قول التابعي وفعله وقد رأى للشافعي
تعبيره به عن المنقطع قلت: وعكسه اصطلاح البردعي
[ ٧ / ١٨ ]
تمام القسمة فيمن يضاف إليه الخبر المقطوع، بعد أن ذكر المرفوع المضاف إلى النبي -﵊-، والموقوف المضاف إلى الصحابي، المقطوع ما يضاف إلى التابعي، ومن دونه كما قرر ذلك ابن حجر، وغيره، يسمى مقطوع، والقطع هذا مجرد اصطلاح، القطع هذا مجرد اصطلاح، والمقطوع اسم مفعول من القطع، قطع يقطع قطعًا فهو قاطع، والخبر مقطوع، وجمعه مقاطع ومقاطيع، مقاطع ومقاطيع، والبصريون سوى الجرمي يثبون الياء جزمًا، فيقولون: مقاطيع هذا رأي البصريين، يثبتون الياء، وأما الكوفيون، وأما الكوفيون مع الجرمي -وهو بصري- في جواز الحذف، يجيزون الحذف، وإن كان الأصل إثبات الياء، واختاره ابن مالك، فيجيزون مقاطع ومقاطيع، مثل مساند ومسانيد، مفاتح ومفاتيح، واختاره ابن مالك، وقال البلقيني: الأولى ألا تثبت، الأولى ألا تثبت، يعني مثل مفاتح، مثل مفاتح، ومفاتح جاءت في القرآن بالإثبات، أو بالحذف؟ بحذف الياء: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [(٥٩) سورة الأنعام].
يقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
وسم بالمقطوع قول التابعي . . . . . . . . .
يعني ومن دونه على ما اختاره ابن حجر وغيره "وفعله"، "قول التابعي وفعله" يعني إذا خلا عن قرينة إرادة الرفع، أو كان مما يحتمله الرأي والاجتهاد على ما سيأتي في حكم ما لا يقال بالرأي.
"وقد رأى" من الذي رأى؟ ابن الصلاح:
فحيث جاء الفعل والضمير لواحد ومن له مستور
يريد بذلك ابن الصلاح "وقد رأى" أي ابن الصلاح "للشافعي" للإمام الشافعي، ومن بعده الطبراني، والدارقطني، والحميدي، عبروا بالمقطوع عن المنقطع "وقد رأى للشافعي تعبيره به" يعني بالمقطوع "عن المنقطع" الذي لم يتصل إسناده، مالك عن ابن عمر مقطوع في تعبير الإمام الشافعي، ومن معه، الدارقطني، والحميدي، والطبراني "تعبيره به عن المنقطع" الذي لم يتصل إسناده "قلت" الحافظ العراقي، وهذا من زياداته، والزيادة مجرد التسمية، تسمية القائل، تسمية صاحب الاصطلاح، وإلا فابن الصلاح أشار إلى أن منهم من يستعمل المنقطع بإزاء المقطوع ما يضاف إلى التابعي:
. . . . . . . . . قلت وعكسه اصطلح البردعي
[ ٧ / ١٩ ]
عكس تعبير الشافعي، ومن معه "اصطلاح البردعي" أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي البردعي، بردعة وبرديجة متقاربتان، فيطلق البردعي البرديجي احمد بن هارون المنقطع، ويريد به ما يضاف إلى التابعي، عكس ما أثر على الإمام الشافعي، ومن معه، وقد اعترض بعضهم على إدخال المقطوع في علوم الحديث، يقول: إذا أدخلنا الموقوف في علوم الحديث باعتبار أنه يدخل في عموم ما يتحدث به، وسبق في توجيه ما يحفظه الإمام البخاري:
وفيه ما فيه لقول الجعفي أحفظ منه عشر ألف ألف
وعله أراد بالتكرار لها وموقوف. . . . . . . . .
فالموقوف يجعله العلماء مع المرفوع، باعتبار أنه قد يحتاج إليه في فهم الخبر؛ لأن الصحابي أعرف بفهم ما روى، فالموقوف قد يحتاج إليه في فهم الخبر، وأيضًا قول الصحابي الخلاف بين أهل العلم قوي في كونه مما يحتج به، أو لا يحتج به، أما قول التابعي فلم يقل أحد بأنه يمكن أن يحتج به، ولذا اعترض بعضهم إدخال المقطوع في مباحث علوم الحديث، وأجيب عن ذلك بأن بعض المقطوعات المضافة إلى التابعين قد تكون مرفوعة؛ لأنها مما لا تدرك بالرأي، لأنها مما لا تدرك بالرأي، وقد يحتاج إليها؛ لأنها أحد ما يعتضد به المرسل، على ما سيأتي في بابه، أحد ما يعتضد به المرسل، على ما سيأتي في كلام الإمام الشافعي في باب المرسل، أما الفروع فالأفضل أن تكون متتابعة، يعني الأفضل أن نشرحها غدًا -إن شاء الله تعالى- كلها الفروع السبعة التي تعي ما ذكرنا.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٧ / ٢٠ ]
نعم هذا فيه علاقة بالدرس، وأما القول المعتمد، والصحيح في قول العلماء على شرط الشيخين، ومن القائل بأن المقصود به رجال الصحيحين؟ ذكرنا فيما تقدم أقوال أهل العلم في المراد بشرط الشيخين، ذكرنا قول ابن طاهر، والحازمي، والقول الذي اعتمده أهل العلم، وتصرفات الحاكم تقويه، وهو أن المراد بشرط الشيخين رجال الصحيحين، وعلى هذا الذهبي، وقبله ابن الصلاح، والنووي، وابن حجر، والعراقي، وجمع من أهل العلم كلهم اعتمدوا هذا القول، والسخاوي رجحه، وذكر له أمثلة من المستدرك نفسه؛ لأن الذي شهر، وأكثر من ذكر هذه الكلمة هو الحاكم، فيعتنى بكتابه لفهم كلامه، وذكرنا أن تصرف الحاكم في المستدرك يقوي هذا القول بدليل أنه يذكر الحديث، ويذكر فيه راوٍ، وهذا الراوي يحتمل أن يكون ممن خرج له الشيخان، أو أحدهما، أو لا؛ لأنه يشتبه في النسبة، أوفي الكنية، أو في الاسم بغيرهم ممن خرج له الشيخان، وقال في حديث من طريق أبي عثمان، وقال أبو عثمان: هذا ليس هو النهدي، ولو كان النهدي لقلت إنه على شرط الشيخين، فهذا دليل على أنه يريد بشرط الشيخين رجال الشيخين، وقلنا في قوتها إنه يشكل على هذا قوله في مقدمة المستدرك: وأنا استعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، احتج بمثلها الشيخان، وقلنا أن الحافظ ابن حجر قال: إن الحاكم استعمل المثلية في أعم من حقيقتها، ومجازها، فاستعملها في حقيقتها حينما يخرج الأحاديث من طريق رواة لم يخرج لهم الشيخان، وإنما هم بمنزلتهم، وبمثابتهم مثلهم يعني في القوة، واستعمل المثلية في غير حقيقتها في مجازها عنده، حينما يخرج الحديث من طريق رواة خرج لهم الشيخان بأعيانهم، فالمسألة كأن القول هذا هو الراجح، وأما ما ذكره أبو الفضل ابن طاهر بأن شرط الشيخين أن يخرجا لرجال اتفق على ثقتهم يعني مجمع على أنهم ثقات، وعرفنا أن في رجال الشيخين رجال الصحيحين مما تكلم فيه من قبل أهال العلم، وإن كان الغالب أن توثيق الشيخين للراوي لاسيما إن كان الحديث ممن ..؟ مما يدور على هذا الراوي، فهذا توثيق عملي لهذا الراوي، ومع ذلك الشيخان ينتقيان من أحاديث الراوي ولو كان فيه مغمز، أو مطعن، على قلة هؤلاء الرواة الذين مسوا بضرب من
[ ٧ / ٢١ ]
التجريح الخفيف، الشيخان ينتقيان من أحاديثهم، وينظران فيما ووفق عليه هذا الراوي مما اختلف فيه، فإذا غلب على الظن أن هذا الراوي ضبط هذا الحديث، ولو كان فيه شيء؛ جرح خفيف يعود على حفظه وضبطه، فإن هذا لا يؤثر، ولهما دقة نظر في هذا الباب لا يدانيهما، ولا يقاربهما غيرهم، ولو لم يكن لهذين الكتابين إلا تلقي الأمة لهما بالقبول، ويكثر الكلام، وكثرت المصنفات في العصر الحديث حول الصحيحين، ورجال الشيخين، وترتيب الصحيحين، وتكرار البخاري، وكونه يورد أحاديث في غير مظانها، وأنه يحتاج إلى ترتيب، فيه كلام لبعض الشراح حينما يعجز الشارح عن الربط بين الحديث والترجمة؛ ينتقد البخاري، فأحيانًا يقول: إن الكتاب ما بيض، وأحيانًا يقول: لعل هذا تصرف من النساخ، حتى قال بعضهم في بعض المواضع: كذا، وهذا تعجرف، والمسكين ما يدري أنه أتي من قصوره؛ لا أقول: من تقصيره، أقول: من قصوره، وإلا التقصير يحصل، لكن التقصير ممن يبرع في بعض المواضع، أما القصور فمعروف أنه سببه قصور الفهم.
يقول: البعض يجعل شرط الشيخين توفر شروط: أن يكون من رجال الشيخين، أن يروي كل راوٍ عمن فوقه في الصحيحين، أن يكون من الأصول، الخلو من الشذوذ؟
[ ٧ / ٢٢ ]
يعني إذا كان الحديث في المتابعات والشواهد، لا من الأصول التي بنا عليها البخاري، أو مسلم كتابه، هو ما في شك أن الرواة الذين تكلم فيهم جل رواياتهم في الشواهد، وليست في الأصول، ومع ذلك تخريج البخاري لراوٍ من الرواة، أو مسلم لراوي من الرواة، ولو كان في المتبعات والشواهد، مثل ما قالوا في الحديث الذي تكلم فيه، ولو روي بغير إسناد عند البخاري، ولو صدر بصيغة التمريض أن وجوده في مثل هذا الكتاب الذي تلقته الأمة بالقبول يشعر بأن له أصلًا يركن إليه، ويؤنس به، فكيف إذا جزم به، أو ذكر إسناده كاملًا على كل حال المسألة معروفة عنده أهل العلم، والصحيحان صارا مثارًا، أو مجالًا للأخذ والرد في العصر الأخير، تبعًا للدين بكاملة، الذي صار بحيث تلوكه ألسنة السفهاء الذين لا علم لهم، وعندهم شيءٌ من رقة الدين، وفي أنفسهم أشياء على الدين وأهله، فإذا هدموا الصحيحين، أو تكلموا في الصحيحين، أو تطاولوا على الشيخين، فمن دونهما أمره سهل؛ لأن الأمة لا تغار على حديث في غير الصحيحين مثل ما تغار على ما في الصحيحين، فإذا تطاول هؤلاء السفهاء على البخاري، أو على مسلم؛ يعني على كتابيهم فسهل أن يتطاولوا على السنن، أو على المسند، أو غيره، والله المستعان، سم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: قال الإمام الحافظ -رحمه الله تعالى-: