الشيخ/ عبد الكريم الخضير
فشره للضعف واستصغارا وكالخطيب يوهم استكثارا
والشافعي أثبته بمرة قلت: وشرها أخو التسوية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فيقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
التدليس: التدليس مأخوذ من الدَلَس، بالتحريك وهو اختلاط الظلام، والغلس والدلس متقاربان في المعنى والوزن، اختلاط الظلام؛ كأن الراوي لتغطيته بمن أسقطه إذا أسقط من إسناد الحديث أو غيَّر في اسم الشيخ الذي اشتهر به إلى ما لم يشتهر به كأنه غطى أمره على الواقف عليه، فأظلم، فصار دلسًا؛ ظلمة مختلطة، لا يستطاع التمييز فيها.
والتدليس من أنواع السقط الخفي، من أنواع السقط الخفي الذي لا يتنبه له كثير من المتعلمين، بخلاف السقط الظاهر الذي تقدم الكلام فيه من التعليق والإرسال والانقطاع والإعضال يدرك بالمواليد والوفيات، سهل، لكن التدليس والإرسال الخفي أمره أشد، لا يعرفه إلا من كانت لديه خبرة، ومعرفة، ودربة، واطلاع على الرواة وطبقاتهم وشيوخهم والآخذين عنهم، وإمكان لقاء بعضهم لبعض، وعدم إمكانه، والتدليس خلط بعضهم كابن الصلاح ومن دار في فلكه بينه وبين الإرسال الخفي.
وللتمييز بين النوعين، للتمييز بينهما لابد أن نعرف أحوال الراوي مع من روى عنه، لا بد أن ننتبه لهذا، وإلا لن يتميز لنا التدليس من الإرسال الخفي؛ يعني إذا روى أبو هريرة مثلًا عن النبي -﵊- مما لم يسمعه منه بصيغة موهمة؛ هذا تدليس وإلا إرسال؟ إرسال، ولم يصف أحد أبا هريرة بالتدليس.
المخضرمون الذين عاصروا النبي -﵊- لكن لم يتمكنوا من لقاءه، ولا السماع منه، إذا رووا عنه بصيغة موهمة؛ تدليس وإلا إرسال؟ إرسال خفي.
[ ١١ / ١ ]
إذن لا بد من معرفة حال الراوي مع من روى عنه، حال الراوي مع من روى عنه لا تخلو من أربع صور، إذا وجدت في إسناد فلان عن فلان فلا يخلو إما أن يكون الراوي قد سمع من هذا الشيخ، أو يكون لقيه ولم يثبت سماعه، الحال الأولى والصورة الأولى أن يثبت سماع الراوي لمن روى عنه، والحال الثانية أن يثبت لقاء الراوي لمن روى عنه ولو لم يثبت سماعه منه، الحال الثالثة: أن تثبت المعاصرة، تثبت المعاصرة بين الراوي ومن روى عنه، الحال الرابعة: أن تنتفي المعاصرة، أن تنتفي المعاصرة، فإذا روى الراوي عن شيخ سمع منه أحاديث، روى عنه ما لم يسمعه منه بصيغة موهمة؛ فهذا تدليس اتفاقًا، إذا روى الراوي عن من سمع منه أحاديث، لكن ما سمع منه هذا الحديث بصيغة موهمة كـ"عن"، و"أن"، و"قال" هذا تدليس اتفاقًا.
إذا روى الراوي عمن لقيه، إذا روى الراوي عمن لقيه، ما لم يروه عنه؛ ما لم يسمعه منه بصيغة موهمة، والصيغ الموهمة "عن" و"أنَّ" و"قال"، هي التي تحتمل الاتصال والانقطاع.
[ ١١ / ٢ ]
إذا روى عمن لقيه، ما لم يروه عنه، ما لم يسمعه منه بصيغة موهمة فهذه تدليس –أيضًا-، هذا تدليس –أيضًا-، وعليه الجماهير، الحال الثالثة: إذا روى الراوي عمن عاصره، ثبتت المعاصرة، لكن لم يثبت اللقاء، روى عن هذا الشخص الذي عاصره ولم يسمع منه، إذا كان لم يلقه فمن باب أولى لم يسمع منه، فإذا روى عنه بصيغة موهمة فالإرسال الخفي، وعدها ابن الصلاح، ومن تبعه من التدليس، وحكاها ابن عبد البر في مقدمة التمهيد عن بعضهم، وإذا قلنا بأن هذه الصورة من التدليس؛ قلنا: لم يسلم من التدليس أحد، لم يسلم من التدليس أحد، ولا بعض الصحابة، ممن أكثر روايتهم عن النبي -﵊- بالواسطة الذي تقدم ذكرهم في مراسيل الصحابة، الصورة الرابعة: أن يروي الراوي عن من لم يعاصره؛ يعني إذا حثنا في كتب التراجم، ووجدنا هذا الراوي ولد سنة مائة، ومن روى عنه مات سنة مائة، أو مائة وواحد، أو مائة واثنين، أو تسعة وتسعين، أو قبل ذلك "بصيغة موهمة" فهذا انقطاع ظاهر؛ إرسال ظاهر، وليس بإرسال خفي، قال ابن عبد البر عن بعضهم: أنه شذ، وسماه تدليسًا، وسمى هذه الصورة تدليسًا؛ لماذا؟ لإيهام الصيغة؛ لمجرد أن الصيغة موهمة بهذا الحصر نستطيع أن نفرق بين الأنواع، ظاهر، وإلا ما هو بظاهر؟ الآن بان لنا الفرق بين التدليس، والإرسال الخفي، والإرسال الظاهر الذي هو الانقطاع؟ بهذه الطريقة يبين، والأحوال الأربعة كلها حجة من يرى أنها كلها تدليس بما في ذلك مع عدم المعاصرة أن الصيغة موهمة، الصيغة محتملة للسماع وغيره، لكن إذا احتملت الصيغة، ولم يحتمل السن؛ هل نقول بأن هذا تدليس؟ أبدًا؛ لأن التدليس من الاختلاط، من اختلاط الظلام، فإذا روى الراوي عمن لم يدركه؛ هذا ما فيه اختلاط، هذا معروف بالتواريخ، بالمواليد والوفيات معروف، إذا عرفنا هذا، وأن الصورة الأولى، والثانية تدليس، والثالثة إرسال خفي، والرابعة انقطاع ظاهر، نأتي إلى كلام الناظم -رحمه الله تعالى-:
تدليس الإسناد كمن يسقط من حدثه ويرتقي بأن وعن
[ ١١ / ٣ ]
تدليس الإسناد؛ ما الفائدة من التقييد بتدليس الإسناد؟ يعني الناظم تبع ابن الصلاح فجعل تدليس الإسناد قسم، وقسيمه تدليس الشيوخ، تدليس الشيوخ، الشيوخ أليسوا من الإسناد؟ فكيف يكون تدليس الشيوخ في مقابل، وقسيم لتدليس الإسناد؟ لكنه واقع في الإسناد، على كل حال في النوعين، وفي القسمين تدليس، وهما واقعان في الإسناد، فما الداعي لتقسيم هذا النوع إلى قسمين: إسناد، وشيوخ، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
الأسباب التي تحمل على التدليس سيأتي متعددة، ويشترك فيها تدليس الإسقاط، وتدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، أنواع التدليس سواءٌ قلنا تدليس الإسناد الذي فيه الإسقاط، أو تدليس العطف، أو تدليس القطع، أو تدليس التسوية، أو تدليس الشيوخ؛ كلها واقعة في الإسناد، فلماذا جعلت هذه الأنواع قسيمة لتدليس الإسناد؟ كلها واقعة في الإسناد، لو قيل مثلًا: تدليس الإسقاط، تدليس الإسقاط، وتدليس العطف، وتدليس القطع؛ لأنها ليس فيها إسقاط، فيها زيادة، وتدليس الإبهام، الذي هو تدليس الشيوخ عندهم، واضح، وإلا ما هو بواضح؟ وأما كون الأول تدليس إسناد، والبقية ليست تدليس إسناد كلها في الإسناد، أليس تدليس الإسقاط في الإسناد؟ تدليس العطف يذكر شيخًا، ويعطف عليه شيخًا غير مسموع له؛ في الإسناد، وإلا في غير الإسناد؟ في الإسناد، تدليس القطع يذكر شيخًا ثم يسكت، أو يذكر شيخًا بدون صيغة، فهذا في الإسناد، تدليس الشيوخ؛ يسمي شيخه بما لا يعرف به؛ في الإسناد، وإلا في المتن؟ في الإسناد، تدليس التسوية؛ يسقط ضعيفًا بين ثقتين؛ في الإسناد، وإلا في غير الإسناد؟ في الإسناد.
[ ١١ / ٤ ]
نحن استشكلنا فيما سبق تقسيم الانقطاع إلى أربعة أقسام، فذكرنا منها المعلق، وذكرنا منها المنقطع، وذكرنا منها المرسل، وذكرنا منها المعضل، وهي كلها انقطاع، وكل واحد منها يسمى إسناد منقطع، يعني غير متصل، وهذا قلنا: إنهم سموا هذه التسميات من أجل أن يخصوا كل نوع باسمه الخاص، وإلا فالأصل أن الانقطاع يشمل الجميع، ضد الاتصال، وكلها غير متصلة، ونظيره ما عندنا، هم أرادوا أن يسموا كل نوع باسمه الخاص، وإلا فكلها في الإسناد، ولكن منها ما فيه إسقاط، ومنها ما لا إسقاط فيه، فيه إبهام وإيهام، وتلبيس.
على كل حال هم جروا على هذا قالوا: التدليس قسمان: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، ويأتي أنه أكثر من هذه الأقسام؛ لأن فيه –أيضًا- تدليس البلدان، تدليس البلدان، وفيه –أيضًا- تدليس المتن، تدليس المتن، وهو المدرج؛ يعني لما يضيف الراوي جملة في المتن المرفوع إلى النبي -﵊- من غير نسبة إليه، هذا تدليس، سماه بعضهم تدليسًا، تدليس المتن، تدليس البلدان؛ حينما يقول الراوي: حدثني فلان بقرطبة، وحدثني فلان بما وراء النهر، حدثني فلان بالقدس، وهو يريد أحياء في بلده، ما سافر، ولا راح ولا جاء، يوهم أنه رحل من أجل طلب الحديث؛ هذا تدليس.
يقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
تدليس الإسناد كمن يسقط من حدثه ويرتقي بعن وأن
[ ١١ / ٥ ]
بتسكين النون وإلا فالأصل وأنَّ، والسند المؤنن الذي مضى الحديث فيه ما يقول فيه الراوي أن فلانًا إلى آخره، هذا تدليس الإسناد يسقط من حدثه، ويرتقي إلى شيخ شيخه بعن وأن، ويكون مع ذلك قد ثبت له لقاء من ارتقى إليه، وإلا إذا لم يثبت لقاءه له، يؤثر وإلا ما يؤثر؟ يؤثر في الإسناد لكن ما يكون تدليسًا، فإن عاصره فهو الإرسال الخفي، وإن لم تثبت المعاصرة فالانقطاع الظاهر، أما هذا القسم لا يسمى تدليسًا إلا إذا ثبت اللقاء، ومن باب أولى إذا ثبت السماع، ويرتقي بعن وأن وقال؛ لأن هذه حكمها واحد محمول على الاتصال بالشرطين المعروفين عند أهل العلم أن لا يكون الراوي موصوفًا بالتدليس، وقال: "يوهم اتصالًا" يوهم اتصالًا، يوهم السامع أن السند متصلًا، زيد لقي عمرًا، لكن بينهما في هذا الحديث على وجه الخصوص بكر، يأتي زيد ويسقط بكرًا، فيرتقي إلى عمرو، بصيغة موهمة ومحتملة، وقد لقي زيد عمرًا، فمثل هذا يسمى تدليس، ارتقى لمن فوق شيخه بصيغة موهمة، واللقاء ثابت، ومن باب أولى إذا ثبت السماع، فهذا تدليس اتفاقًا، هذا إذا ثبت السماع، أما إذا كان مجرد لقاء، ولم يثبت السماع فهو عند الجماهير تدليس، وقال: "يوهم اتصالًا واختُلف" واختلف في حكم أهله؛ هل هم عدول لا يؤثر فيهم هذا النوع؟ أو أنهم مضعفون بسبب هذا التدليس؟ وهل ما يروونه مقبول أو مردود؟ "واختلف في أهله، فالرد مطلقًا" الرد مطلقًا كل من ثبت عنه التدليس فهو مردود؛ صرح وإلا ما صرح قليل التدليس، كثير التدليس، مطلقًا مردود فالرد مطلقًا سواءً بين السماع أو لا، وسواءٌ كان تدليسه كثيرًا أو نادرًا "فالرد مطلقًا ثُقِف" ثقف يعني وجد؛ حيث ثقفتموهم، يعني حيث وجدتموهم، سواءً بين السماع أو لا، وسواءٌ كان تدليسه قليلًا أو كثيرًا، وسواءٌ كان لا يدلس إلا عن ثقة أو يدلس عن كل أحد؛ لأن أصل التدليس جرح، أصل التدليس جرح، والقول الثاني يقابله القبول مطلقًا، القبول مطلقًا، ولا يجرح هذا في الراوي المدلس؛ لأن غاية ما في التدليس أنه كالإرسال، غاية ما فيه أنه كالإرسال، والأكثرون وهذا القول الثالث: "والأكثرون قبلوا ما صرحا" ألف الإطلاق "ثقاتهم بوصله وصححا" الأكثرون القول الثالث فرقوا بين
[ ١١ / ٦ ]
ما فيه تصريح بالسماع أو التحديث، وبين ما فيه عنعنة، أو أنأنة، أو قول، يعني ما روي بصيغة موهمة هذا يرد حتى يتبين سماعه بطرق أخرى، وما صرح فيه بالتحديث بالوصل هذا مقبول:
والأكثرون قبلوا ما صرحا ثقاتهم بوصله وصححا
يعني من قبل الخطيب وابن الصلاح، صححوا هذا القول الثالث، والقول الرابع التفصيل: فمن كان لا يدلس إلا عن ثقة قبل، وإلا فلا، الرابع التفصيل: فمن كان لا يدلس إلا عن ثقة قبل وإلا فلا، والخامس: إن كان تدليسه نادرًا قبل وإلا فلا، ولا شك أن من الأئمة من احتمل تدليسه، احتمل الأئمة تدليسه، من احتمل الأئمة تدليسه كيحي بن سعيد القطان، تدليسه نادر جدًا، منهم من لا يدلس إلا عن ثقة كسفيان بن عيينة، هذا احتمل الأئمة تدليس؛ لأن طبقات المدلسين عند الحافظ ابن حجر في كتابه: "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" خمس، الطبقة الأولى: من لم يعرف تدليسه، أو من لم يوصف به إلا نادرًا كالقطان مثلًا، وهذا احتمل الأئمة تدليسه، يقبلون كل ما جاء عنه، أو احتمل الأئمة تدليسه لقلة تدليسه بجانب إمامته، وأيضًا لا يدلس إلا عن ثقة كسفيان، وهذا احتمل الأئمة تدليسه، فلا يقال: لا يقبل حتى يصرح، الطبقة الثالثة: من أكثر من التدليس عن الثقات وغيرهم مع كونه ثقة، فمثل هذا هو الذي يتوقف فيه، فلا يقبل منه إلا ما صرح، وهذا كثير:
وفي الصحيح عدة كالأعمش وكهشيم بعده وفتش
مثل هؤلاء لا يقبل تدليسهم إلا إذا صرحوا، لكن تدليسهم وعنعناتهم في الصحيحين مقبولة عند أهل العلم، يعني أبو الزبير عن جابر مثلًا مدلس، وإذا دلس في غير الصحيح لا يقبل حتى يصرح؛ لأن ما جاء في الصحيح في صحيح مسلم فهذا مقبول بدون تردد؛ لأن عنعنات المدلسين في الصحيحين مقبولة، إحسانًا للظن بالشيخين، ولتحريهما، وإمامتهما، وتلقي الأمة للكتابين بالقبول، ولأنها فتشت ووجد كثير منها مصرح به، أمور كثيرة تحتف بقبول تدليساتهم، الحاصل أن هؤلاء المدلسين فيهم خمسة أقوال، وطبقاتهم خمس، عرفنا الطبقة الأولى والثانية والثالثة، الرابعة: من جرح بغير التدليس، فهذا لا يقبل ولو صرح، الرابعة، هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١١ / ٧ ]
الخامسة نعم، الخامسة، ها من يحفظ؟ من أكثر من التدليس، وهو مجروح بغيره، وإذا وقف على تدليسه سمى غير ثقة، الرابع يدلس عن الثقات وغير الثقات، لكن هذا لا يدلس إلا عن ضعفاء، فمثل هؤلاء لا يقبلون، ولو صرحوا "وصححا" يعني صححه الخطيب، وابن الصلاح.
عرفنا تدليس الإسناد وهو أن يروي الحديث عن شيخ، ويرويه الشيخ عن شيخ ثان، ويكون الراوي الأول قد لقي الراوي الثاني، ما هو بشيخه، لقي شيخ شيخه، فيسقط شيخه، ويرتقي إليه بعن، واللقاء موجود، والواقف على الإسناد يقول: ما فيه إشكال، لا سيما إذا كان ليس لديه خبرة، فمثل هذا تدليس إسقاط، تدليس إسناد.
تدليس العطف، تدليس العطف، يقول: حدثني فلان وفلان، حدثني زيد وعمرو عن فلان، يأتي بشيخه الحقيقي سمع منه، زيد سمع منه، ثم يعطف عليه شيخًا لم يسمع منه، ويضمر في نفسه: حدثني فلان وفلان غير مسموعٍ لي، أو فلان لم يحدثني، هذا تدليس عطف، ومنه تدليس القطع، فلا يأتي بصيغة، أو يأتي بصيغة ويسكت، ثم يأتي بالاسم، إما أن يأتي بالاسم بغير صيغة فيقول: زيد عن فلان، عن فلان، لا يأتي بصيغة، أو يقول: حدثني، ويسكت ثم يقول: فلان عن فلان، هذا قطع، وليس من هذا النوع صنيع الإمام النسائي، الحارث بن مسكين، بدون صيغة، الحارث بن مسكين فيما قرئ عليه وأنا أسمع، يعني صرح أنه سمع، لكنه أسقط الصيغة؛ ما قال: أخبرنا، كما هي عادته، وجادته في غيره من الشيوخ؛ لماذا؟ لماذا يذكره بغير صيغة؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١١ / ٨ ]
النسائي -﵀- كان يهتم بمظهره كثيرًا، ويتهم بالغنى والثراء بسبب هذا، والحارث بن مسكين إمام محدث ثقة، لكنه يأخذ على التحديث أجرة، لما جاء النسائي لحلقة الحارث بن مسكين طلب منه أجرة، وقد يكون طلب منه أجرة زائدة، فما رضي النسائي، فاختفى وراء سارية، وصار يسمع الحديث، ولا يدفع أجرة، فلكونه لم يقصد بالتحديث، هو ما قصد؛ لأنه طرد من الدرس، فلكونه لم يقصد بالتحديث حذف الصيغة؛ لئلا يخبر بغير الواقع، لو قال: أخبرنا، وكثير من أهل العلم يستروح أن أخبرنا وحدثنا إذا كان مقصودًا، مع أن الأكثر لا يشترط القصد، بدليل أنه تكثر الجموع في مجالس الشيوخ، ويحدثون، وكل منهم يصرح بقوله: حدثنا، ولو لم يكن مقصودًا، ولا عُرف، ولا علم به الشيخ أصلًا، لكن لما كان النسائي من الورع بمكان حذف الصيغة، ولكون الحارث بن مسكين ثقة عند الإمام النسائي، ولا يستطيع أن يفوت حديثه، ولو وقعت له من غير طريقه، لم يهدر الرواية عنه، وإلا بعض الناس لو حصل له أدنى مشكلة من الشيخ ما وقف عليه، أدنى إشكال، لو لم تكن مشكلة، بس الشيخ ما احتفى به؛ تجد الطالب يهجر الدرس، فضلًا عن كون الشيخ إما أن يتكلم عليه، أو يأتي بكلمة يضحك منها بعض الحاضرين، ولو لم تكن مقصودة للشيخ، بعض الطلاب ما يتحمل هذا، ولا يصبرون، مع أن من أدب الطلب كما نص على ذلك أهل العلم أن يصبر الطالب على جفاء الشيخ، هذا إذا قدر أن هذا جفاء، وبعض المشايخ يعمد إلى مثل هذه الأساليب لتأديب الطلاب، لتأديب الطلاب، وشيخ من الشيوخ حلقته عامرة، لكن طريقته في القراءة كل واحد يقرأ بكتاب، يعني يقرأ عليه يمكن بعشرين كتاب في الدرس، الدرس يطول بعد صلاة الصبح ويطول، فلاحظ على واحد من الطلاب وهو حديث عهد بزواج، بعرس أنه يقول: الدرس يمتد من صلاة الصبح ثلاث ساعات فيصلي في المسجد الذي بجوار بيته، ما يصلي مع الشيخ، ويأتي بعد ربع ساعة مثلًا ويجلس في الحلقة الطلبة كلهم يحضرون الصلاة مع الشيخ، كل الذين يقرءون يحضرون مع الشيخ، وهذا يتأخر، ويراه الشيخ إذا جاء وجلس، في أول يوم عادي، خلاه الشيخ يقرأ، لما وصله الدور قرأ، في اليوم الثاني قرأ، في اليوم الثالث لما وصله الدور قام الشيخ
[ ١١ / ٩ ]
وتركه، فصار يبادر، هذا أسلوب يربي به الشيخ هذا الطالب الذي فاته من قراءة أربعة كتب أو ثلاثة، ما هي المسألة عبث، ودروس الشيوخ كثير ممن أدركناهم بهذه الطريقة، إفادة الطلاب من سماع القراءات؛ لأن الشيخ يبي يشرح ثلاثين كتاب في حلقة، وفي درس واحد، أو عشرين كتاب تقرأ عليه، أو حتى عشرة كتب، أو خمسة كتب، لكن طريقتهم تقرأ هذه الكتب ويعلق عليها بتعليق خفيف ويصحح اللفظ، ويعدل اللحن وما أشبه ذلك، ويستفيد الحضور فائدة كبيرة، فهذا الذي يتأخر يفوته مثلًا ثلاثة كتب، الشيخ يريد أن يربي الطلاب، إيش معنى أن الشيخ جاء قبل أذان الصبح والطلاب كلهم توافروا في المسجد قبل إقامة الصلاة، وأنت لوحدك تجي؟ ولو كنت قريب عهد بعرس، والشيخ يعرف ذلك؛ لكن العلم لا يعدل به شيئًا.
الآن طلابنا -مع الأسف- أن كثير منهم يأتي وكأنه يدفع دفعًا، وبعضهم هداه الله يترك الكتاب في المسجد، ولا يعرف الكتاب إلا في الدرس، مثل هذا ينص أهل العلم على أنه قل أن يفلح، المسألة تحتاج إلى جد، هو الذي جرنا إلى هذا أن على الطالب أن يصبر على جفاء شيخه، ما هو مخاطب بهذا، وإلا ويش معناه؟ إن لم يصبر الطالب على الشيخ، والمريض على الطبيب، متى يشفى هذا؟ ومتى يتعلم هذا؟ كما جاء في النظم، -أيضًا- بالمقابل الشيخ عليه أن يرحب بطلابه، وقد جاءت الوصية النبوية بهذا، وأن يعاملهم معاملة حسنة، وأن يعدل ببينهم، وإن كان بعد –أيضًا- المطلوب أن ينزل الناس منازلهم، ولو خص بعض الطلاب لمزيد فهم بفائدة لا يدركها من دونه في الفهم لا بأس، وإن كرر من أجل طالب بطيء الفهم، ولو تأذى بذلك سريع الفهم لا بأس، المقصود أنه يسدد ويقارب والطالب يتحمل، الطالب في هذه الأزمان لا يتحمل، لو أثني على أحد الطلاب صار في نفس بعض الطلاب، لو أن الشيخ التفت، أو ناقش أو استمع لواحد، ولم يستمع للثاني، صار في نفسه، فمثل هذه الأمور ينبغي أن تعالج؛ لأنها من أمراض القلوب، وهي بسببها حصل نفرة كثير من طلاب العلم، وعزوفهم عن العلم بهذه الطريقة، لكن على الطالب أن يتحمل، وعلى الشيخ –أيضًا- أن يعدل بقدر الإمكان، وأن يسدد ويقارب ويعامل كل إنسان بما يليق به.
[ ١١ / ١٠ ]
وفي الصحيح للبخاري ومسلم عدة من الرواة المدلسين كالأعمش، سليمان بن مهران الأعمش؛ الإمام السيد الجليل، وكهشيم بن بشير الواسطي، وكلاهما من رواة الصحيح، كلهم وصفوا بالتدليس، ودلسوا، وهشيم اجتمع أصحابه، وتعاهدوا أن لا يأخذوا عنه شيئًا يدلس فيه، ففطن لذلك -﵀- فطن لذلك، فصار يقول لهم: حدثني الحكم ومغيرة، وهذا من تدليس العطف، لما انتهى من الأحاديث الذي يريد إملائها عليهم، قال: هل دلست لكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: كل ما حدثتكم عن مغيرة فليس بمسموع لي، استعمل فيه تدليس العطف، التدليس موجود عند أئمة كبار، عند أئمة كالسفيانين مثلًا، ويوجد فيهم شيء من هذا، وإن لم يكن كثيرًا، ويكون تدليسهم عن ثقات، لكن مع ذلك أهل العلم يرون أن غاية ما في التدليس أنه كالإرسال، وإن كان الإرسال أمره سهل، والتدليس فيه تلبيس على السامع، وتوعير لطريق معرفة المحذوف، فهو أشد منه، لكن وقوعه من هؤلاء الأئمة لا شك إما أن تتعرض للطعن في هؤلاء، أو تهون من شأن التدليس ما في شيء ثالث، لكن لا يظن بهؤلاء الأئمة أن الحامل لهم على التدليس ما سيأتي من شر أنواع التدليس.
فشره للضعف واستصغارا وكالخطيب يوهم استكثارا
.. إلى آخره.
وقد يحمل على التفنن في العبارة، وقد يكون للاختبار أحيانًا، قد يكون هشيم -مثلا ًفي مثل هذه القصة- أراد أن يختبر الطلاب، المقصود أن لهم أسباب وأهداف تحملهم على ذلك، ووجد من أئمة، فيحتمل منهم "وكهشيم بعده وفتش" فتش إذا كان هذا في الصحيحين فتش في الكتب الأخرى، تجد من ذلك الشيء الكثير "وذمه" هذا حكم التدليس، "وذمه شعبة ذو الرسوخ" جماعة من أهل الحديث لا يرون بالتدليس بأسًا، لا يرون به بأسًا، ولعلهم الذين يفعلونه، هم من العلماء، فإذا كانوا يفعلونه فيليق بهم أن لا يروا به بأسًا؛ لأنه لو رأوا به بأسًا ما فعلوه؛ لأنهم أورع من أن يقدموا على محرم يعلمون تحريمه.
[ ١١ / ١١ ]
"وذمه شعبة ذو الرسوخ" وذمه –أيضًا- ابن المبارك، وأبو أسامة، حماد بن أسامة، وجمع من أهل العلم، وكلام شعبة شديد، التدليس أخو الكذب، لأن يدلس أشد من أن يزني، المقصود فيه كلام شديد لشعبة -﵀- "وذمه شعبة ذو الرسوخ في الحفظ والإتقان "ودونه" دون التدليس؛ تدليس الإسناد الذي فيه الإسقاط، دونه التدليس للشيوخ "ودونه التدليس للشيوخ" والتدليس للشيوخ "أن يصف الشيخ بما لا يُعرف" يعني بما لا يشتهر به، بما لا يعرف يشتهر به، "وذا بمقصد يختلف" هذا يختلف باختلاف المقاصد، فهناك المقاصد الحسنة، وهناك المقاصد المباحة، وهناك المقاصد المذمومة، من المقاصد الحسنة أن الراوي المدلس الذي دلس اسم شيخه، ولم يوضحه للسامع؛ لئلا يعرفه السامع، لماذا؟ لأن الشيخ في نظر المحدث ثقة، وإما من أئمة المسلمين، لكن بينه وبين السامع شيء منافسة، إما اختلاف في مذهب عقدي، أو فرعي، والحديث مما تمس الحاجة إليه، فإذا سماه باسمه الواضح يُرد الحديث، وذكرنا في مناسبات أن الأحاديث أو الكتب أو النقول قد تروج بالحذف، ويمدح فاعلها، يمدح فاعل هذا الحذف، فمثلًا شرح الطحاوية مملوء من النقول عن شيخ الإسلام، وابن القيم، وما صرح باسم شيخ الإسلام، ولا ابن القيم؛ لأنه وجد في عصر تتلف فيه كتب شيخ الإسلام، وابن القيم، ولو صرح باسمهما ما راج الكتاب، والكتاب نفعه عظيم، فمن أجل المصلحة الكبرى تجاوز مرحلة عدم الإفصاح باسمهما، وقد يكون الأمر بالعكس يروج الكتاب بذكر شخص، أو بذكر قد لا يرتضيه، لكن يروج الكتاب باسمه، أو بذكر مذهب، لولا الترويج ما ذكر هذا المذهب، كترويج الكتب بذكر المذاهب التي هي في الأصل فيها بدعة، لكن مع ذلك لم تخرج عن دائرة الإسلام، فإذا نظرنا مثلًا في نيل الأوطار، أو في سبل السلام، وفي غيرهما مذهب الهادي والناصر وفلان، وفلان من الزيدية، والزيدية مبتدعة، فلو ترك النقل عن هذه المذاهب، وهما في بلد غالب سكانه من الزيدية، من الهادوية ما راج الكتاب، فهذا يمدح من هذه الحيثية، لكن لا يمكن الترويج بالباطل، الترويج بالباطل غير مقبول أصلًا، الفيروز أبادي لما شرح البخاري نقل أودع في شرحه الفتوحات والفصوص، وغيرها من مؤلفات ابن عربي
[ ١١ / ١٢ ]
المشتملة على القول الباطل "وحدة الوجود" على شان إيش؟ على شان يروج الكتاب، ومقالة ابن عربي سادت في اليمن في وقت الفيروز آبادي، لكن هل هذا مبرر ليروج الكتاب؟ يروج ببدعة عظمى مكفرة -نسأل الله السلامة والعافية- أبدًا، لا يروج الكتاب، ومن نعم الله -جل وعلا- أن الأرضة أكلت الكتاب من أول ورقة إلى آخر ورقة حتى الجلود ما وجدت، وهذه نعمة؛ نعمة على المؤلف قبل غيره، نعمة على المؤلف؛ يعني عليه وزورها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فكونه يتلف في وقته نعمة له، المقصود أن المقاصد تختلف، يقول: "فشره للضعف واستصغارا" الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- حصل بينه خلاف وبين الذهلي، بينه وبين الذهلي خلاف في مسألة اللفظ بالقرآن، واشتد النزاع بينهما، والذهلي إمام من أئمة المسلمين، حافظ من كبار الحفاظ، لا يمكن أن يتجاهل في الرواية، لا بد أن يروي عنه البخاري، وعنده أحاديث قد لا توجد عند غيره، فلإمامته روى عنه البخاري، وخشية أن يظن البخاري يوافقه في قوله، لم يسمه باسمه الصريح، ما قال ولا في موضع: حدثني محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الذهلي، يحيى ما ذكرها أصلًا، فإما أن يقول: حدثني محمد بن عبد الله، أو محمد بن خالد، ينسبه إلى جده، أو إلى جد أبيه، ولذا قالوا عن البخاري في الخلاصة وغيرها: روى له البخاري ويدلسه، التدليس سببه إيش؟ الباعث على هذا التدليس حسن وإلا مذموم؟ أولًا: المدلس ثقة، إمام من أئمة المسلمين، فلا أثر له، هذا تدليس شيوخ، لا يمكن أن يعرف إلا من خلال الطرق الأخرى، والبخاري لم يسمه ولا في طريق واحد، وعلى كل حال صنيع البخاري القصد منه حسن، فمثل هذا لا يسمى تدليسًا.
ولعلي أذكر فأحضر قصة ما حصل بين البخاري والذهلي في درس الحائية؛ لأن لها ارتباط بالحائية، لعلي أذكر.
[ ١١ / ١٣ ]
وذا بمقصد يختلف "فشره للضعف" فشر أنواع تدليس الشيوخ ما كان الباعث عليه ضعف المروي عنه، ضعف المروي عنه، فيسقط لأنه ضعيف، وفي هذا غش للقارئ، غش لمن يطلع على هذا الحديث "واستصغارًا" واستصغارًا يعني الشيخ أصغر من التلميذ، فالشيخ يأنف أن يقول: حدثني فلان وهو أصغر منه، وهذا موجود في النفوس، موجود في نفوس البشر؛ إلا النفس التي روضت على ما جاء عن الله وعن رسوله، روضت على سلامة القلب، روضت على الأخذ من الكبار والصغار والأقران، ولا ينبل الرجل حتى يأخذ عمن هو فوقه ودونه ومثله، فإذا أخذ عمن دونه واستصغره يحذفه "فشره للضعف واستصغارا" وقد يكون للخوف من عدم أخذه، وانتشاره مع الاحتياج إليه، أو يكون مثلًا لعدم الاتهام بالموافقة على الرأي المخالف كما فعل البخاري "وكالخطيب يوهم استكثارًا" الآن الخطيب الذي روى عن الجمع الغفير من الشيوخ هو بحاجة إلى الاستكثار، يروي عن جموع غفيرة من الشيوخ، الخطيب البغدادي هل هو بحاجة للاستكثار؟ "وكالخطيب يوهم استكثارًا" يعني من الشيوخ، فشيخ واحد يروي عنه على خمسة أوجه، وعلى أربعة أوجه، وعلى ثلاثة أوجه، حدثني الحسن بن محمد الخلال، حدثني الحسن بن أبي طالب، حدثني أبو محمد الخلال، حدثني أبو محمد بن أبي طالب، إلى آخره، يقلب الشيخ الواحد على أوجه، فالناظر قصير النظر يظن هؤلاء خمسة شيوخ، فشيوخه الذين يبلغون الألف بهذه الطريقة يمكن يبلغون ثلاثة آلاف؛ فهل هذا مقصد للخطيب يوهم استكثارًا، أو نقول: يريد أن يتفنن في العبارة، لا سيما في الشيوخ الذين يكثر النقل عنهم، فبدلًا من أن ينقل عن الحسن بن محمد الخلال بهذا الاسم الثلاثي في مائة موضع من كتاب واحد، يمل السامع، فيريد أن يتفنن في العبارة، ويقلب الاسم، والرجل ثقة حيثما كان، وعلى هذا لا يقال أن الخطيب يستكثر بل شيوخه كثر لا يحتاج إلى كثرة، فلعله يريد أن يتفنن في العبارة بحيث لا يمل السامع، يوجد الاستكثار عند بعض الباحثين، فتجده مثلًا يرجع إلى مائة كتاب في بحث مكون من خمسمائة صفحة إلى مائة كتاب، لكن الكتب مرة تذكر باسمها المشهور، ومرة باسمها غير المشهور، مثلًا يقول: تفسير الطبري، في موضع، وفي موضع الجيم يقول: جامع
[ ١١ / ١٤ ]
البيان، وفي موضع يقول يسميه باسم آخر، وقل مثل هذا في تفسير ابن كثير والقرطبي وغيره، مرة باسمه، ومرة بفنه، ومرة بمؤلفه، يقلبه على أنه واحد، فتكون المائة المصدر ثلاثمائة مصدر؛ للاستكثار، هذا مذموم، وهذا قدح في الإخلاص، هذا استكثار، ومرة يكرر تفسير الطبري تحقيق أحمد شاكر، تفسير الطبري طبعة بولاق، تفسير الطبري تحقيق التركي، ويجعل من الكتاب خمسة كتب، ويرقم كل كتاب لتطلع بالنهاية خمسمائة كتاب، ولا يكتفي بالإحالة نعم، يضع تفسير الطبري يضع عليه علامة إحالة على اسمه، جامع البيان، وأما التحقيق فيسرد إذا احتاج إلى أن يرجع إلى أكثر من طبعة، أما إذا لم يحتج إلى أكثر من طبعة، فإنه يوحد الطبعة لئلا يضيع القارئ.
"وكالخطيب يوهم استكثارًا"، "والشافعي" الإمام "أثبته بمرة" أثبت أصل التدليس، يعني أثبت وصف التدليس للراوي الذي دلس مرة واحدة، نقول: هذا مدلس، مادام دلس مرة واحدة فهو مدلس، كما أن الكذب وصف يثبت بمرة؛ يعني إذا كذب على النبي -﵊- ولو مرة واحدة؛ يسمى كذاب، ويرد حديثه جملة، والمدلس إذا دلس مرة واحدة عند الإمام الشافعي؛ يترك حديثه، ولو مرة واحدة.
"قلت: وشرها" قال الحافظ العراقي: وشرها؛ يعني شر أنواع التدليس، شر أنواع التدليس "أخو التسوية"، أخو التسوية، يعني صاحب التسوية، ويريد بذلك تدليس التسوية؛ ما معنى تدليس التسوية؟
[ ١١ / ١٥ ]
تدليس التسوية أن يأتي الراوي يتجاوز شيخه، ما يكون شيخه؛ لأنه لو كان شيخه دخل في الأنواع السابقة، المسقط ما هو بشيخ الراوي المدلس، يرتقي إلى شيخ شيخه، أو إلى شيخ شيخ شيخه، في الطبقة الثالثة أو الرابعة، فيجد راويًا ضعيفًا بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، فيسقط هذا الضعيف، فيسقط هذا الضعيف، يأتي إلى ضعيف بين ثقتين، والثقتان لقي أحدهما الآخر، بحيث لو سقط هذا الضعيف، وبحثت في الكتب؛ متصل؛ لأنه لقي أحدهما الآخر، على شرط البخاري، على شرط التشديد، ثبت اللقاء، لكن هذا الثقة لم يروه عن هذا الثقة إلا بواسطة هذا الضعيف، هذا شر أنواع التدليس لماذا؟ لأنه وعر المسلك، لا يمكن أن يطلع عليه، نعم وقد يكون الشيخ الذي روى عن هذا الضعيف لم يوصف بتدليس، وتنظر إلى الإسناد الضعيف الذي أسقط الذي يروي عنه ليس بمدلس، ويرتقي إلى شيخ ثقة ليس بمدلس بعن، فإذًا العنعنة محمولة على الاتصال هذا ما دلس، ولا يشترط فيه أن يصرح بالسماع؛ متى نطلع على أن هذا دلس؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
بالطرق، لكن كيف نفرق بين هذا، وبين المزيد في متصل الأسانيد، أنه مرة يرويه عن الضعيف، ومرة يرويه عن الثقة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
أحيانًا يروي بواسطة عن الشيخ، ثم بعد ذلك يتيسر له لقاء الشيخ مباشرة، فيرويه بغير واسطة، وهذا كثير، فإذا صرح بالتحديث في الموضع الذي سقط فيه الراوي؛ قلنا: مزيد في متصل الأسانيد، أما إذا كانت العبارة محتملة بعن، فنقول: إنه ..، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، ما يلزم أن يكون تدليسًا، يكون مرة رواه عنه مباشرة، ومرة رواه بالواسطة فيرويه على الوجهين.
[ ١١ / ١٦ ]
تدليس التسوية هذا ليس منه أن يروي الثقة عن شخصين، عن راويين، أحدهما ثقة، والآخر ضعيف، فيسقط الضعيف، ويقتصر على الثقة، الإمام البخاري روى حديث: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفضه بصنفة إزاره» من طريق مالك، وعبد الله بن عمر العمري المعروف بسوء الحفظ، اقتصر على مالك، يلام مالك يقال: أسقط ضعيف؟ يلام مالك؛ لأنه أسقط ضعيف؟ السند متصل من طريق مالك، يلام الإمام البخاري؛ لأنه أسقط العمري المكبر الضعيف؟ فلا يلام؛ لأن الحديث متصل بدونه، والقدر الزائد على الاتصال بالثقات ما له داعي، والعمري ليس من شرطه، فليس هذا من تدليس التسوية، إنما التدليس إسقاط من يحتاج إليه في السند، وهذا لا حاجة إليه، طيب.
نعرف تدليس التسوية إما بإخبار المدلس، أحيانًا يخبر أنه أسقط، وإما بجزم النقاد على أنه لا يمكن أن يثبت هذا الحديث، وليس من حديث فلان عن فلان مباشرة، والنقاد لهم شفوف في اكتشاف مثل هذه الأمور؛ تحقيقًا لما وعد الله به من حفظ هذا الدين، المقصود أنه يعرف مثل هذا، وإلا من يتصور أن شخص في مثل هذا الظرف بيطلع عليه، فالشيخ ما عرف بتدليس؛ ثقة يروي عن ثقة بصيغة موهمة وبعدين؟ محمولة على الاتصال عند أهل العلم، لكن هل يشترط إذا وجد في الإسناد من عرف بتدليس التسوية مثل بقية بن الوليد والوليد بن مسلم، هل يشترط أن يكون مصرح بصيغة التحديث في الإسناد كله؛ لأنه ما من راويين إلا ويحتمل أنه أسقط بينهما واحد؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
إذن متى نعرف أنه ما دلس؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
أنت افترض أن ما له إلا هذا الطريق،
[ ١١ / ١٧ ]
والرواة كلهم ثقات، وفيهم من يدلس تدليس تسوية، هل نقول: يشترط فيه أن يصرح بالسماع بالتحديث في جميع طبقات الإسناد؟ لأنه ما من طبقتين إلا ويحتمل أن هذا المدلس بقية بن الوليد، أو الوليد بن مسلم أنه أسقط واحدًا من الاثنين، ما يشترط أن يكون شيخه في تدليس التسوية، ولو اشترط هذا ما بعد، لو اشترط هذا ما بعد، أبو الحسن بن القطان هو أول من سمى هذا النوع تدليس التسوية، فقال: سواه فلان، وكان القدماء من الأئمة يسمونه: تجويد، فيقولون: جوده فلان، جوده فلان، إيش معنى جوده؟ ذكر فيه الأجواد، اقتصر فيه على ذكر الأجواد، وحذف الأدنياء، الضعاف، فيقولون: جوده فلان، وابن القطان يقول: تسوية، سواه فلان، وينبعث من هذا سؤال: هل نقول: إن المصطلحات استقرت، فلا يزاد فيها؟ أو نقول: إن للمتأخر أن يسمي بعض الأنواع باسم لم يسبق إليه؟ ابن القطان سماه، واعتمده العلماء، سماه تدليس التسوية، أول من سماه، وهو متأخر ابن القطان، ابن القطان الفاسي، متأخر، وهو إمام، يعني قوله معتبر، لكن هل له أن يسميه باسم لا يعرف به عند المتقدمين، مجرد تسمية، وإلا الحقيقة واحدة، يعني نظير ذلك عندنا المجهول، المجهول مجهول عين، وهو من عرفت ذاته، عرف اسمه، واسم أبيه، وبلده، ولقبه لكنه مقل في الرواية، ما روى عنه إلا واحد، هذا سموه في الاصطلاح مجهول عين، هناك مجهول حال، عرف اسمه، واسم أبيه، ونسبته، وكنيته، وبلده، وروى عنه أكثر من واحد، لكنه ما يعرف بجرح، ولا تعديل، هذا قالوا: مجهول حال، أنا أقول: أشد من جهالة مجهول العين، ومجهول الحال المبهم مثلًا، المبهم مجهول، أو المهمل الذي لا يستطاع الوصول إليه، لم يستطع الوصول إليه، وسميته أنا مجهول الذات، هل ألام على هذه التسمية، بمعنى أني جئت باصطلاح جديد، لكن ما غيرت من الواقع شيئًا، كما أن ابن القطان جاء باسم جديد لهذا النوع من أنواع التدليس، الواقع ما تغير منه شيء، ونص على أن هذا مبهم فيما يعرفه به أهل العلم، والأمثلة هي الأمثلة، وقلت مثلًا: هو أشد من جهالة العين، وجهالة الحال، فحري به أن يسمى مجهول الذات، ماشي؟ وإلا ما هو بماشي؟ نعم؟
طالب: ما فيه إشكال.
[ ١١ / ١٨ ]
ما فيه إشكال، أنا أقول: مثل الاصطلاحات التي يقرر أهل العلم أنه لا مشاحة في الاصطلاح، فمثل هذا الذي لا يغير من الواقع شيئًا، أما لو ترتب عليه تغيير من الواقع، وسميته باسم يقتضي قبوله مثلًا، فلا شك أن مثل هذا الاصطلاح يشاحح فيه، ما صرحوا بهذا لكنهم شددوا في قبول الأسانيد التي يوجد فيها من يدلس تدليس تسوية، صاروا على حذر من أن يكون قد أسقط أحدًا في أي طبقة من طبقات الإسناد، ومن باب التحري أن لو اشترط أن يصرح في كل طبقة من طبقات الإسناد بالتحديث لما بُعد، طيب إذا صرح الراوي بالتحديث؛ فلا يخلو إما أن يكون أسقط، أو لم يسقط، إن لم يسقط انتهى الإشكال، وهذا الأصل في الثقات، لكن إن كان أسقط، هو الآن التدليس يشترط فيه أن يكون بصيغة محتملة بـ"عن"، و"أن"، و"قال" هذا دلس، وأسقط، وقال: حدثنا، هذا كذب، هذا كذب بلا شك، لكن احتمل العلماء من قول الحسن: حدثنا أبو هريرة، وقوله: خطبنا عتبة بن غزوان، إمام من أئمة المسلمين، تبي بعد تقول: كذب الحسن، مشكلة؛ لأن مثل هذه الأمور ينظر فيها إلى القول، وينظر فيها إلى القائل، يعني إذا نظرنا إلى القول لا نهدر القائل، لا بد أن يكون متأولًا، يعني خطب أهل بلده، وهو فيها، أو خطب أهل بلده مثلًا، وأشرنا سابقًا إلى أن هناك ما يسمى بمدرج المتن، وهو الإيش؟ تدليس المتن، تدليس المتن، وهو المدرج، تدليس يعني يضيف الراوي سواءٌ كان الصحابي، أو من دون الصحابي جملةً في الحديث من غير تمييز، من غير فصل بينها، وبين المرفوع، هذا نوع من أنواع التدليس، وحصل من الصحابة فمن دونهم، لكن هذا يعرف بجمع الطرق، وبتصريح الراوي، فقد يصرح أحيانًا، وقد لا يصرح أحيانًا، فهو لا يخفى على الأئمة -إن شاء الله تعالى-.
بقي شيء من مباحث التدليس؟ لأنه مهم جدًا، مبحث التدليس في غاية الأهمية، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
صرح هو، أو في جميع الإسناد؟ ما يكفي، ما يكفي أن يصرح؛ لأنه احتمال أن يكون أسقط طبقة فوقه بطبقتين مثلًا، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١١ / ١٩ ]
ما لم يوجد التصريح في جميع الطبقات، ويكونوا ثقات، وأيضًا إن لم يوجد هذا التصريح يوجد هذا المسقط في طرق أخرى، ويكون ممن يقبله أهل العلم، وإلا فضعيف؛ لأنه شر أنواع التدليس.
طالب:. . . . . . . . .
إيش فيهم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا بد من أن يصرحوا، لا بد أن يصرح المكثر من التدليس، حتى أبو الزبير عن جابر لا بد أن يصرح في غير الصحيحين، في غير مسلم.
طالب: ولو عرف ..؟
ولو عرف؛ ما لم ..، هذا عامة أهل العلم على هذا، أنه لا بد أن يصرح، مادام عرف بالتدليس، فما المانع أن يسقط؟ يعني قبولنا للمدلسين في الصحيحين لا شك أنه من باب أن الصحيحين تلقتهما الأمة بالقبول لشدة تحري الإمامين، وما يحتف بهما مما يوجب القبول.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا يقول: عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ-، ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي، والعجمي فقال: «اقرءوا فكل حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح؛ يتعجلونه، ولا تأجلونه»، يقول: صححه الألباني في السلسلة برقم مائتين وتسعة وخمسين؛ هل في هذا دليل على أن الأداء في القرآن ليس بواجب، وما شرح الحديث؟
[ ١١ / ٢٠ ]
أما بالنسبة لأول الأمر، فالأمر كذلك، القرآن نزل على النبي -﵊-، وفي صحابته الكبير، والصغير، وفيهم من القبائل متعددة اللغات، وكل قبيلة تؤدي على ما يسهل عليها، ولذا جاء قراءة القرآن على سبعة أحرف؛ للتوسعة على الناس، السبعة الأحرف ليست هي القراءات السبع التي هي باقية إلى الآن؛ لا، السبعة الأحرف يختلف بعضها عن بعض في الحروف في الشكل، وبعضها في المعنى؛ هلم، أقبل، تعال، ففيه توسعة على الناس؛ لأن فيهم مثل ما سبق الكبير، والصغير، الكبير لا يطاوعه لسانه، الآن لو أن شخصًا أراد أن يقرأ القرآن، وهو عامي لا يقرأ، ولا يكتب، وعمره سبعون سنة، هل يطاوعه لسانه مثل ما يطاوع الصغير لسانه؟ لا يمكن، شخص شرع في حفظ القرآن، وترك ذلك من أجل كلمة يرددها عليه المقرئ، ولا يستطيع أن ينطقها كما هي: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ [(٦) سورة العلق]، ينطقها ليطقى، المقرئ يقول: ليطغى، يقول: ليطقى، ما في فائدة، وأيس، وترك القراءة، فلوحظ هذا في أول الأمر؛ لأنه ليس هناك تفريط، يعني ما فرط الكبير إلى أن كبر، فعجز، لا، القرآن نزل عليه وهو كبير، فيلاحظ أما الذي يفرط، ويضيع العمر، والفرص، ثم بعد ذلك يلتفت وهو كبير، مثل هذا يلزم، المقصود أن الأحرف السبعة تحتمل مثل هذا، وفيها توسعة، ثم لما حصل ما حصل من الاختلاف الذي كاد أن يهلك الناس بسببه؛ جمع عثمان -رضي الله تعالى عنه- المصاحف على قراءة واحدة، وهي التي ثبتت في العرضة الأخيرة، وعليها القراءات السبع، أو العشر المتواترة، وفي آخر الأمر، واستقرار الأمر، وفي العرضة الأخيرة لا يرد مثل هذا الكلام: «كل حسن»، في قصة عمر مع هشام بن حكيم ما يدل على شيء من هذا، قال له: اقرأ، كان يقرأ على غير القراءة التي يقرأها عمر، فعمر -رضي الله تعالى عنه، وأرضاه- ما يحتمل مثل هذا الاختلاف، ما يتحمل، فأخذه بردائه، وأتى به النبي -﵊-، وأخبره بما حصل، فقال: «أرسله»، ثم قال له: «اقرأ»، فقرأ، قال: «هكذا أنزل»، ثم قال لعمر: «اقرأ»، فقرأ، فقال: «هكذا أنزل»؛ لأنه في أول الأمر فيه سعة، والأحرف سبعة، لكن السبعة التي أنزل بها القرآن في أول الأمر
[ ١١ / ٢١ ]
فيها توسعة، ثم لما ذلت الألسنة، والألسنة أخذت على القرآن، صاروا يستطيعون أن يقيموا الحروف مع اختلاف يسير بين لهجات القبائل مما تحتمله صورة الكلمة؛ بقي هذا الأمر الذي هو أصل القراءات السبع.
فمثل هذا الحديث يقال: إنه في أول الأمر: «اقرءوا فكل حسن».
يقول: هل في هذا دليل على أن الأداء في القرآن ليس بواجب؟
التوسعة فيما تحتمله الكلمة هذا تقتضيه القراءات المتواترة، أما ما لا تحتمله صورة الكلمة، ورسم المصحف الذي أجمع عليه الصحابة، وأرسله عثمان إلى الأمصار، فهذا لا تجوز القراءة به، إذا كانت خارجة عن هذه المصاحف الأربعة التي بعث بها عثمان إلى الأمصار، في هذه المصاحف شيء من الاختلاف، شيء من الاختلاف اليسير الذي قالوا: يحتمل مثل: ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [(١٠٠) سورة التوبة]، و: ﴿مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [(٢٥) سورة البقرة]، قالوا: إن المصاحف الثلاثة: تحتها الأنهار، وفي المصحف الشامي: من تحتها الأنهار، وإلا في مثل هذا الاختلاف لا يحتمله الرسم، ولولا وجود مثل هذا الحرف لقلنا: إن المصاحف العثمانية واحدة، والعلماء -كما سمعنا سابقًا- يقررون أن القراءة، وأن الصلاة لا تصح بقراءة خارجة عن مصحف عثمان؛ لأن الصحابة أجمعوا عليها، ولا يمكن أن يجمعوا على شيء إلا وقد اعتمدوا فيه على نص، اعتمدوا فيه على نص عن النبي -﵊-، ولعل ما أجمعوا عليه هو ما ثبت في العرضة الأخيرة، في السنة الأخيرة من عمره -﵊-.
طالب:. . . . . . . . .
[ ١١ / ٢٢ ]
لا، لا الإمام إذا ارتج عليه، وعجز أن يأتي بالآية على وجهها، وهو إمام يصلي بالناس في الصلاة؛ يركع، يركع لا يبدل كلام الله، لا يبدل كلام الله، ولو كانت آية قريبة منها، أو آية مشابهة لها، تختلف عنها بحروف يسيرة، إذا ارتج عليه، ولا يجزم بأن هذه الآية الموجودة في هذا الموضع هي التي يقرأها لا يجوز له ذلك، بل عليه أن يركع، فالنبي -﵊- شرع في القراءة، ثم أخذته سعلة فركع، إذا عجز عن القراءة يركع، ولا يبدل آية بآية، أو مقطع بمقطع، يعني كأن يقرأ في سورة المؤمنون مثلًا، ثم ارتج عليه، وعجز أن يأتي ينتقل إلى سورة أخرى، يعني بعد أن أخذ منها شيئًا، أما إذا كان في أول السورة مثلًا، وأراد أن يضرب عن قراءة هذه السورة، وينتقل إلى غيرها؛ لأنه عجز عنها، هذه محل نظر.
طالب:. . . . . . . . .
يرجع، يرجع فيصحح، يرجع فيصحح ما لم يطل الفصل.
في مسجد معمور بالمصلين في التراويح، أو في صلاة التهجد في آخر الليل، في واحد من المشايخ له كلمة في المسجد، فتكلم هذا الشيخ عن قصة موسى مع ابنتي صاحب مدين، والإمام يقرأ في أواخر القرآن، يعني السورة في القصص، وأظنه في ذلك اليوم يقرأ في يس، أو الصافات، فهذا الذي تكلم عن القصة، فقال: ليت إمامنا وفقه الله قرأ القصة من القرآن في الصلاة ليسمعها المصلون، ويتدبروها، ويتأملوا ما فيها، فشرع الإمام في الصلاة بعد الكلمة فقرأ القصة من سورة القصص، ثم انتقل إلى سورة يس، استجابة لرغبة الشيخ، يعني قرأ القصة فقط، ما قرأ من أول السورة، ولا من آخرها، قرأ القصة فقط، ثم انتقل إلى ما وقف إليه، مثل هذا فيه إشكال، وإلا ما فيه إشكال؟
طالب:. . . . . . . . .
في ركعة واحدة، في ركعة واحدة، لا، هذا لا يجوز هذا تلفيق، هذا تلفيق.
طالب:. . . . . . . . .
[ ١١ / ٢٣ ]
سورة مستقلة، وأحبها لأنها صفة الرحمن، وأخبره النبي -﵊-، وأقره على ذلك، يقرأ أكثر من سورة ما في مانع، يقرأ أكثر من سورة، لكن يقرأ آيات، ثم ينتقل إلى آيات؛ ما يجي هذا، على كل حال إذا عجز عن شيء يتركه، العلماء يقولون: إذا عجز عن تعلم الفاتحة، إذا عجز عن تعلم الفاتحة يقرأ بقدرها إن استطاع من القرآن، وإلا فمن الذكر.
هذا يقول: ما معنى أن يترك تدليس المدلس، ولو من مرة واحدة مع أن البخاري ومسلمًا يحتويان على ذلك، ويعمل بها؟
هذا رأي الإمام الشافعي أن المدلس إذا دلس مرة واحدة حكم عليه بأنه مدلس، وصنف مع المدلسين، صنف مع المدلسين، وإلا فما الضابط إن لم يقل بذلك، ونقل عنه التدليس، وأهل العلم يعدون مثل هذه الهفوة والزلة مرة واحدة أو شيء لا يؤثر، لكن هذا من احتياط الإمام الشافعي، والتنظير بالكذب، أنه إذا ثبت الكذب مرة واحدة في حديث النبي -﵊- استحق هذه المرتبة، وهذا الوصف، ورد حديثه كله؛ لأن الكذب على النبي -﵊- ليس كالكذب على غيره، والمسألة مثل ما سقنا في الدرس الماضي خلافية.
طالب:. . . . . . . . .
يعني يستخلف؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، يعني الإمام الأصلي يقرأ سورة، والمستخلف لا يحفظها، يقرأ في سورة، ثم سبقه الحديث، فاستخلف، نعم فاستخلف غيره، وهذا المستخلف لا يقرأ، لا يحفظ هذه السورة، فهل نقول: إن قراءة الإمامين قراءة واحدة؟ أو لكل إمام قراءته؟ هل نقول إنها قراءة واحدة، فإن استطاع أن يكمل وإلا يركع، كالإمام إذا ارتج عليه؟ أو نقول: إن لكل إمام حكمه في قراءته؟ والمتجه أنهما في حكم الإمام الواحد.
طالب:. . . . . . . . .
نعم، خلاص يركع، يركع مثل ما فعل النبي -﵊-، أخذته سعلة فركع، يعني ما استطاع أن يقرأ.
طالب:. . . . . . . . .
قرأ من سورة أخرى؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني انتقل، ما يظهر، هذا تلفيق ذا، في ركعة واحدة، لكن في ركعتين له أن يقرأ من سورة والثانية من سورة كما جاء في ركعتي الصبح؛ يقرأ آية من البقرة، وآية من آل عمران، ما في بأس.
[ ١١ / ٢٤ ]
ذكرت في الدرس الماضي أن شعبة -﵀- شدد في التدليس، أليس شعبة بن الحجاج موصوفًا عند الأئمة بهذا النوع وهو التدليس؟
لا، أبدًا، شعبة أبعد الناس عن التدليس، ويكفينا تدليس المدلسين.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: