(الموضوع – المقلوب - تنبيهات - معرفة من تقبل روايته ومن ترد)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
فدله، فقال: حدثني به شيخ بالبصرة؛ فذهب إليه، فقال: حدثني به شيخ ببغداد، فذهب إليه، ثم قال: حدثني شيخ بواسط؛ فذهب إليه، ثم قال: حدثني به شيخ بعبادان؛ فذهب إليه، فدله على قوم في خلوة من الخلوات من المتصوفة، فدلوه على شيخ كبير، فقيل له: من أين لك: فلان عن فلان عن فلان في فضائل السور؟ قال: إنه هو الذي وضعه -نسأل الله السلامة والعافية-، فالعبادة مع الجهل تضر صاحبها أكثر مما تنفعه، فهؤلاء المساكين الذين انقطعوا للعبادة؛ هل انتفعوا بهذه العبادة، وهذا واقعهم؟ لو اشتغلوا بأمور المعاش بأمور الدنيا في أسواق المسلمين عن هذه العبادة التي تضرهم، ولا تنفعهم كان أفضل لهم، يعني أدى بهم الجهل إلى هذا الحد أن يوضع الحديث -نسأل الله السلامة والعافية-:
كذا الحديث عن أبي اعترف راويه بالوضع له وبئسما اقترف
يعني اكتسب من وضعه:
وكل من أودعه كتابه . . . . . . . . .
يعني من المفسرين "وكل من أودعه كتابه" في التفسير، أو في غيره "كالواحدي" أبي الحسن، والثعلبي، والزمخشري، والبيضاوي، وإسماعيل حقي، وأبو السعود، وكثير من المفسرين الذين لا علم لهم بالحديث، هؤلاء أوردوا هذا الحديث في أواخر السور، الواحدي والثعلبي يوردونه بالإسناد؛ بإسناده المركب، ومن ذكر كالزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، وإسماعيل حقي هؤلاء أوردوه مجردًا عن الإسناد، وجزموا به؛ فلا شك أن هذا أشد، وإسماعيل حقي ذكرنا بالأمس أنه يبرر ذكر هذه الأحاديث في هذه السور، ويقول: إن ثبتت عن النبي -﵊- فبها ونعمت، وإن لم تثبت، فقد قال القائل: إنا نكذب له، ولا نكذب عليه، ولا شك أن هذا ضلال.
وكل من أودعه كتابه كالواحدي مخطئ صوابه
مخطئ؛ مخطئ في ذلك الصواب، إذ الصواب تجنب هذا الحديث؛ لأنه موضوع مكذوب مختلق على النبي -﵊-، لكن من ذكره للتحذير منه فهو مأجور، على أن يتم البيان، والتحذير بأسلوب لا يختلف فيه.
وجوز الوضع على الترغيب . . . . . . . . .
[ ١٦ / ١ ]
جوز الوضع في الحديث على الترغيب للناس في الفضائل "قوم ابن كَرَّام" محمد بن كرام السجستاني؛ صاحب المذهب الذي ينتسب إليه الكرامية "قوم ابن كرَّام" بالتشديد، ويذكر بالتخفيف "كرَام" بالفتح، ويذكر –أيضًا- على لفظ جمع كريم "كِرَام"، ويقول محمد بن الهيصم من أتباعه:
. . . . . . . . . إن الذين لم يقتدوا بمحمد بن كِرَام غير كرام
البيت لمن؟ معكم الشرح؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لأبي الفتح البستي، نعم لكن الذي ضبطه بالتخفيف ابن الهيصم، نعم والبيت لأبي الفتح البستي، يمدح فيه محمد بن كرَّام، ويقول: إنه بن كِرَام، وعلى كل حال لا يعنينا تشديده، أو تخفيفه إنما مذهبه مذهب مبتدع، وفيهم صلاح، وفيهم زهد، لكن هذا الزهد ضرهم، وهذه الغفلة عن تعلم العلم الشرعي ضرتهم، وفيهم شوب ابتداع في مسائل من مسائل العقيدة؛ الكلام فيهم يطول.
[ ١٦ / ٢ ]
"قوم ابن كرام وفي الترهيب" جوزه أيضًا في الترهيب؛ لأنه "جوز الوضع على الترغيب" يعني للناس في الفضائل "قوم ابن كرام" وجوزوه –أيضًا- "في الترهيب" زجرًا عن المعصية، زجرًا عن المعصية؛ محتجين في ذلك بأن هذا كذب له لا عليه، بأن هذا كذب له لا عليه؛ تقوية للشريعة وترويجًا لها، وأما الكذب عليه الوارد في الحديث في قوله: ساحر مثلًا، أو شاعر، أو كذاب؛ هذا الكذب على النبي -﵊-، أما أن يُكذب، ويُختلق أحاديث تروج الخير، وتكف الناس على الشر؛ فلا -على حد زعمهم-، وهذا الكلام في غاية السخف، والبطلان، تمسكوا أيضًا برواية: «من كذب علي متعمدًا ليضل الناس»، فالذي هدفه الإضلال هو الذي يدخل في المنع، وأما من كان هدفه الإصلاح؛ فلا يدخل في الحديث، هذه الرواية ضعيفة، ليضل الناس هذه ضعيفة، والدين كامل؛ كمل قبل وفاة النبي -﵊-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [(٣) سورة المائدة]، فليس بحاجة إلى ترويج، واقتصار الناس على ما ثبت عن الله، وعن رسوله كافٍ، والتذكير بالقرآن وحده يكفي: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [(٤٥) سورة ق]، ومع الأسف أن الناس انصرفوا عن التذكير بالقرآن إلى التذكير بالقصص، هذه الرواية: «ليضل الناس» ضعيفة، ولو قدر ثبوتها اللام فيها ليس لام التعليل، وإنما هي لام الصيرورة، والعاقبة؛ معنى ذلك لتكون عاقبة الناس الضلال؛ كما في قوله -جل وعلا-: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [(٨) سورة القصص]، عدوًا وحزنًا؛ هل هم التقطوه ليكون لهم عدوًا وحزنًا؟ أو التقطوا ليستفيدوا منه؛ ليكون ولدًا لهم؟ ليستفيدوا منه؛ لكن العاقبة صارت؛ صار عدوًا لهم وحزنًا، فهذه لام العاقبة، وليست لام التعليل.
"والواضعون" أيضًا "بعضهم قد صنعا" كلامًا؛ يعني وضعه على النبي -﵊- "من عند نفسه" من تلقاء نفسه؛ هو الذي اختلق الكلام، "وبعضٌ" منهم قد "وضعا"
كلام بعض الحكما في المسند . . . . . . . . .
[ ١٦ / ٣ ]
كلام بعض الحكماء، أو كلام بعض الزهاد، أو كلام بعض الصحابة، ركب له إسناد، ورفعه إلى النبي -﵊-، أو الإسرائيليات "كلام بعض الحكماء في المسند" المرفوع يجعلوه مرفوعًا إلى النبي -﵊-؛ ترويجًا له، كما ركب إسناد على حديث على خبر: "حب الدنيا رأس كل خطيئة"، ركب له إسناد، ولا يصح عن النبي -﵊-، فإنه من كلام مالك بن دينار، أو من كلام عيسى بن مريم، ولا يروى مرفوعًا إلا من مراسيل الحسن البصري، ومراسيل الحسن عند أهل العلم في غاية الضعف، شبه الريح، المقصود أنه ركب له إسناد، ورفع إلى النبي -﵊-.
"ومنه" يعني الموضوع "نوع وضعه لم يقصد"، "ومنه" يعني الموضوع "نوع وضعه لم يقصد"، "نحو حديث ثابت" بن موسى الزاهد الذي حدث به شريكًا: ("من كثرت" صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)،
نحو حديث ثابت من كثرت صلاته الحديث وهلة سرت
: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"، وذكرناه بالأمس في المدرج؛ لأن شريكًا يحدث بالخبر يحدث أصحابه، وأورد إسنادًا لحديث صحيح: «يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد»، لما أتم الإسناد، وقال: قال رسول الله -ﷺ-؛ دخل ثابت بن موسى الزاهد، فأراد شريك أن يلفت إليه الأنظار؛ لأنه صاحب زهد، وعبادة، وصلاة بالليل، وقيام، وظهر أثر ذلك على وجهه، فقال -مريدًا بذلك ثابت-: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" ثابت صاحب زهد وعبادة؛ لكنه يغفل عن تعاني هذا العلم، فظن أن هذا الإسناد لهذا المتن، فصار يرويه بهذه الطريقة، بالإسناد الذي ذكره شريك، ويريد به حديث: «يعقد الشيطان على قافية أحدكم»، فصار يرويه به: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار".
[ ١٦ / ٤ ]
"وهلةٌ" يعني غفلة "سرت" منه إلى غيره، منه إلى غيره، وهنا جعلوه من الموضوع، ولا شك أنه ليس من كلام النبي -﵊-، فهو من هذه الحيثية موضوع، وأما إدخاله في المدرج -كما نبهنا عليه بالأمس- فإنه إلصاق شيء لم يقله النبي -﵊-؛ إلصاق كلام لم يقله النبي -﵊- بكلامه، لا سيما إذا كان يروى بعد رواية الحديث الصحيح، إذا كان يروى: «يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد» إلى آخره، "ومن كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" كما ساقه بعضهم هذا لا شك أنه إدراج، وليس بوضع؛ إدراج، وليس بوضع، أما إذا كان يورد كاملًا من غير عطف على غيره، فإن هذا وضع، وإن كان غير مقصود، وبعضهم يقول: إنه شبه الوضع، شبه الوضع؛ بما يعرف الوضع؟
ويعرف الوضع بالإقرار وما نزل منزلته وربما
[ ١٦ / ٥ ]
"ويعرف الوضع" يعني للحديث "بالإقرار" من واضعه؛ بأن يعترف الواضع بأنه هو الذي وضعه، واعترف بعض الزنادقة بأنه وضع أحاديث، واعترف بعض المبتدعة أنهم إذا هووا شيئًا صيروه حديثًا، فهذا الاعتراف وهذا الإقرار يكفي للحكم على الخبر بأنه موضوع "ويعرف الوضع" يعني للحديث "بالإقرار" من واضعه "وما نزل منزلته" كأن يحدث بحديث يرويه عن شيخ يعرف أن هذا الشيخ مات قبل ولادة المحدث عنه، ومن الأحاديث ما لا يحتاج إلى إقرار ولا اعتراف: اختلف بعض الناس في الحسن؛ هل سمع من أبي هريرة، أو لم يسمعه؟ فورًا قال بعضهم: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن فلان قال رسول الله -ﷺ-: "سمع الحسن من أبي هريرة" هذا ما يحتاج إلى إقرار، مثل هذا لا يحتاج إلى إقرار، هذا ينزل منزلة الإقرار "وربما"، "يعرف" وضعه "بالرِّكَّة" للفظة بأن يكون لفظه ركيك، لا سيما إذا ادعى المحدث أنه يرويه باللفظ؛ لأن النبي -﵊- في غاية الفصاحة، أو بركة معناه؛ بأن يشتمل على اجتماع نقيضين، أو يكون فيه كلام لا يليق بمقام النبوة، فإن هذا يعرف به أن الخبر موضوع، ولا شك أن للأخبار الصحيحة نورًا؛ كما قال الربيع بن خثيم وغيره: "إن للحديث ضوءًا كضوء الشمس يعرف به، ولغيره ظلمة كظلمة الليل يعرف بها"، وللموضوعات ظلمة يقشعر منها سامعها -والله المستعان-.
[ ١٦ / ٦ ]
قلت -يقول الحافظ العراقي-: "قلت: استشكلا" يعني قد استشكلا، والألف للإطلاق، ابن دقيق العيد "الثبجي" الثبجي نسبة إلى ثبج البحر؛ لأنه ولد على ثبج البحر قرب ساحل ينبع، ابن دقيق العيد ولد هناك؛ قرب ساحل ينبع على ثبج البحر، وأخطأ محقق "الطالع السعيد في معرفة علماء الصعيد" فإنه ..، "الثبجي" هذه ابن دقيق العيد كان يكتبها، فقال الأدفوي صاحب "الطالع السعيد" قال: الثبجي، وكان يكتب بخطه الثبجي، وكان -يعني ابن دقيق العيد- يكتب بخطه الثبجي؛ يعني هذه النسبة كان يكتبها بخطه؛ لأنه ولد على ثبج البحر، فالمعلق قال: الخط الثبجي هو الذي تختلط حروفه بعضها ببعض، وهو نوع يعرف بالتعليق إلى آخر الكلام الذي علق به، فجعل الخط هو الثبجي، والمراد أن ابن دقيق العيد ينتسب إلى ثبج البحر، ويكبت هذه النسبة بخطه.
"قلت: استشكلا" يعني ابن دقيق العيد "الثبجي" عرفنا نسبة إلى ثبج البحر،
. . . . . . . . . الثبجي القطع بالوضع على
"ما اعترف الواضع" يقول: ما يكفينا أن يعترف الواضع؛ لأن الواضع كذاب، فكيف نصدقه بوضع الخبر، يعني هذا يلزم عليه أننا نصدق شخص كذاب، استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالوضع بمجرد الاعتراف بالوضع "على"
ما اعترف الواضع إذ قد يكذب . . . . . . . . .
قد يكذب في اعترافه؛ ومتى يكذب في اعترافه؟ يكذب في اعترافه إذا أراد تنفير الناس عن الحديث؛ يعني حديث يستدل به إمام، فيأتي من أتباع الإمام الثاني؛ ممن يعترف أنه وضع هذا الحديث؛ ليرده الناس، فيبطل استدلال من يتبع الإمام على هذا الحديث؛ ظاهر، وإلا ما هو بظاهر؟ يعني بعض الناس يعترف أنه قاتل؛ هو الذي قتل فلان، وهو كذاب في اعترافه، هو من الأصل يريد أن ينتحر، فيقول: بدلًا من أن أنتحر بدون مقابل؛ نعتق لنا شخصًا من القتل، فيعترف بأنه قتل؛ يقتل بهذا الاعتراف، والحديث يرد بهذا الاعتراف؛ يعني هذا الذي اعترف، وكذب في اعترافه، إذا لم يردنا الحديث إلا من طريقه؛ نرده، وإلا ما نرده؟ هل يستحق مثل هذا أن يقبل حديثه؟ أبدًا، ولو كذب في اعترافه.
يقول -رحمه الله تعالى-: "بلى نرده" بلى نرده أي المروي لاعتراف راويه بأقل الأحوال بما يقتضي الفسق،
[ ١٦ / ٧ ]
. . . بلى نرده وعنه نضرب
أي نعرض؛ فلا نحتج به مؤاخذة له باعترافه، لكنه ليس بقاطع بالفعل، لكن إذا وجد من طريق آخر يثبت به، فلا عبرة بهذا الحديث، وبهذا الاعتراف، وإن دار الحديث على هذا الذي اعترف، فإنه لا تجوز روايته على أي حال.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
سم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم، وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.