طالب:. . . . . . . . .
بعضهم يخلط فيجعل من صور التدليس المعاصرة فقط، التي هي خاصة بالإرسال الخفي، وعلى هذا ابن الصلاح ومن دار في فلكه عنده شيء من الخلط في هذا، لكن لا يتحرر الفرق إلا إذا خصصنا التدليس بالسماع واللقاء، والمرسل الخفي بالمعاصرة فقط دون سماعٍ ولا لقاء.
النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة -﵃ أجمعين-:
النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة -﵃ أجمعين-، والصحابي: من رأى رسول الله -ﷺ- في حال إسلام الرائي، وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يروِ عنه شيئًا، وهذا قول جمهور العلماء خلفًا وسلفًا.
وقد نص على أن مجرد الرؤية كافٍ في إطلاق الصحبة البخاري وأبو زرعة وغير واحد ممن صنف في أسماء الصحابة كابن عبد البر وابن مندة وأبي موسى
منده منده بدون تاء، منده وداسه وماجه كلها بدون نقط، نعم.
كابن عبد البر وابن منده وأبي موسى المديني وابن الأثير في كتابه: (الغابة في معرفة الصحابة) وهو أجمعها وأكثرها فوائد وأوسعها -أثابهم الله أجمعين-.
قال ابن الصلاح: وقد شان ابن عبد البر كتابه: (الاستيعاب) بذكر ما شجر بين الصحابة مما تلقاه من كتب الإخباريين وغيرهم، وقال آخرون: لا بد من إطلاق الصحبة مع الرؤية أن يروي عنه حديثًا أو حديثين.
[ ١٥ / ١١ ]
وعن سعيد بن المسيب -﵁ ورحمه-: لا بد من أن يصحبه سنةً أو سنتين، أو يغزو معه غزوةً أو غزوتين، وروى شعبة عن موسى
طالب: السبلاني؟
بالباء أو بالياء؟
طالب: بالباء.
نعم ابن كثير تَبِعَ ابن الصلاح بالباء، وحرر الحافظ العراقي تبعًا لابن السمعاني في الأنساب أنه بالياء بالمثناة، نعم، لكن أنت على أنه بالموحدة؛ لأن المؤلف قاله كذلك.
وروى شعبة عن موسى السبلاني وأثنى عليه خيرًا، قال: قلتُ لأنس بن مالك -﵁-: هل بقي من أصحاب رسول الله -ﷺ- أحدٌ غيرك؟ قال: ناسٌ من الأعراب رأوه، فأما من صحبه فلا، رواه مسلم بحضرة أبي زرعة، وهذا إنما نفى فيه الصحبة الخاصة، ولا ينفي ما اصطلح عليه الجمهور من أن مجرد الرؤية كافٍ في إطلاق الصحبة لشرف رسول الله -ﷺ-، وجلالة قدره وقدر من رآه من المسلمين، ولهذا جاء في بعض ألفاظ الحديث الصحيح: «تغزون فيقال: هل فيكم من رأى رسول الله -ﷺ-؟ فيقولون: نعم، فيفتح لكم» حتى ذكر من رأى من رأى رسول الله -ﷺ- الحديث بتمامه، وقال بعضهم في معاوية وعمر بن العزيز: "ليومٌ شهده معاوية مع رسول الله -ﷺ- خيرٌ من عمر بن العزيز وأهل بيته".
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في حد الصحابي: "من رأى النبي -﵊- مؤمنًا به في حال إسلام الراوي" يعني ومات على الإسلام، ولو تخلله ردة، يقول: "الصحابي: من رأى رسول الله -ﷺ- في حال إسلام الراوي" أو الرائي؟
طالب: الرائي.
الرائي نعم؛ لأن عندنا في النسخة الراوي، "في حال إسلام الراوي -أو الرائي- وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يروِ عنه شيئًا".
[ ١٥ / ١٢ ]
رأي الجمهور في حد الصحابي أنه: من رأى النبي -﵊- مؤمنًا به، ولو قيل: من لقي النبي -﵊- مؤمنًا به، ومات على ذلك؛ ليشمل العميان، اللقاء أوسع، وأشمل من مجرد الرؤية، لقي النبي -﵊- مؤمنًا به ومات على ذلك، ولو تخلله ردة، لو ارتد ورجع إلى الإسلام ومات على الإسلام فهو صحابي، "هذا قول جمهور العلماء خلفًا وسلفًا، وقد نص على أن مجرد الرؤية كافٍ لإطلاق الصحبة الإمام البخاري" في صحيحه، نص على ذلك، في فضائل الصحابة، كما نص على ذلك "أبو زرعة الرازي، وغير واحد ممن صنف في أسماء الصحابة" على كل حال هو قول جمهور أهل العلم "كابن عبد البر وابن منده وأبي موسى المديني وابن الأثير في كتابه: (الغابة) " واسمه؟
طالب: أسد الغابة.
نعم (أسد الغابة في معرفة الصحابة)، "وهو أجمعها وأكثرها فوائد" لأنه جمع الكتب التي تقدمت "وأوسعها، أثابهم الله أجمعين" حرصوا على تمييز الصحابة عن غيرهم لما للصحبة من فضل ومزية وشرف، وأُفردوا بالكتب، وبعد ذلك جاء الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- فجمع ما في هذه الكتب كلها، وزاد عليها ما وقف عليه، إما في سند حديث يقول: سمعت النبي -﵊-، أو ثبتت صحبته بقول واحد، أو بطريقٍ آخر، أو ادعيت صحبته، فالكتاب مقسم إلى أقسام، كتاب: (الإصابة) وهو أجمع هذه الكتب، وفيه ما يزيد على اثني عشر ألف ترجمة.
"قال ابن الصلاح: وقد شان ابن عبد البر كتابه: (الاستيعاب) -في معرفة الأصحاب- بذكر ما شجر بين الصحابة مما تلقاه عن كتب الإخباريين وغيرهم" نعم ذكر ما شجر بين الصحابة، لا شك أنه مما ينبغي الإعراض عنه؛ لأن هذا لا بد أن يؤثر في النفس، والصحابة منزلتهم عند الله عظيمة، وجاءت النصوص بذكرهم وشرفهم، والإشادة بهم بنصوص الكتاب والسنة، على ما سيأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
[ ١٥ / ١٣ ]
"وقال آخرون: لا بد في إطلاق الصحبة مع الرؤية أن يروي حديثًا أو حديثين" هذا قول في تعريف الصحابي، الذي لم يروِ شيئًا على هذا لا يقال له: صحابي، لكن لو غزا بدون رواية ماذا نقول عنه؟ القول الذي يليه: لا بد من أن يصحبه سنة أو سنتين، أو يغزو معه غزوة أو غزوتين، يعني ولو لم يروِ شيئًا، والصواب أنه لا هذا ولا ذاك؛ لأن الأئمة أطبقوا على ذلك الحد السابق أنه مجرد الرؤية واللقاء بالنبي -﵊- مثبت للصحبة، نعم الصحبة الخاصة من صحبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية العشرة، والمقربين من الصحابة هذه صحبة خاصة، وأما مجرد الرؤية فهي صحبة عامة، ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ثناء ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [(٢٩) سورة الفتح].
سعيد بن المسيب يقول: "لا بد من أن يصحبه سنةً أو سنتين" إن صح عنه، وإلا ففي ثبوته عنه نظر، "أو يغزو معه غزوةً أو غزوتين" المقصود أنها تثبت صحبته، إما برواية أو بغزوة أو بشهادة ثقة، أو بادعائه هو، والمفترض أن يكون ثقة، يعني الذي ذكر أنه صحابي وهو ثقة يقبل قوله؛ لأن هذا خبر، وخبر الثقة مقبول مع إمكان القبول، أما إذا لم يمكن القبول، جاءنا شخص سنة مائة وخمسين وقال: هو صحابي يقبل وإلا ما يقبل؟ ما يقبل، لو جاءنا سنة مائة واثنا عشر قال: أنا صحابي قلنا: ما هو بصحيح، لماذا؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم هذا الحديث.
[ ١٥ / ١٤ ]
أقول: إذا أمكن قبول الدعوى من شخصٍ ثقة ثبتت صحبته على ما سيأتي بما تثبت به الصحبة، لكن إذا لم يمكن سنة مائة واثنا عشر شخص قال: هو صحابي، وظاهره العدالة، نقول: لا؛ لأنه ثبت في الحديث الصحيح أن النبي -﵊- قال: «ما من نفسٍ منفوسة يأتي عليها مائة سنة ممن هو على وجه الأرض ..» صح وإلا لا؟ الحديث. . . . . . . . . ما تكمل، فهذا يعارض، ولذا جزم أهل العلم أن آخر من مات من الصحابة أبو الطفيل عامر بن واثلة مات سنة عشرٍ ومائة، وقد ادعى رتن الهندي الصحبة بعد ستمائة، وصدقه جمعٌ غفير من أوباش الناس، واعتقدوا فيه، زعم أنه صحابي، وهو جاء بعد الستمائة، وترجم في كتب الرجال، لكن لبيان كذبه وافترائه، والله المستعان.
"روى شعبة عن موسى السبلاني – أو السيلاني- وأثنى عليه خيرًا قال: قلتُ لأنس بن مالك" وقد توفي سنة ثلاثٍ وتسعين في أواخر القرن الأول: "هل بقي من أصحاب رسول الله -ﷺ- أحدٌ غيرك؟ قال: ناس من الأعراب رأوه، فأما من صحبه فلا، رواه مسلم، في حضرة أبي زرعة" خبر جيد، إسناده جيد، لكن الصحبة المنفية هي التي تثبت لمن دام الصحبة، الصحبة اللغوية، الصحبة العرفية، لا الصحبة الشرعية، الصحبة العرفية يعني شخص لقيته في الشارع تقول: هذا صاحبٍ لي، أو جمعك به مجلس واحد لمدة ساعة أو نصف ساعة، تقول: هذا صاحب؟ نعم عرفًا ليس بصاحب، فهذا المنفي في هذا الخبر، أما الصحبة المحررة للصحابة عند جمهور أهل العلم فتثبت بمجرد الرؤية.
"وهذا إنما نفى فيه الصحبة الخاصة، ولا ينفي ما اصطلح عليه الجمهور من أن مجرد الرؤية كافٍ في إطلاق الصحبة لشرف رسول الله -ﷺ- وجلالة قدره، وقدر من رآه من المسلمين، ولهذا جاء في بعض ألفاظ الحديث: «تغزون» -حديث صحيح مخرج في الصحيحين وغيره- «تغزون فيقال: هل فيكم من رأى رسول الله -ﷺ-؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم» حتى ذكر من رأى من رأى رسول الله -ﷺ- الحديث بتمامه" يعني فيفتح لهم.
[ ١٥ / ١٥ ]
وقال بعضهم في المفاضلة بين معاوية -﵁- وعمر بن عبد العزيز، ومنزلة عمر بن عبد العزيز بين التابعين معروفة، ومنزلة معاوية من الصحابة معروفة، فبعضهم قد يتراءى له مع ما اتصف به عمر بن عبد العزيز من العلم والزهد والورع ونقاء السيرة، ما قد يجعله يفضل على بعض الناس ممن خاض في بعض الأمور التي تورع عنها كثيرٌ من الصحابة، في قتال وحروب وتولى أعمال، المقصود أن بعض الناس قد يتراءى له تفضيل بعض الناس على من هو دونه من وجهة نظره، ويغفل عن السبب المؤثر في الترجيح، الصحبة لا يعدلها شيء، ولذا لما قال النبي -﵊-: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» دل على أن الصحابة هم أفضل ناس على الإطلاق، فلا يمكن أن يوجد في التابعين ولو أفضل التابعين أويس القرني أو سعيد بن المسيب أفضل من أقل الصحابة شأنًا.
المقصود أن الصحابة هم أفضل الأمة، ولا يوجد من يدانيهم ولا يقاربهم، وإن كان رأي ابن عبد البر في المسألة أن التفضيل إجمالي «خيركم قرني، ثم الذي يلونهم» يعني في الجملة، تفضيل القرن على القرن، وإلا قد يوجد في أفراد القرن الثاني من هو أفضل من بعض أفراد القرن الأول، لكنه قول مرجوح، وقد جاء في الحديث -وهو صحيح-: أن للعامل بسنة النبي -﵊- أجر خمسين من الصحابة، إذًا هو أفضل من الصحابة؟ نعم قد يكون أفضل في هذا العلم على وجه الخصوص الذي عمله، لكن شرف الصحبة قدرٌ لا يشاركهم ولا يدانيهم فيهم أحد، وهذا ظاهر.
لو تصورنا شخص لو تصورنا اثنين أحدهم متصف بالعلم والعمل، والآخر عامي لا علم ولا عمل يذكر، يعني وإن كان مسلم، هذا العالم تصدق على شخص قد لا يكون هذا الشخص محتاج، أو حاجته أقل، ثم جاء هذا العامي فتصدق على شخصٍ أنقذه من موت بهذه الصدقة، نقول: صدقة هذا العامي أفضل من خمسين من صدقة هذا العالم، لكن أين هذا العامي في الجملة من هذا العالم العامل ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ فالوصف الذي شرف به صحابة رسول الله -ﷺ- لا يدانيهم فيه أحد.
[ ١٥ / ١٦ ]
"وقال بعضهم في معاوية وعمر بن عبد العزيز: ليومٌ شهده معاوية مع رسول الله -ﷺ- خيرٌ من عمر بن عبد العزيز، وأهل بيته" على ما اتصف به عمر -﵁ وأرضاه-، ورحمه رحمةً واسعة، ورضي عن جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
طالب:. . . . . . . . .
لا شك أن المتقدم له شأن، التقدم في الزمن له شأن، والعلماء السابقون لا يلحقهم ولا يدانيهم من جاء بعدهم، فالفصل للمتقدم، ولولا المتقدم ما حاز المتأخر شيء، بواسطة الصحابة انتقل لنا الدين، ولولا الصحابة ما وصل إلينا الدين، كيف يصل إلينا؟ بطريق منقطع؟! فلهم الفضل علينا، والفضل أولًا وآخرًا لله -﷾-، لكن لهم فضل، حفظوا الدين، ونقلوه إلى من بعدهم وبلغوه، ولم يألوا جهدًا في تبليغه للناس، وعلمهم لا شك أنه قليل، كلامٌ قليل لكنه علمٌ مبارك، بخلاف العلم عند المتأخرين الكلام كثير، لكن البركة قليلة، فمن نظر في كتاب: (فضل علم السلف على الخلف) للحافظ ابن رجب عرف مقدار الرجال، ومن عرف حال أبي بكر الإسماعيلي كما قال الحافظ الذهبي جزم يقينًا أن المتأخرين على يأسٍ تام من لحاق المتقدمين، لكن ما يمنع أن يوجد في القرن الثالث أو الرابع أو الخامس شخص أفضل من أهل القرن الثاني، لكن في الجملة أهل القرن الثاني أفضل من أهل القرن الثالث وهكذا، هنا التفضيل إجمالي، ولم يستثنَ من ذلك إلا الصحابة لشرف الصحبة.
وإذا أردنا المفاضلة مثلًا بين شيخ الإسلام ابن تيمية مثلًا، أو الإمام أحمد أو مالك أو الشافعي أو أبو حنيفة ماذا نقول؟ أيهم أفضل؟ إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
إحراج؟ ما في إحراج.
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٥ / ١٧ ]
رشيد رضا، محمد رشيد رضا سئل هذا السؤال أيهم أفضل شيخ الإسلام ابن تيمية؟ أو أعلم شيخ الإسلام أو الأئمة الأربعة؟ أقول: باعتبار أنه تخرج على كتبهم وكتب أتباعهم فلهم الفضل عليه، وباعتبار أنه أحاط بكتبهم وكتب أتباعهم فهو أعلم من هذه الحيثية، لكن يبقى أن الحافظ ابن رجب -﵀- أورد كلام مقتضاه أن من يفضل مثل شيخ الإسلام على الإمام أحمد يلزمُ منه أنه يفضل المتأخر على المتقدم عمومًا، لماذا فضلت شيخ الإسلام؟ لكثرة كلامه في العلوم، فجعلت الإمام أحمد مفضول لقلة كلامه، إذًا فضل الإمام أحمد على من قبله على الصحابة؟ كم يُحفظ لأبي بكر بالنسبة لما حفظه الإمام أحمد من السنة؟! يلزم عليه لوازم باطلة، فيعرف للناس أقدارهم، شيخ الإسلام إمام، ومن جاء بعده أئمة، وجاء قبله هم الأئمة على التحقيق، نعم فرع.
فرعٌ: والصحابة كلهم عدولٌ عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله -ﷺ- رغبةً فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل.
وأما ما شجر بينهم بعده -﵊- فمنه ما وقع عن غير قصدٍ كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهادٍ كيوم صفين، والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذورٌ وإن أخطأ ومأجور أيضًا، وأما المصيب فله أجران اثنان، وكان عليٌ وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه -﵃ أجمعين-.
[ ١٥ / ١٨ ]
وقول المعتزلة: الصحابة عدولٌ إلا من قاتل عليًا قولٌ باطل مرذول ومردود، وقد ثبت في صحيح البخاري -﵀- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال عن ابن بنته الحسن بن علي، وكان معه على المنبر: «إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر بعد موت أبيه علي -﵁-، فاجتمعت الكلمة على معاوية وسمي عام الجماعة، وذلك سنة أربعين من الهجرة، فسمى الجميع مسلمين، وقال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [(٩) سورة الحجرات] فسماهم مؤمنين مع الاقتتال، ومن كان من الصحابة مع معاوية؟ يقال: لم يكن في الفريقين مائة من الصحابة، وعن أحمد: ولا ثلاثون، والله أعلم.
وجميعهم صحابة فهم عدولٌ كلهم، وأما طوائف الروافض وجهلهم وقلة عقلهم ودعواهم أن الصحابة كفروا إلا سبعة عشر صحابيًا وسموهم فهو من الهذيان بلا دليلٍ إلا مجرد الرأي الفاسد عن ذهنٍ باردٍ وهوىً متبع، وهو أقل من أن يرد عليه، والبرهان على خلافه أظهر وأشهر، مما علم من امتثالهم أوامره بعده -﵇-، وفتحهم الأقاليم والآفاق، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة، ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات في سائر الأحيان والأوقات، مع الشجاعة والبراعة والكرم والإيثار والأخلاق الجميلة التي لم تكن في أمةٍ من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحدٌ بعدهم مثلهم في ذلك، ورضي الله عنهم أجمعين، ولعنَ الله من يتهم الصادق ويصدق الكاذبين، آمين يا رب العالمين.
[ ١٥ / ١٩ ]
يقول -رحمه الله تعالى-: "فرعٌ والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة" مذهب أهل السنة والجماعة الوسط في هذه الأمور، فهم يرتضون عن الصحابة، ويتولونهم كلهم خلافًا للروافض، كما أنهم يترضون عن الآل لا سيما من كان منهم على الهدى خلافًا للنواصب، فالصحابة صحابة رسول الله -ﷺ- ممن توافر فيه الحد السابق الذي عليه جماهير أهل العلم كلهم عدول، لا يجوز الطعن في أحدٍ منهم ولا واحد، ولو كان أقلهم شأنًا، وليس معنى أنهم عدول ..، عدول من حيث الديانة، وأما من حيث الضبط فهم متفاوتون، وليسوا بمعصومين من حيث الضبط، يخطئ الصحابي، قد يخطئ، وقد ينسى، وقد يحفظ، وأخبارهم في ذلك معروفة، ليسوا بمعصومين، لكنهم من حيث العدالة كلهم عدول، ومن قارف منهم شيئًا مما يعاب به ويذم فإن الله -﷾- يكفره له بأعماله العظيمة، وبشرف صحبته للنبي -﵊-، ويوفقون مع ذلكم للتوبة، مستند ذلك أن الله -﷾- أثنى عليهم في كتابه العزيز: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [(٢٩) سورة الفتح] وفي سورة الحشر ذكرهم وذكر المهاجرين وأثنى عليهم، ثم ذكر الأنصار وأثنى عليهم، ثم ذكر من اقتدى بهم ممن أتى بعدهم، وترضى عنهم وترحم عليهم، "وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم"، والسنة مستفيضة في مدح الصحابة، ومدح ذلك الجيل الذين صحبوا النبي -﵊-، فلا التفات إلى قولِ من قدح فيهم، ولا حظ له حينئذٍ من النظر، فنطقت السنة المستفيضة، بل المتواترة في مدح الصحابة في جمع أحوالهم وأخلاقهم وأفعالهم، قد بذلوا الأموال والأرواح، بذلوا مهجهم وأرواحهم وأنفسهم فداءً لرسول الله -ﷺ-، فداءً لدينه بين يديه -﵊- "رغبةً فيما عند الله -﷾- من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل".
[ ١٥ / ٢٠ ]
حصل من الصحابة بعده -﵊- ما حصل من ارتداد بعضهم، وقاتلهم الصديق -﵁-، ورجع كثيرٌ ممن ارتد، وقتل من قتل، لكن يبقى أن هذا النوع نفرٌ يسير بالنسبة لجملة الصحابة، ووقع بينهم أيضًا بعض النزاع والخلاف، حصل بينهم شيء من الحروب منه ما هو من غير قصد، والفتن إذا حلت قد تلجئ الناس وتحوجهم وتجرهم إلى ما لا يريدون وما لا يقصدون، نسأل الله السلامة من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، من هذا النوع ما وقع من غير قصد؛ لأن الإنسان إذا ماجت الفتنة ماذا يصنع؟ يحتار ويطيش عقله، وحينئذٍ لا يتصرف التصرف حسب مقتضى النظر الصحيح، قد لا يسعفه الوقت في الموازنة بين الأمور، نعم من الصحابة من اعتزل وترك، ولا شك أن مثل هذا أسلم، ومنهم من وفق وانضم إلى الصف الذي في جانبه الإصابة، ومنهم من اجتهد وانضم إلى الصف المفضول، وعلى كل حال هم مجتهدون ومعذورون، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجرٌ واحد.
يقول: "منه ما وقع من غير قصد كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين، والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ ومأجور أيضًا، وأما المصيب فله أجران" أجر الإصابة وأجر الاجتهاد، والمخطئ معذور وله أجرٌ واحد وهو أجر الاجتهاد، "وكان عليٌ وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية"، وجاءت النصوص التي تدل على ذلك.
"وقول المعتزلة الصحابة عدول إلا من قاتل عليًا" مقتضاه أن معاوية ومن قاتل معه ليسوا بعدول، لكن هذا "قولٌ باطل مرذول ومردود" ولا التفات له، والمعتزلة في هذا الباب ضلوا كما ضل من هو شرٌ منهم، يعني في باب الصحابة من الروافض وغيرهم.
[ ١٥ / ٢١ ]
يقول: "وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله -ﷺ- أنه قال عن ابن بنته الحسن بن علي، وكان معه على المنبر: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» " وقد وقع ولله الحمد، تنازل لمعاوية عن الأمر، واستتب الأمر لمعاوية، وكلهم مسلمون، ومدح بالتنازل لمعاوية، وسمي سماه النبي -﵊- صلح، والصلح خير، فلو لم يكن معاوية صحابي وأهل للخلافة والولاية، وأن خلافته شرعية لما مدح من تنازل له، «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فدل هذا على صحة خلافة معاوية، وأنها شرعية، وأن طاعته واجبة، نعم هو في وقت علي -﵁- مخطئ، لكنه مجتهد -رضي الله عن الجميع وأرضاهم-.
"وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر بعد موت أبيه علي، واجتمعت الكلمة على معاوية" بعد اجتماع الكلمة لا يجوز لأحد ولا يصوغ له بوجه أن يخرج على من اجتمعت له الكلمة، واستتب له الأمر ولو كان عبدًا حبشيًا، فضلًا عن كونه صحابيًا، "وسمي عام الجماعة، وذلك في سنة أربعين من الهجرة فسمى الجميع مسلمين"، «بين فئتين عظيمتين من المسلمين» قال الله -جل وعلا-: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [(٩) سورة الحجرات] اقتتلوا ومع ذلكم هم مؤمنون بنص القرآن، فالقتال سواءً كان بين الصحابة أو بين غيرهم لا يخرجهم عن دائرة الإيمان مع الاقتتال.
"ومن كان مع الصحابة مع معاوية؟ يقال: لم يكن في الفريقين مائة من الصحابة" في الفريقين لا مع معاوية ولا مع علي، لم يكن في الفريقين الصحابة، وإنما الفريقان جمعٌ من مجتمع الناس الذين اجتمعوا، الذين حرضوا على قتل عثمان -﵁-، والذين يطلبون بثأره فحصلت الفتنة، وطاشت العقول، فحصل ما حصل بسبب ذلك، والله المستعان.
[ ١٥ / ٢٢ ]
"وأما طوائف الروافض" الذين يزعمون أن الصحابة ارتدوا بعد النبي -﵊-، "وجهلهم" يقول: لجهلهم وقلة علمهم، ودعاواهم الباطلة في "أن الصحابة كفروا إلا سبعة عشر صحابيًا" لأن هؤلاء الصحابة هم خواص علي -﵁-، يريدون بذلك أن يبينوا أن هؤلاء الذين قاتلوا عليًا، والذين لم ينصروه كلهم كفار، نسأل الله العافية، كلهم ارتدوا، وهؤلاء الروافض يظهر من تصرفاتهم عدم قصد الحق، وإلا لو بحثوا عن الحق لوجدوه، وقولهم يترتب عليه هدم الدين بالكلية؛ لأنه كيف وصلنا الدين؟ كيف وصل الدين بجملته من جيل الصحابة إلى جيل التابعين، ومن جيل التابعين إلى من بعدهم إلى يومنا هذا؟ إلا عن طريق الصحابة، فإذا طعنا في الراوي طعنا في المروي، كيف تقبل رواية مرتد؟! فإذا طعنا في الراوي طعنا في المروي، وعلى هذا يلزم من قولهم الطعن في الدين بالكلية، ولا يبقى لنا حينئذٍ دين؛ لأنه إنما وصلنا من طريقهم.
يقول: "فهو من الهذيان بلا دليل إلا مجرد الرأي الفاسد عن ذهنٍ بارد" لا نقول: عن ذهنٍ بارد، بل صدر عن كيد للإسلام، وبابُ الرفض مدخلٌ واسع، كما قال شيخ الإسلام: دخل معه كل زنديق يكيد للإسلام وأهله.
يقول: "وهو أقل من أن يرد"، وقد تولى شيخ الإسلام -رحمة الله عليه- الرد عليهم، وتفنيد مزاعمهم ودعاويهم، وإبطال أدلتهم في كتابه العظيم الذي لا يستغني عنه طالب علم، لا سيما في مثل هذه الأيام، وهذه الظروف والأحوال التي رفع الروافض فيها رؤوسهم، في كتابه: (منهاج السنة) في الرد ابن المطهر الحلي.
[ ١٥ / ٢٣ ]
يقول: "والبرهان على خلافه أظهر وأشهر، مما علم من امتثالهم أوامره بعده -﵊-، وفتحهم الأقاليم والآفاق، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة" هذا أمرٌ مستفيض لا يحتاج إلى استدلال، "ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات، في سائر الأحيان والأوقات" في زمنه -﵊- وبعده، "مع الشجاعة والبراعة والكرم والإيثار" وعرفنا أنهم قدموا أنفسهم فداءً لدينهم ونبيهم -﵊-، كما اشتملوا على "الأخلاق الجميلة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحدًا بعدهم مثلهم في ذلك، فرضي الله عنهم أجمعين، ولعن الله من يتهم الصادق، ويصدق الكاذبين"، يقول الحافظ ابن كثير: "آمين يا رب العالمين".
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سم.