وهو الموقوف على التابعين قولًا أو فعلًا، وهو غير المنقطع، وقد وقع في عبارة الشافعي والطبراني إطلاق المقطوع على منقطع الإسناد غير الموصول.
لما ذكر المرفوع إلى النبي -﵊- والموقوف على الصحابة أردف ذلك بالمقطوع، وهو ما روي عن التابعين قولًا لهم أو فعلًا، وهل يدخل في ذلك التقرير؟ وهل يدخل التقرير أيضًا في الموقوف؟ يعني إذا عمل بحضرة الصحابي شيء وسكت هل يمكن أن ننسب هذا الأمر إلى الصحابي لأنه أقره؟
التقرير من وجوه السنن المرفوعة، إذا فعل بحضرته -﵊- شيء ولم ينكره نسب إليه، لكن الصحابي قد يسكت من غير موافقة، لما يخشى من الأثر المترتب على المخالفة، من باب أولى التابعي قد يسكت، ولذا لا يضاف إليهم التقرير، بخلاف ما يفعل بحضرته -﵊-.
وسم بالمقطوع قول التابعي وفعله وقد رأى للشافعي
تعبيره به عن المنقطعِ قلت: وعكسه اصطلاح البردعي
هو غير المنقطع الذي سيأتي ما لم يتصل إسناده، وقد وقع في عبارة الشافعي والطبراني والحميدي والدارقطني وجمع من أهل العلم التعبير بالمقطوع عن المنقطع، يقول: هذا الإسناد مقطوع ويريدون به أنه لم يتصل، عكس ما يستعمله الشافعي ومن ذكر معه اصطلاح البردعي يطلق المنقطع ويريد به المقطوع، يطلق لفظ المنقطع يقول: هذا خبر منقطع ويريد به أنه مروي عن تابعي فمن دونه، قلت: وعكسه اصطلاح البردعي، أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي المشهور المعروف.
[ ٤ / ٦ ]
وقد تكلم الشيخ أبو عمرو هاهنا على قول الصحابي: "كنا نفعل"، أو "نقول كذا"، إن لم يُضفه إلى زمان رسول الله -ﷺ- فهو من قبيل الموقوف، وإن أضافه إلى زمان النبي -ﷺ-: فقال أبو بكر البرقاني عن شيخه أبي بكر الإسماعيلي: إنه من قبيل الموقوف، وحكم الحاكم النيسابوري برفعه؛ لأنه يدل على التقرير، ورجحه ابن الصلاح، قال: ومن هذا القبيل قول الصحابي: "كنا لا نرى بأسًا بكذا"، أو "كانوا يفعلون أو يقولون"، أو "يقال كذا في عهد رسول الله -ﷺ-": إنه من قبيل المرفوع، وقول الصحابي: "أمرنا بكذا"، أو "نهينا عن كذا" مرفوع مسند عند أصحاب الحديث وهو قول أكثر أهل العلم، وخالف في ذلك فريق، منهم أبو بكر الإسماعيلي، وكذا الكلام على قوله: "من السنة كذا"، وقول أنس: "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة".
قال: وما قيل من أن تفسير الصحابي في حكم المرفوع، فإنما ذلك فيما كان سبب نزول، أو نحو ذلك، أما إذا قال الراوي عن الصحابي: "يرفع الحديث" أو "ينميه" أو "يبلغ به النبي -ﷺ-"، فهو عند أهل الحديث من قبيل المرفوع الصريح في الرفع، والله أعلم.
لما ذكر المرفوع صراحةً إلى النبي -﵊- أراد أن يتحدث عن المرفوع حكمًا إليه -﵊-، فقول الصحابي: كنا نفعل، أو نقول كذا، هذا فيه تفصيل، إن أضافه إلى زمان النبي -﵊- فهذا مرفوع؛ لأنه في زمن الوحي، فلو كان مما ينكر لنزل الوحي على النبي -﵊- لإنكاره، "كنا نعزل والقرآن ينزل" "ذبحنا فرسًا على عهد رسول الله -ﷺ-"، هذا كله من قبيل المرفوع.
وقوله: (كنا نرى) إن كان معْ عصر النبي من قبيل ما رفعْ
[ ٤ / ٧ ]
وقيل لا إلخ، خالف بعضهم، حتى فيما أضيف إلى النبي -﵊-، فقال أبو بكر البرقاني عن شيخ أبو بكر الإسماعيلي أنه من قبيل الموقوف، يعني وإن أضيف إلى زمنه -﵊-، ما لم يعلم أنه اطلع -﵊- وأقره، وحكم النيسابوري برفعه، يقصد به أبو عبد الله الحاكم، برفعه؛ لأنه يدل على التقرير ورجحه ابن الصلاح، ورجحه أيضًا النووي في شرح المهذب، والرازي في المحصول والآمدي في الأحكام، ففرق بين أن يضيفه إلى عهد النبي -﵊- كنا نفعل في عهده -﵊-، كنا نقول، كنا نفاضل، وهكذا، كل هذا من قبيل المرفوع إذا أضيف إلى عصره -﵊-.
أما إذا لم يضف إلى عصر النبي -﵊- فإن هذا موقوف، لاحتمال أن يكونوا يفعلون ذلك بعد وفاته -﵊- وحينئذٍ قد انقطع الوحي من السماء فقد يفعلون الخطأ، لكن إذا كان في الخبر ما يدل على أنه فعل الجميع فهو حجة وإن لم يكن مرفوعًا، تقول عائشة -﵂-: "كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه"، هذا حكم شرعي ويبعد أن تقول عائشة هذا الشيء أو هذا الكلام وليس عندها شيء من النبي -﵊-.
[ ٤ / ٨ ]
يقول: "من هذا القبيل قول الصحابي كنا لا نرى بأسًا بكذا، أو كانوا يفعلون أو يقولون، أو كان يقال كذا في عهد رسول الله -ﷺ- أنه من قبيل المرفوع"، يعني كقول جابر: "كنا نعزل على عهد رسول الله -ﷺ- والقرآن ينزل" هذا مخرج في الصحيحين، "وقول الصحابي: أمرنا بكذا"، كقول أم عطية: "أمرنا أن نخرج العواتق والحيض" وقولها: "نهينا عن إتباع الجنائز، ولم يعزم علينا"، كل هذا "مرفوع مسند عند أصحاب الحديث وهو قول أكثر أهل العلم، وخالف في هذا فريق -من أهل العلم- منهم أبو بكر الإسماعيلي" وبعض العلماء والحسن الكرخي أيضًا قالوا: ليس بمرفوع؛ لاحتمال أن يكون الآمر والناهي غير الرسول -﵊-، ففي قول أم عطية: "أمرنا بإخراج العواتق والحيض وذوات الخدور إلى صلاة العيد" أمرنا، من يتصور الآمر في مثل هذه الصورة؟ مسألة شرعية، هل يتصور أن أبا بكر أو عمر يأمرون الصحابة بإخراج العواتق والحيض والنبي -﵊- موجود بين أظهرهم؟ هل يتصور أن أحد من الصحابة ينهى عن إتباع الجنائز؟ كما قالت أم عطية: "نهينا عن إتباع الجنائز ولم يعزم علينا" ينهى النساء والرسول -﵊- بين أظهرهم؟ لا، ولذا الراجح عند أهل العلم أن هذا من المرفوع، فلا يتصور أن يكون الآمر والناهي في المسائل الشرعية إلا الرسول -﵊-، هذا إذا قال الصحابي: أمرنا أو نهينا، فلم يذكر الآمر ولا الناهي.
إذا قال الصحابي: أمرنا رسول الله -ﷺ- مرفوع بلا شك وبلا خلاف، لكن هل قول الصحابي: أمرنا رسول الله -ﷺ- بمنزلة قوله -﵊-: افعلوا كذا؟ يعني إذا قال الصحابي: أمرنا رسول الله -ﷺ-، أو نهانا عن كذا، هل يدل على الوجوب أو التحريم كقوله: افعلوا أو لا تفعلوا؟ الجمهور نعم، الحكم واحد، فإذا نقل الصحابي أمره -﵊- سواء كان بلفظه أو عبر عنه سيان.
[ ٤ / ٩ ]
داود الظاهري وبعض المتكلمين قالوا: لا، حتى ينقل لنا اللفظ النبوي، احتمال أن يسمع الصحابي كلام يظنه أمر أو نهي وهو في الحقيقة ليس بأمر ولا نهي، نقول: هذا كلام مردود؛ لأن الصحابة هم أعرف الناس بمدلولات الألفاظ الشرعية، إذا لم يعرفوا هذه الألفاظ من يعرفها بعدهم؟ وهم أورع وأتقى لله -﷾- من أن يزعموا شيئًا أو يعبروا عن شيءٍ لم يفهموه عنه -﵊-، إذا قال الصحابي: "من السنة" كقول ابن عمر للحجاج: "إذا أردت السنة فهجر" ونقل الشافعي عن ابن عباس: إنهم إنما يريدون بالسنة سنة النبي -﵊-، فإذا قال الصحابي: من السنة فلا شك أنه يريد بذلك السنة النبوية.
قول الصحابي من السنة أو نحو أمرنا حكمه الرفع ولو
بعد النبي قاله بأعصرِ على الصحيح وهو قول الأكثرِ
تفسير الصحابي يرى الحاكم أنه مرفوع، وعزاه للشيخين البخاري ومسلم في المستدرك في الجزء الثاني صفحة (٢٥٨، ٢٦٣) في مواضع كثيرة يزعم الحاكم أن مذهب الشيخين البخاري ومسلم أن تفسير الصحابي له حكم الرفع، إذا فسر الصحابي آيةً ولم يصرح برفعه إلى النبي -﵊- يقول الحاكم: هذا مرفوع، لما عرف واستفاض من التحذير من التفسير بالرأي، ولا يتصور أن الصحابة يفسرون القرآن بآرائهم، لكن أهل العلم حملوا ذلك على أسباب النزول، كقول جابر -﵁-: "كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله -﷿-: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [(٢٢٣) سورة البقرة] أما تفاسير الصحابة وفهمهم للقرآن لا سيما وأن من القرآن ما يدرك باللغة، ومنه أيضًا ما يدرك بالاجتهاد لا سيما في الأحكام، هل نقول: أن هذا كله مرفوع؟ لا.
وعُد ما فسره الصحابي رفعًا فمحمول على الأسبابِ
نعم أسباب النزول إذا قال الصحابي: هذه الآية نزلت بسبب كذا له حكم الرفع لماذا؟ لأن الرسول -ﷺ- طرف في الوجود، يعني هو الذي ينزل عليه القرآن، ولذا حمل أهل العلم قول الحاكم هذا على أسباب النزول.
وعُد ما فسره الصحابي رفعًا فمحمول على الأسبابِ
[ ٤ / ١٠ ]
أما إذا قال الراوي عن الصحابي: يرفع الحديث، عن سعيد عن أبي هريرة يرفعه، ينميه، يبلغ به، رواية، فهو عند أهل الحديث من قبيل المرفوع الصحيح، الصحابي يرفع الحديث إلى من؟ هل هناك أحد غير الرسول -﵊-؟ لا أحد، يبلغ به إيش؟ لا بد وأن يكون المرفوع إليه والمبلغ عنه هو الرسول -﵊- فهو عند أهل الحديث من قبيل المرفوع الصريح بالرفع، يقول الحافظ العراقي -﵀- تعالى:
وقولهم يرفعه يبلغ بهْ روايةً ينميه رفعٌ فانتبهْ
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة يبلغ به: «الناس تبع لقريش» وفي الصحيحين عنه رواية: «تقاتلون قومًا صغار الأعين» والأمثلة على ذلك كثيرة، ومثله لو قال التابعي: عن أبي هريرة رده إلى النبي -﵊-، وهذه صيغة من صيغ الأداء النادرة، وهي موجودة في صحيح مسلم.
إذا قال ذلك التابعي أو قيل ذلك بعد التابعي: عن ابن سيرين يرفعه، عن ابن سيرين يبلغ به، عن الحسن رواية، منهم من يقول أنه مرفوع أيضًا لكنه مرسل؛ لأنه لم يذكر فيه الصحابي الرفع عن التابعي عنه -﵊- فهو من قبيل المرسل، ومنهم من يقول: يحتمل أن يكون رفعه إلى الصحابي فيكون موقوفًا، وعلى كل حال سواء قلنا: أنه مرفوع مرسل، أو موقوف ينظر في اتصال إسناده من طرق أخرى، أو في رفعه فيكون حينئذٍ إن وجد مرفوع صراحةً فيه تعارض الوقف مع الرفع على ما سيأتي، أو تعارض الوصل مع الإرسال، وكل ذلك سيشار إليه فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.
طالب:. . . . . . . . .
إيش يقول؟
[ ٤ / ١١ ]
طالب: يقول: أما إطلاق بعضهم أن تفسير الصحابة. . . . . . . . . المرفوع، وأن ما يقوله الصحابة نسبي ما لم. . . . . . . . . بالضعف مرفوع حكم كذلك، كذلك فإنه إطلاق غير جيد؛ لأن الصحابة اجتهدوا كثيرًا في تفسير القرآن فاختلفوا وأفتوا مما يرونه من علوم الشريعة تطبيقًا عن الفروع والمسائل، فيظن كثير من الناس أن هذا العلم لا مجال للخوض فيه، وأن ما يحكيه بعض الصحابة من أخبار الأمم السابقة فإنه لا يعطي حكم المرفوع أيضًا؛ لأن كثيرًا منهم -﵃- كانوا يروون من الإسرائيليات، أو كان يروي الإسرائيليات عن أهل الكتاب، على سبيل الذكرى والموعظة لا بمعنى أنهم يعتقدون صحتها، أو يستجيزون نسبتها إلى رسول الله -ﷺ- حاشا وكلا إلخ.
لا شك أن تفسير القرآن على أوجه منها: ما لا يمكن أن يدرك بالرأي، لا يمكن أن يدرك بالرأي، الإخبار عن المغيبات سواء كانت في الماضي أو في المستقبل، والصحابي المفسر لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات، ما عرف بالأخذ عن بني إسرائيل، ومثله إذا قال الصحابي قولًا لا يمكن أن يدرك بالرأي، ولو لم يتعلق بالقرآن، أكثر أهل العلم أن له حكم الرفع؛ لأن الصحابي لا يمكن أن يخبر عن غيب، لا بد له من مصدر في هذا، والمسألة مفترضة في من؟ في الصحابة الذين كلهم عدول، فلا يبحث عن عدالتهم، فإذا قلنا: أن الصحابة كلهم عدول، وذكر الصحابي قولًا لا مجال للاجتهاد فيه فإنه له حكم الرفع عند أهل العلم، لكن إذا كان مما يدرك بالاجتهاد، مما يدرك من عمومات، مما يدرك من لغة العرب، كل هذا فيه اجتهاد، أو عرف الصحابي بأخذه عن أهل الكتاب، يحتمل أنه أخذ هذا عن أهل الكتاب، يعني ثبت عن بعض الصحابة أنه قال: "الجراد نثرة حوت" يروى عنه -﵊- لكن ضعيف؛ لكنه متلقى عن أهل الكتاب بلا شك، وإن ثبت عن بعض الصحابة؛ لكن هذا متلقى عن كعب وغيره، المقصود أن الصحابي إذا لم يعرف بالأخذ عن أهل الكتاب وقال قولًا لا مجال للرأي فيه، والمسألة مفترضة فيمن لا يفتري، صحابي، فلم يبق إلا أن يكون تحمله عن النبي -﵊-.
(النوع التاسع: المرسل)
[ ٤ / ١٢ ]
قال ابن الصلاح: وصورته التي لا خلاف فيها: حديث التابعي الكبير الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب، وأمثالهما، إذا قال: قال رسول الله -ﷺ-، قال: والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك، وحكى ابن عبد البر عن بعضهم: أنه لا يعد إرسال صغار التابعين مرسلًا، ثم إن الحاكم يخص المرسل بالتابعين، والجمهور من الفقهاء والأصوليين يعممون التابعين وغيرهم.
قلت: كما قال أبو عمرو بن الحاجب في مختصره في أصول الفقه: المرسل قول غير الصحابي: قال رسول الله -ﷺ-، هذا ما يتعلق بتصوره عند المحدثين، وأما كونه حجةً في الدين، فذلك يتعلق بعلم الأصول، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا (المقدمات)، وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه: أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة، وكذا حكاه ابن عبد البر عن جماعة أصحاب الحديث، قال: وقال ابن الصلاح: وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه، هو الذي استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث ونقاد الأثر، وتداولوه في تصانيفهم، قال: والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما في طائفة، والله أعلم.
قلت: وهو محكي عن الإمام أحمد بن حنبل في رواية، وأما الشافعي فنص على أن مرسلات سعيد بن المسيب حِسان، قالوا: لأنه تتبعها فوجدها مسندة، والله أعلم.
والذي عول عليه كلامه في الرسالة إن مراسيل كبار التابعين حجة إن جاءت من وجهٍ آخر ولو مرسلة، أو اعتضدت بقول صحابي أو أكثر العلماء، أو كان المرسل لو سمى لا يسمي إذا سمى إلا ثقة، فحينئذٍ يكون مرسله حجة، ولا ينتهض إلى رتبة المتصل، قال الشافعي، وأما مراسيل غير كبار التابعين فلا أعلم أحد قبلها، قال ابن الصلاح: وأما مراسيل الصحابة كابن عباس وأمثاله، ففي حكم الموصول؛ لأنهم إنما يروون عن الصحابة وكلهم عدول، فجهالتهم لا تضر، والله أعلم.
[ ٤ / ١٣ ]
قلت: وقد حكى بعضهم الإجماع على قبول مراسيل الصحابة، وذكر ابن الأثير وغيره في ذلك خلافًا، ويحكى هذا المذهب عن الأستاذ أبي إسحاق الاسفرايني، لاحتمال تلقيهم عن بعض التابعين، وقد وقع رواية الأكابر عن الأصاغر، والآباء عن الأبناء، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
تنبيه: والحافظ البيهقي في كتابه (السنن الكبير) وغيره يسمي ما رواه التابعي عن رجل من الصحابة مرسلًا، فإن كان يذهب مع هذا إلى أنه ليس بحجة فيلزمه أن يكون مرسل الصحابة أيضًا ليس بحجة، والله أعلم.
المرسل: جمعه مراسل ومراسيل مثل مساند ومسانيد، ومفاتح ومفاتيح، مأخوذ من الإرسال وهو الإطلاق ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ﴾ [(٨٣) سورة مريم] في حديث عمر لما سمع القراءة على خلاف ما سمعها من النبي -﵊- وقال النبي -﵊-: «أرسله» يعني أطلقه، ثم أمره بالقراءة وأمر عمر أن يقرأ وقال: «هكذا أنزل» فهو مأخوذ من الإرسال الذي هو الإطلاق، أو من قولهم: ناقة مرسال، أي سريعة السير، أو من قولهم: جاء القوم إرسالًا يعني متفرقين، المقصود أن المرسل له عدة إطلاقات، لكنه في الاصطلاح مختلف فيه أيضًا.
يقول: "صورته التي لا خلاف فيها حديث التابعي الكبير الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم" حديث التابعي الكبير يعني الذي يرفعه التابعي الكبير إلى النبي -﵊- هذا لا خلاف فيه، يعني وما عدا هذه الصورة من الصور مختلف فيه، فما رفعه التابعي الصغير إلى النبي -﵊- مختلف فيه، والانقطاع في أثناء السند يسميه بعضهم مرسل مختلف فيه، ما أبهم فيه الصحابي عن رجل صحب النبي -﵊- كقول البيهقي مرسل مختلف فيه، لكن الصورة التي لا خلاف في إطلاق الإرسال عليها هو ما رفعه التابعي الكبير إلى النبي -﵊-، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب وأمثالهم، فمثل هؤلاء إذا قالوا: قال رسول الله -ﷺ- فهو مرسل اتفاقًا، ولكن الأكثر والمشهور عند أهل العلم التسوية بين التابعين أجمعين، سواء في ذلك صغارهم وكبارهم ومتوسطيهم.
[ ٤ / ١٤ ]
مرفوع تابعٍ على المشهورِ مرسل أو قيده بالكبيرِ
أو سَقْطُ راوٍ منه ذو أقوالِ والأول الأكثر في استعمالِ
"وحكى ابن عبد البر عن بعضهم: أنه لا يعد إرسال صغار التابعين مرسل" لا يعد إرسال صغار التابعين مرسل، إن كان القصد من حيث التسمية هذا شيء، إن كان القصد أيضًا من حيث الحكم؛ لأن إرسال كبار التابعين الذي يغلب على الظن أن هذا التابعي إنما تلقاه عن صحابي، أما الصغير يحتمل أنه سمعه من تابعي كبير، وهذا التابعي الكبير رواه عن تابعي احتمال أيضًا، كما سيأتي في بيان حكمه، فما رفعه التابعي عن النبي -﵊- هو المرسل، والمشهور عند أهل العلم استواء الصغار والكبار في ذلك.
يقول: "ثم إن الحاكم يخص المرسل بالتابعين، والجمهور من الفقهاء والأصوليين يعمون التابعين وغيرهم" يعني ما رفعه إلى النبي -﵊- من دون التابعي يسمى مرسل، بل بعضهم ما سقط من إسناده راوي فيعم جميع أنواع الانقطاع يسميه إرسال، لا شك أن هذا التعريف اللغوي يساعد على هذا، لكن العبرة بأهل الاصطلاح، العبرة بأهل الاصطلاح، جمهورهم على أن المرسل ما رفعه التابعي إلى النبي -﵊-، يقول الحافظ ابن كثير: قلت: قال أبو عمرو بن الحاجب في مختصره في أصول الفقه: المرسل قول غير الصحابي: قال رسول الله -ﷺ- فيشمل التابعي ومن دونه، ويشمل أيضًا من تأخر زمنه، إذا أضاف إلى النبي -﵊- قولًا يسمى مرسل، على كلامه.
[ ٤ / ١٥ ]
يقول: "هذا ما يتعلق بتصوره عند المحدثين" فالمرسل مختلف في حده، ما رفعه التابعي الكبير إلى النبي -﵊-، ما رفعه التابعي مطلقًا سواء كان كبيرًا أو صغيرًا إلى النبي -﵊-، ما سقط من أثناء إسناده أو من إسناده راوٍ أو أكثر، "وأما كونه حجةً في الدين فذلك يتعلق بعلم الأصول وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا (المقدمات) " وهذا الكتاب لا وجود له فيما نعرف، الاحتجاج بالمرسل مسألة خلافية، طال فيها الخلاف بين أهل العلم، فمذهب مالك وأبي حنيفة الاحتجاج بالمراسيل، الشافعي اشترط لقبوله شروط على ما سيأتي، وأحمد في المشهور عنه رد المراسيل، وهكذا من جاء بعدهم، فنلاحظ التسلسل الزمني، كل ما تقادم العهد قبل المرسل، وإذا تأخر رد المرسل، حتى نقل ابن عبد البر عن التابعين بأسرهم أنهم يقبلون المراسيل، التابعين بأسرهم يقبلون المراسيل، وأنه لم يعرف الخلاف بذلك إلى رأس المائتين، يعني حتى جاء الإمام الشافعي، يعني من قبل الإمام الشافعي كلهم يقبلون المراسيل، الإمام الشافعي توسط فقبله بشروط، من جاء بعد الشافعي ردوا المراسيل.
واحتج مالك كذا النعمانُ به وتابعوهما ودانوا
ورده جماهرُ النقادِ للجهل بالساقط في الإسنادِ
يعني جماهر النقاد يعني من بعد الشافعي، أما من قبل الشافعي يعني إلى رأس المائتين فجماهير الأمة على قبول المراسيل، نقل عن سعيد أنه يرد المراسيل، وهذا في مقدمة التمهيد أيضًا، وإن كان في ثبوته من قوله فيه نظر، لكن قد يكون بفعله رد بعض الأخبار على بعض التابعين، احتمال.
ورده جماهرُ النقادِ للجهل بالساقط في الإسنادِ
وصاحب التمهيد عنهم نقلهْ ومسلم صدر الكتاب أصلهْ
[ ٤ / ١٦ ]
قلنا: إذا كان التابعي يرفع الخبر إلى النبي -﵊- الاحتمال الأقوى أن هذا التابعي سمعه من صحابي، والصحابة كلهم عدول، فكيف نرد؟ قالوا: الاحتمال الآخر أن التابعي سمعه من تابعيٍ آخر، والتابعي سمعه من تابعيٍ ثالث، والتابعي الثالث من رابع إلى ستة، وقد وجد في إسناد حديث ستة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، في حديث يتعلق بسورة الإخلاص مخرج في المسند وفي سنن النسائي، وهؤلاء التابعون فيهم من هو ضعيف؛ لأن التابعين ليس كلهم ثقات، بل فيهم المتكلم فيه، وإذا وجد هذا الاحتمال لم توجد غلبة الظن بثبوت الخبر، وحينئذٍ يكون من قسم الضعيف.
صاحب التمهيد عنهم نقلهْ ومسلم صدر الكتاب أصلهْ
وإن كان ليس من قوله، مسلم ليس من قوله، وإنما ذكره على لسان خصمه، مسلم ذكر الكلام على لسان خصمه، ماذا يقول مسلم؟ يقول: "إن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم في الأخبار ليس بحجة" هذا ليس من قول مسلم، وإنما الخصم الذي رد عليه مسلم في المقدمة قال هذا الكلام، ولم يعترض عليه.
يقول ابن الصلاح: "وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث، ونقاد الأثر، وتداولوه في تصانيفهم" نعم هو الذي استقر عليه الاصطلاح، قال:
ورده جماهرُ النقادِ . . . . . . . . .
النقاد نقاد الحديث، صيارفته، جلهم بعد الشافعي، الإمام أحمد، البخاري، المديني، يحيى بن معين، ابن أبي حاتم، أبو زرعة، الدارقطني، كلهم بعد الشافعي، قال: "والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة"، مقرر في كتب المالكية، في كتب الحنفية أيضًا، "وأصحابها في طائفةٍ، والله أعلم".
بل نقل ابن عبد البر عن الطبري أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل، ولم يأتِ عنهم إنكاره ولا عن أحدٍ من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، هذا الإجماع نقله ابن عبد البر في مقدمة التمهيد عن الطبري، ونقل ابن عبد البر أيضًا خلاف سعيد فهل يستدرك على الطبري بقول سعيد؟
[ ٤ / ١٧ ]
الجواب: لا يستدرك على الطبري، لماذا؟ لأن الطبري يرى أن الإجماع قول الأكثر، الإجماع قول الأكثر وليس بقول الجميع، إنما قول الأكثر يعد إجماعًا، ولذا تفسيره مملوء بقوله: "اختلف القرأة في كذا" ثم يسرد القول الأول ويذكره لأكثر العلماء، ثم يذكر القول الثاني المخالف، ثم يقول بعد ذلك: "والصواب في ذلك عندنا كذا لإجماع القرأة على ذلك"، إجماع، وهو ساق الخلاف، لكن باعتبار قول الأكثر يسميه إجماع، وهذا من باب الاستطراد للفائدة.
يقول: إذا كان الساقط في المرسل هو الصحابي أليس جهالة الصحابي لا تضر؟ فلماذا لم يقبل المرسل خصوصًا إذا كان المرسل من كبار التابعين؟ هذا يقول: سؤال عاجل.
احتمال أن يكون الساقط من الصحابة، واحتمال أن يكون التابعي قد رواه عن تابعي آخر، وهذا التابعي احتمال أن يكون رواه عن تابعي ثالث، ذكرنا هذا فيما تقدم، وذكرنا أن حديث في فضل سورة الإخلاص مخرج في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي فيه ستة من التابعين، وهذا أنزل إسناد في الدنيا ولا نظير له، ستة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، لو قدرنا أن التابعي رفعه إلى النبي -﵊- قلنا: مرسل، لكن فيه خمسة من التابعين سقطوا، حال هؤلاء الخمسة؟ هل نجزم أن هؤلاء الخمسة كلهم ثقات؟ لا، خمسة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهذا موجود، أربعة من التابعين كثير، أكثر من ذلك الثلاثة، المقصود أنه لا يتحتم أن يكون التابعي رواه عن الصحابي وأسقط الصحابي، وإلا لو جزمنا بذلك قلنا: أن جهالة الصحابي لا تضر، لكن ليس الأمر كذلك.
[ ٤ / ١٨ ]
يقول: "قلت: وهو محكي عن الإمام أحمد في رواية" المذكورة في المسودة لآل تيمية، قبول المراسيل، "وأما الشافعي فنص على أن مرسلات سعيد بن المسيب حسان"، نعم قال: "وإرسال ابن المسيب عندنا حسن" في المختصر للمزني في الجزء الثامن من الأم، صفحة (٧٨) "إرسال ابن المسيب عندنا حسن، قالوا: لأنها تتبعها فوجدها مسندة"، الشافعي -﵀- يشترط لقبول المرسل شروط منها: ما يتعلق بالمرسِل، ومنها: ما يتعلق بالخبر المرسَل، فلا بد أن يكون المرسِل من كبار التابعين، وأن يكون ثقة، وأن يجيء الخبر المرسل من وجهٍ آخر ولو مرسل يرويه غير رجال المرسل الأول، وأن يعتضد المرسل بقول الصحابي أو أكثر العلماء يفتي به عوام أهل العلم كما نص على ذلك في الرسالة.
"أو كان المرسل إذا سمى لا يسمى إلا ثقة"، يعني لا يرسل عن كل أحد، لا يرسل إلا عن الثقات، "فحينئذٍ يكون مرسله حجةً، ولا ينتهض إلى رتبة المتصل"، فالمرسل وإن توافرت فيه هذه الشروط، واحتج به الإمام الشافعي إلا أنه دون المتصل، وإن شذّ بعضهم فرجح المرسل على المتصل، وهذا نقله ابن عبد البر وغيره عن بعضهم، لكنه شذوذ، قال الشافعي: "وأما مراسيل غير كبار التابعين فلا أعلم أحدًا قبلها"، الذين أطلقوا كابن عبد البر والطبري وغيرهم أن من قبل الشافعي كلهم يقبلون المراسيل، يعني هل مالك وأبي حنيفة قيدوا هذه المراسيل بأن تكون هذه المراسيل من مراسيل كبار التابعين؟ ليقول الشافعي: "وأما مراسيل غير كبار التابعين فلا أعلم أحدًا قبلها" يعني قول الإمام المطلع الكبير: لا أعلم كذا يدل على الإجماع؟ يساوي كلمة إجماع؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه على حسب علمه، ولذا قال الشافعي -﵀-: أنه لا يعلم أحدًا قال بزكاة البقر في أقل من ثلاثين مع أنه وجد من يقول بالعشر، وقول مالك: لا أعلم أحدًا قال برد اليمين، مع أن قضاة عصره يقولون برد اليمين، ابن شبرمة وابن أبي ليلى يقولون برد اليمين، على كل حال هذه المسألة، قول الشافعي: "لا أعلم أحدًا قبلها"، هو على حسب علمه، لا شك أنه إذا كان المرسل من كبار التابعين يغلب على الظن قلة الوسائط، بخلاف ما إذا كان المرسل من صغار التابعين.
[ ٤ / ١٩ ]
قال ابن الصلاح: "وأما مراسيل الصحابة كابن عباس وأمثاله ففي حكم الموصول؛ لأنهم إنما يروون عن الصحابة وكلهم عدول، فجهالتهم لا تضر"، مراسيل الصحابة، الصحابي يرسل إما لصغر سنه أو لتأخر إسلامه، أو لغيبته عن شهود الحادثة، حديث بدء الوحي ترويه عائشة قبل أن تولد بدء الوحي، لكن يغلب على الظن أنها سمعته منه -﵊-، لقوله في ذلك: «فغطني» أو «فغتني» غمني، فهي تحكي على لسانه -﵊-، ابن عباس أكثر ما قيل فيما سمعه من النبي -﵊- مباشرة الأربعين، حتى قيل أنها أربعة سمعها من النبي -﵊- مباشرة، فيوجد الإرسال عند الصحابة، لكن الصحابة كلهم عدول، ولذا أجمعوا على قبول مراسيلهم، نُقل الإجماع، نقل الإجماع أكثر من واحد، السرخسي نفى الخلاف، والأسنوي والنسفي نقلوا الإجماع وغيرهم.
يحكى عن أبي إسحاق الإسفرايني أنه رد مراسيل الصحابة كمراسيل غيرهم لاحتمال أن يكونوا رووا ذلك عن التابعين؛ لأنه وجدت رواية بعض الصحابة عن بعض التابعين، كما أنه وجدت رواية النبي -﵊- عن بعض الصحابة، فرواية الأكابر عن الأصاغر معروفة.
أما الذي أرسله الصحابي فحكمه الوصل على الصوابِ
"تنبيه: والحافظ البيهقي في كتابه (السنن الكبير) وغيره يسمي ما رواه التابعي عن رجل من الصحابة مرسلًا، فإن كان يذهب مع ذلك أنه ليس بحجة، فيلزمه أن يكون مرسل الصحابي أيضًا ليس بحجة" يعني من باب أولى يعني إذا ذكر التابعي عن رجلٍ صحب النبي -﵊- إذا كان البيهقي يسمي هذا مرسل، فالمرسل الذي لا خلاف فيه من باب أولى، يعني إذا ذُكر أن هذا الصحابي رأى النبي -﵊- أو سمعه من النبي -﵊- أو عمن صلى مع النبي -﵊- يسميه مرسل، والجمهور على أنه ليس بمرسل، بل هو متصل في إسناده مبهم، والمبهم مجهول وجهالة الصحابة لا تضر.
ورسموا منقطعًا عن رجلِ وفي الأصول نعته بالمرسلِ
يقول البرهان الحلبي:
قلت: الأصح أنه متصلُ لكن في إسناده من يجهلُ
[ ٤ / ٢٠ ]
الذي في إسناده مبهم متصل، والذي في إسناده راوٍ مبهم هو من قبيل المتصل وليس من قبيل المرسل، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول: ألا يؤخذ من كلام الحافظ ابن كثير -﵀- في الحديث الضعيف أنه أدخل في أقسامه الموضوع؟
هذا أخذ على من قبله كالخطابي وغيره الذين قالوا: شر الأحاديث الموضوع، ولا شك أن الموضوع حديث، على حسب الإطلاق الأعم بأن الحديث ما يتحدث به، أو على حسب زعم واضعه، على حد زعم واضعه هو يراه حديث، فيدخل في الأحاديث ويبين حكمه، فأدخله أهل العلم من هذه الحيثية في مباحث علوم الحديث.
يقول: هل تفسير الصحابي للحديث له حكم الرفع؟ خاصة إذا كان هو راويه؟
تفسير الصحابي إذا كان منشأه ومبعثه فهم الصحابي للنص فليس له حكم الرفع، أما إذا كان لا مجال للاجتهاد فيه؛ لأنه إخبار عن أمر مغيب فهذا له حكم الرفع.
يقول: هل هناك فرق بين المرفوع حكمًا أو له حكم الرفع؟
مرفوع حكمًا وله حكم الرفع لا فرق.
"ذبحنا فرسًا على عهد الرسول -ﷺ-" هل هذا مرفوع أم له حكم الرفع؟
هو له حكم الرفع؛ لأنه ما أضيف إلى النبي -﵊-، ما ذُكر فيه أنه اطلع عليه وأقره، لكن هو في عصره -﵊-، ولو كان مما لا يجوز لنبه عليه، كما في قول جابر -﵁-.
هذه أيضًا تقدمت.
يقول: أجود كتب القواعد، يقول: القواعد الشرعية، فهل المراد القواعد الفقهية؟
بالنسبة للقواعد خاصة بمذهب فلا أجود من كتاب القواعد لابن رجب، وهو على مذهب الحنابلة، كتاب نفيس، وأما بالنسبة للقواعد عامة فالأشباه والنظائر طيب في القواعد الكلية والأغلبية.
كتاب أعلام السنة المنشورة للشيخ حافظ الحكمي؟
كتاب أيضًا في العقائد نفيس.
يقول: ما أفضل شروح الألفية للعراقي؟
[ ٤ / ٢١ ]
أفضلها وأنفسها وأكثرها فوائد شرح السخاوي، وإن كان شرح المؤلف جيد، وفيه فوائد، وهو الأصل في الموضوع، لكن شرح السخاوي أكثر منه فوائد، لكنه أطول يحتاج إلى وقت، فتح الباقي للشيخ زكريا الأنصاري أيضًا فيه تنبيهات ولطائف لا توجد في الشرحين المذكورين.
يقول: أفضل طبعات زاد المعاد؟
إلى الآن طبعة الرسالة تحقيق الأرنؤوط جيدة لا بأس بها.
يقول: إذا كان هناك حديث ضعيف ووجد له شواهد وأحاديث، ولكن من نفس المستوى أي في الضعف، فهل تقوي بعضها بعضًا؟
إذا كان الضعف محتمل، إذا كان الضعف ليس بشديد نعم يقوي بعضها بعضًا.
يقول: هل يوجد في كتب السنن والمسانيد أحاديث موضوعة، ولماذا تدرج في الكتب، وهل كان أصحاب الكتب يعلمون بحالها؟
نعم، في السنن أحاديث ضعيفة شديدة الضعف، بل في بعضها ما هو موضوع، كسنن ابن ماجة مثلًا، وفي سنن الترمذي وهو من رواية متهم بالوضع، أما سنن النسائي وسنن أبي داود فهما أمثل بكثير من الترمذي وابن ماجة، في المسند أحاديث حكم بوضعها، وتحدثنا عن كتاب (القول المسدد) للحافظ ابن حجر أنه دافع عن المسند بقدر الإمكان، لكن يبقى أن فيه ما فيه، شيخ الإسلام -﵀- ذكر أن هناك مناظرة بين اثنين لعل أحدهما ابن الجوزي والثاني أبو العلاء الهمداني أحدهما ينفي أن يكون في المسند أحاديث موضوعة، والثاني يثبت، الشيخ -﵀- قال: كلاهما صواب، أما وجود الموضوع الذي أخطأ فيه راويه، هذا موجود، ونفي الموضوع الذي تعمد راويه وضعه هذا صحيح، الإمام أحمد لا يروي عن من يتعمد الكذب، لكن يروي عن من يقع منه الخطأ.
يقول: أيهما أفضل حفظ ألفية السيوطي أو ألفية العراقي؟
بيّنت مرارًا وفي مناسبات أن ألفية العراقي هي الأصل، وإمامة العراقي لا ينازع فيها أحد، نعم في ألفية السيوطي أنواع زائدة تؤخذ منه، وما عدا ذلك ألفية العراقي هي الأصل.
يقول: نراك تستشهد بألفية العراقي في المصطلح هل تنصح بحفظها أو بحفظ ألفية السيوطي؟
هذا مثلما سبق، ألفية العراقي هي الأصل.
يقول: شرح ابن بطال لصحيح البخاري ما قيمته العلمية؟
[ ٤ / ٢٢ ]
شرح من الشروح وهو من الشروح المتقدمة التي اعتمد عليها الشراح ممن جاء بعده كالكرماني وابن حجر والعيني والقسطلاني وغيره، على كل حال هو شرح يستفاد منه، لكن المقل من اقتناء الكتب لا يحتاج إليه مع وجود فتح الباري، أما الذي يريد أن يجمع فهو أصل، كتاب يحتاج إليه طالب العلم.
يقول أيضًا: ما صحة حديث: «كل كلام لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر»؟
«كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله » حسنه أهل العلم، وأما بقية الألفاظ ففيها مقال، والألباني -﵀- حكم على الحديث بجميع طرقه وألفاظه بالضعف، لكن حسنه النووي وغيره.
يقول: نريد التفريق بين الصحيح والمسند والمتصل والمرفوع، حيث قد حصل عندي لبس، وهل المسند والمتصل والمرفوع أحاديث صحيحة أم لا؟
الصحيح سبق تعريفه، ما رواه عدل تام الضبط بسندٍ متصل غير معلل ولا شاذ، المسند: ما اتصل إسناده أو هو المرفوع على الخلاف في ذلك، أو المتصل المرفوع، والمتصل المرفوع، يقول: في أحاديث صحيحة؟ فيما اتصل إسناده ما هو صحيح، وفيه ما هو ضعيف، المرفوع أيضًا منه الصحيح والضعيف والحسن والموضوع أيضًا، وهكذا ..
هل خُرج في الصحيحين لأناس من أهل البدع؟
نعم، في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة إلى بدعهم، ومعروف أن البدع منها ما هو خفيف، ومنها ما هو شديد مخرج عن الملة، هذا لا يخرجون لهم، لكن البدعة الصغرى يخرجون لأهلها، أما البدع الكبرى فلا، الحافظ الذهبي بيّن التفريق بين البدع سواء كانت الصغرى أو الكبرى في مقدمة الميزان، في أوائل الميزان.
يقول: سمعت أن حديث: «من جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس »؟
[ ٤ / ٢٣ ]
أما الجلوس في المصلى بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس فهو ديدنه -﵊-، كما ثبت عنه في الصحيح، وأما الأجر والثواب المرتب على الجلوس بعد صلاة الصبح أنه له أجر عمرة أو حجة تامة، هذا محل خلاف بين أهل العلم، منهم من صححه، ومنهم من ضعفه، والأقرب تحسينه، الحديث لا ينزل عن درجة الحسن، وعلى كل حال جاء عن السلف التحذير من النوم بعد صلاة الصبح، والتشديد في ذلك، وهذا معروف، هذا هجير أهل العلم وديدنهم، حفظ هذا الوقت، والله المستعان.
يقول: سمعت أن البخاري خرج للذي قال شعرًا في مدح قاتل علي؟
[ ٤ / ٢٤ ]
إذا كان هذا صحيح فلا يكون قد خرج عن الداعية، لمن يدعو إلى بدعته، على كل حال عمران بن حطان مخرج له في الصحيح، متابعة وليست أصل، لا شك أنه مدح قاتل علي، معروف أنه من الخوارج، والخوارج من أبعد الناس عن الكذب؛ لأنهم يرون الكذب كبيرة والكبيرة يكفر مرتكبها عندهم، فالصدق متوفر، ولذا يقول الحافظ ابن حجر: "وما المانع أن يخرج له وقد عرف بصدق اللهجة" وتعقّبه العيني بقوله: "وأي صدقٍ في لهجة مادح قاتل علي" في كلام يطول لأهل العلم، لكن ومع ذلك هو صادق اللهجة؛ لأنه نصر ما يراه حق، هذه عقيدته، والخوارج كما قرره أهل العلم من أبعد الناس عن الكذب، إضافةً إلى أن خبره مخرج في الشواهد، وليس في الأصول، ومنهم من يقول: أنه رجع عن بدعته، ومنهم من يقول: أن الحديث قد تحمل عنه قبل ارتكابه هذه البدعة، معروف أنه لم يرتكب مذهب الخوارج إلا في وقتٍ متأخر، لما أراد أن يتزوج من امرأةٍ جميلة، وهي على مذهب الخوارج قالت: لا أريد أن أتزوج، أو هو تزوجها بنية دعوتها إلى المذهب الحق، لكن ما زالت به حتى ترك المذهب الحق إلى مذهب الخوارج، وهذا فيه تنبيه لمن يقول: أنه يطلب الجمال والدين يأتي فيما بعد بالدعوة، هذا ليس بصحيح، فكم من شخص ضل بسبب هذا التصرف، يقول: الآن الجمال ما يعوض لكن الدين بالدعوة، نأخذ أجر الدعوة، ونستفيد من الجمال، هذا الكلام ليس بصحيح، الرسول -﵊- يقول: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» نعم الجمال مطلب، الحسب مطلب، لا شك، المال أيضًا مطلب عند بعض الناس، لكن الأصل هو الدين فلا يقدم عليه غيره، والله المستعان.
يقول: هل هناك طبعة لصحيح الإمام البخاري في خمسة مجلدات بعناية مصطفى البغاء؟
[ ٤ / ٢٥ ]
نعم، هي موجودة، يقابل ما فيها بصحيح مسلم، يعني يذكر ما وافقه على تخريجه مسلم، وميزة هذه الطبعة الإحالات على السابق وعلى اللاحق؛ لأن فؤاد عبد الباقي -﵀- ذكر الأطراف والإحالة إلى اللاحق دون السابق، وميزة طبعة البغاء هذه الإحالة إلى السابق كاللاحق، وهذه ميزة طيبة لكن يبقى أنها ليست أفضل الطبعات، ليس هي أفضل الطبعات بل فيها أوهام، أدق وأفضل طبعات صحيح مسلم الذي يصبر على قراءة الحواشي فأفضل الطبعات المطبوعة على هامش إرشاد الساري، الطبعة السابقة.
الأسئلة كثيرة ولا تنتهي.
يقول: بحثنا عن شروح لكتب المصطلح في السوق؟
يعني التي أحلت عليها كثيرًا مما سجل عني لم نجد شرحًا إلا شرح متن نخبة الفكر ولم يكتمل، إلى الآن ما بعد نزلت التسجيلات وهي كاملة يعاد النظر فيها وترتب وتصفى وتخرج قريبًا -إن شاء الله-، ويعاد النظر فيها أيضًا من جهة ثانية وتطبع قريبًا -بإذن الله تعالى-.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأتم التسليم، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمنا الله وإياه والمسلمين أجمعين-:
(النوع العاشر: المنقطع)
قال ابن الصلاح: وفيه في الفرق بينه وبين المرسل مذاهب.
قلت: فمنهم من قال: هو أن يسقط من الإسناد رجل، أو يذكر فيه رجل مبهم.
ومثَّل ابن الصلاح الأول بما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة مرفوعًا: «إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين » الحديث، قال: فقيه انقطاع في موضعين: أحدهما: أن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري، إنما رواه عن النعمان بن أبي شيبة الجَنَدي عنه، قال والثاني: أن الثوري لم يسمعه من أبي إسحاق إنما رواه عن شريك عنه، ومثَّل الثاني: بما رواه أبو العلاء بن عبد الله بن الشخير عن رجلين عن شداد بن أوس، حديث: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر»، ومنهم من قال: المنقطع مثل المرسل، وهو كل ما لا يتصل إسناده، غير أن المرسل أكثر ما يطلق على ما رواه التابعي عن رسول الله -ﷺ-.
[ ٤ / ٢٦ ]
قال ابن الصلاح: وهذا أقرب، وهو الذي صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الخطيب البغدادي في كفايته، قال: وحكى الخطيب عن بعضهم: أن المنقطع ما روي عن التابعي فمن دونه، موقوفًا عليه من قوله أو فعله، وهذا بعيد غريب، والله أعلم.
يقول الحافظ -﵀-: "النوع العاشر: المنقطع"، وهو اسم فاعل من الانقطاع ضد الاتصال، فالأصل في المنقطع أنه ما يقابل المتصل، على أي وجهٍ كان انقطاعه، سواء كان حذف من مبادئ السند، أو من أثنائه، أو من آخره راوٍ أو أكثر من راوي، على التوالي أو على التفريق، ما دام الانقطاع يقابل الاتصال هذا هو الأصل فيه، لكن أهل الاصطلاح خصصوا كل نوعٍ من الانقطاع باسمٍ خاص، فجعلوا المرسل ما سقط من أعلى سنده، ما رفعه التابعي إلى النبي -﵊-، وجعلوا المعلق ما حذف من مبادئ إسناده من جهة المصنف، وجعلوا المعضل ما سقط منه اثنين فأكثر على التوالي، وبقي ما يحتمل من الصور، خصوا باسم المنقطع، أخرجوا هذه الصور الثلاث عن عموم الانقطاع وسموا كل صورةٍ باسمها الخاص، فبقي ما عدا ذلك على الأصل، وعلى هذا يكون تعريف المنقطع ما حذف من أثناء إسناده ليخرج بذلك المعلق والمرسل راوٍ واحد، أو أكثر من راوي لا على التوالي، يعني في أكثر من موضع ليخرج بذلك المعضل، هذا الذي استقر عليه الاصطلاح عند أهل العلم، وإن كان الخلاف أيضًا قائمًا بينهم وبين غيرهم من الفقهاء والأصوليين عند أهل الحديث وغيرهم.
فيقول ابن الصلاح: "وفيه في الفرق بينه وبين المرسل مذاهب"، يقول الحافظ ابن كثير: "قلت: فمنهم من قال: هو أن يسقط من الإسناد رجل"، يسقط من الإسناد رجل من أي موضع؟ من مبادئه هذا المعلق، من آخره هذا المرسل، من أثنائه هذا هو المنقطع، "أو يذكر فيه رجل مبهم"، عرفنا أن ما يذكر فيه رجل مبهم لا يسمى منقطع بل متصل، إسناده متصل لكن يبقى الإبهام جهالة في حال الراوي، جهالة ذات للراوي، لا نقول: جهالة عين وجهالة حال إنما هي جهالة ذات.
ثم ذكر مثالين نقلا ًعن ابن الصلاح مثل ابن الصلاح للأول بما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق، نعم هذا ينطبق عليه حد المنقطع، لماذا؟
[ ٤ / ٢٧ ]