[ ١٤ / ١٤ ]
النوع الثاني والثلاثون: معرفة غريب ألفاظ الحديث، وهو من المهمات المتعلقة بفهم الحديث والعلم والعمل به، لا بمعرفة صناعة الإسناد وما يتعلق به.
قال الحاكم: أول من صنف في ذلك النضر بن شُميل، وقال غيره: أبو عبيدة معمر بن المثنى. وأحسن شيء وضع في ذلك كتاب أبي عبيد القاسم بن سلَّام، وقد استدرك عليه ابن قتيبة أشياء، وتعقبهما الخطابي فأورد زيادات.
وقد صنف ابن الأنباري المتقدم وسُليم الرازي وغير واحد في ذلك كتبًا، وأجل كتابٍ يوجد فيه مجامع ذلك كتاب: (الصحاح) للجوهري، وكتاب: (النهاية) لابن الأثير -رحمهما الله تعالى-.
النوع الثاني والثلاثون: "معرفة غريب ألفاظ الحديث" الذي تقدم غريب الحديث، ويبحث في الأسانيد، وهنا غريب الألفاظ، الغريب من ألفاظ الحديث، وهذا يبحث في المتن، وهو من أهم المهمات لمن أراد الدراية وفهم الأخبار، والاستنباط منها، وهو فنٌ على أهميته وشدة الحاجة إليه إلا أنه ينبغي لطالب العلم أن يحتاط لدينه، وأن يتحرى في ذلك، ويتوقى أشد التوقي، ولا يتكلم في معاني الأحاديث إلا بعلم؛ لأنه يزعم بكلامه من غير علم أن هذا هو مراد النبي -﵊- المبلغ عن الله، وعرف عن السلف شدة الاحتياط في هذا الباب.
والإمام أحمد -رحمه الله تعالى- على ما عرف به من الورع، وشدة الاحتياط يقول في هذا الباب: إنه ينبغي أو لا يجوز لطالب الحديث أن يقول فيه برأيه كالقرآن سواءً بسواء؛ لأنه كله شرع؛ فإذا قلت: معنى هذا الحديث كذا فأنت تزعم أن الشرع قال كذا، كما أنك إذا قلت: معنى الآية كذا فأنت تزعم أن الله -﷾- أراد بقوله كذا وكذا، وقد جاء التحذير الشديد في من فسر القرآن برأيه، فحريٌ بطال العلم التحري والتوقي، وشدة الورع في هذا الباب، ولما سئل الأصمعي عن معنى: «الجار أحق بصقبه» على أنه يحفظ لغة العرب، قلّ أن يوجد له نظير في هذا الباب، كلام الرسول -﵊- عربي، سئل عن «الجار أحق بصقبه» قال: أنا لا أفسر حديث رسول الله -ﷺ-، لكن العرب تزعم أن الصقب: اللزيق، يعني الجار الملاصق.
[ ١٤ / ١٥ ]
كم يحفظ الأصمعي من قصيدة؟ ستة عشر ألف قصيدة، بعضها يبلغ المائتي بيت، كلها عن العرب الأقحاح ويقول هذا الكلام، وعندنا آحاد المتعلمين لا يتردد في بيان معاني الشرع، معاني النصوص من غير مستند، هذا دليلٌ على الجهل، والله المستعان، فعلينا أن نعتني بهذا الباب، وليس معنى هذا أننا نترك هذا يحثنا على إيش؟ أن نطالع في كتب الغير، ونستفيد منها، وما قاله أهل العلم في معاني كلام الرسول -﵊-.
"قال الحاكم: أول من صنف في ذلك -في غريب الحديث- النضر بن شميل، وقال غيره: أبو عبيدة معمر بن مثنى" على كل حال صنف في هذا العلم جمعٌ يضمهم عصرٌ واحد، فلا يدرى أيهم السابق.
يقول: "وأحسن شيء وضع في ذلك كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام" وهو إمام، ومحله في معرفة النصوص ومعرفة الآثار، وأقوال الصحابة ومن بعدهم، ومنزله في الدين وإمامته معروفة لدى الخاص والعام، فينبغي أن يعتنى بكتابه، "وقد استدرك عليه ابن قتيبة أشياء" واستُدرك على ابن قتيبة أشياء، على كل حال هذه الكتب تنبغي العناية بها، وليس مؤلفيها من أهل العصمة لكي يقال: كيف يستدرك على فلان؟ كيف يستدرك على علان؟ لا، كلٌ قابل لأن يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي -﵊-.
"فأورد زيادات، وقد صنف ابن الأنباري المتقدم، وسُليم الرازي وغير واحد" ألفت كتب كثيرة في غريب الحديث، وطبع منها مجموعة من الكتب، يستفاد أيضًا من غريب الحديث من غير كتب الحديث، من كتب اللغة يستفاد، لكن ينبغي أن نعتني ونتهم بكتب المتقدمين الذين لم يتأثروا بالمذاهب لا الكلامية ولا الفرعية؛ لأن من تأثر بالمذاهب أثر ذلك في اختياره المعنى المناسب للمقام؛ لأن كل كلمة يأتي لها معاني عن العرب، لكن ما المعنى المناسب لهذا السياق؟ المعنى المناسب للسياق لا شك أنه لا يستطيع تحديده من تخصص باللغة فقط، كما أنه لا يستطيع تحديده من تخصص بالحديث فقط، وهو لا يعرف من لغة العرب شيئًا، فلا بد لمن يتصدى لهذا الشأن أن يكون ممن جمع بين الأمرين معًا، لا بد أن يكون على قدرٍ كبير من معرفة لغة العرب، وأن يكون عارف بالحديث وطرقه ورواياته؛ لكي يختار اللفظ المناسب في السياق المناسب، أو للسياق المناسب.
[ ١٤ / ١٦ ]
حينما نأتي إلى لفظة في الحديث ونأتي إلى كتاب صنف في غريب كتب الفقه مثلًا (المصباح المنير)، أو (تهذيب الأسماء واللغات) مثلًا، أو (المطلع)، أو (المغرب) للمطرزي أو غيرها من الكتب التي تعتني بغريب كتب الفقه، لا شك أنها تبين معاني الكلمات، وهي نافعة في الجملة، لكن لا شك أن لمذهب المؤلف أثر في الكتاب، ولو أتينا إلى تعريف النبيذ الوارد، ونظرنا إلى تعريفه في كتب غريب الحديث التي ألفها بعض الحنفية كالزمخشري مثلًا، يختلف اختياره عن تأليف من اعتنق مذهب الشافعي، يختلف اختياره عمن يتبع الإمام مالك، وهكذا تبعًا لاختلاف مذاهبهم الفرعية، وقل مثل ذلك في تأثير المذاهب الكلامية.
مما ينبغي أن يعتنى به كتاب تذهيب اللغة للأزهري، هذا كتاب من أهم المهمات في الباب، وليس مؤلفه بمعصوم، لكنه كتاب قديم، ومؤلفه إمام، كتب أبي عبيد أيضًا ينبغي أن يعتنى بها، وهنا ذكر: "وأجلُّ كتاب يوجد فيه مجامع ذلك كتاب: (الصحاح) للجوهري" الصحاح للجوهري كتاب قيم ونفيس، واحتذي، أُلف بعده كتب سلكت مسلكه، لكن لا يسلم من أوهام، كتاب لا يسلم من أوهام.
في حديث المواقيت مثلًا، قرن المنازل، «ولأهل نجدٍ قرنا» قال: هو قرن الثعالب، استُدرك عليه، قال: وينسب إليه أويس القرني واستدرك عليه، قرن: قبيلة، ليس منسوب أويس إلى هذا المكان، نعم، هو قرَني وليس بقرْني، المقصود أن هذه الكتب يستفاد منها، وأيضًا يستفاد من تعقبات هذه الكتب، وما من كتاب إلا وفيه الخير الكثير، لكن لا يسلم إلا كتاب الله، المقصود أن هذه الكتب مفيدة ومهمة ونافعة، ومما ينبغي أن يعتنى به أيضًا كتاب: (المحكم) لابن سيدة و(المخصص) له، والكتب الكبيرة مثل: (لسان العرب) أيضًا يستفاد منه، وإن كان من المتأخرين إلا أنه جمع، وأطول كتابٍ في اللغة كتاب إيش؟ (تاج العروس) يقول أهل العلم: إن فيه مائة وعشرين ألف مادة، (اللسان) على سعته فيه إيش؟ كم؟ ثمانين ألف مادة، و(القاموس) فيه ستين ألف على اختصاره، المقصود أن هذه الكتب متفاوتة فيستفاد منها.
[ ١٤ / ١٧ ]
وأجمع كتاب في غريب الحديث هو: (النهاية) لابن الأثير، جمعت الكتب المتقدمة وزادت عليها، المقصود أن هذا كتاب من أراد أن يقتصر على كتاب في الباب واحد فعليه بالنهاية، من أراد أن يجمع هذه الكتب كلها ويستفيد منها فهناك كتب أخرى أيضًا: (الدلائل) للقاسم بن ثابت وأبيه ثابت، هذا كتاب نفيس جدًا، طُبع قطعة منه حققت وطبعت، لكن ما يزال بقية الكتاب مخطوط، نعم.