النوع الحادي والثلاثون: معرفة الغريب والعزيز، أما الغرابة فقد تكون في المتن بأن يتفرد بروايته راوٍ واحد، أو في بعضه كما إذا زاد فيه واحد زيادة لم يقلها غيره، وقد تقدم الكلام في زيادة الثقة.
وقد تكون الغرابة في الإسناد كما إذا كان أصل الحديث محفوظًا من وجه آخر أو وجوه، ولكنه بهذا الإسناد غريب.
فالغريب: ما تفرد به واحد، وقد يكون ثقة، وقد يكون ضعيفًا، ولكل حكمه، فإذا اشترك اثنان أو ثلاثة في روايته عن الشيخ سمي: (عزيزًا)، فإن رواه عنه جماعة سمي: (مشهورًا) كما تقدم، والله أعلم.
[ ١٤ / ١٢ ]
يقول -﵀-: "معرفة الغريب والعزيز" هما متمما قسمة الآحاد القسمة الثلاثية، فالآحاد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: المشهور والعزيز والغريب، الغرابة قد تكون في المتن، يعني بجملته بأن يتفرد بروايته راوٍ واحد، ومثاله بل من أوضح أمثلته حديث: «إنما الأعمال بالنيات» تفرد بروايته عن النبي -﵊- عمر بن الخطاب، وتفرد بروايته عن عمر علقمة بن وقاص الليثي، وعنه تفرد محمد بن إبراهيم التيمي، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري متفردًا به، ثم عن يحيى بن سعيد انتشر، فهذا من أوضح الأمثلة للغريب، بل هو من غرائب الصحيح التي يرد بها على من قال: إن شرط البخاري ألا يروي ما تفرد به الواحد عن الواحد.
"أو في بعضه" قد يتفرد الراوي ببعض الحديث، بجملة من جمل الحديث، وإن كان له ما يشهد له عند غيره في باقي جمله.
كما إذا زاد فيه واحد زيادة لم يقلها غيره، وهذه الزيادة تقدم حكمها في زيادة الثقة، وأحيانًا تدل القرائن على أن هذه الزيادة محفوظة فيحكم بصحتها، وأحيانًا يحكم بشذوذها، يحكم أهل العلم بأنها غير محفوظة تبعًا للقرائن، ولا يحكم في ذلك بحكمٍ عام مطرد، كما هو معروف.
وقد تكون الغرابة في الإسناد، كما إذا كان أصل الحديث محفوظًا من وجه، أو من وجوه، لكنه بهذا الإسناد غريب، الغرابة: غرابة مطلقة وغرابة نسبية، قد يتفرد بهذا الحديث راوٍ واحد عن جميع الرواة، فهذه غرابة مطلقة، قد تطلق الغرابة المطلقة ويراد بها الفرد، وهي ما إذا كان التفرد في أصل السند، الطرف الذي فيه الصحابي.
[ ١٤ / ١٣ ]
أما الغرابة النسبية فهي على وجوه: إما أن تكون الغرابة والتفرد في أثناء السند هذا غريب نسبي، يسمونه غريب، أو غرابة نسبية بأن يتفرد به أهل بلد، وإن رواه جماعة منهم، هذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر، وإن رواها جمعٌ من أهل مصر، لكن كلهم من أهل مصر، هذه سنة غريبة تفرد بها أهل البصرة مثلًا، قال أهل العلم هذا الكلام، وإن اشترك في روايته جماعة من أهل البصرة، أو تكون الغرابة نسبية بالنسبة للشيخ، يعني يتفرد بروايته عن فلان عن شعبة مثلًا محمد بن جعفر، وإن رواه عن غيره -عن غير شعبة- جماعة، لكنه تفرد به عن هذا الراوي عن شعبة هذا الراوي، فهذه غرابة نسبية، وكثيرًا ما يقول الترمذي: هذا حديثٌ حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قد تكون الغرابة والتفرد من هذا الوجه بهذا اللفظ، وعلى هذا تحمل الغرابة في إطلاق الترمذي؛ لأنه يكون له طرق، لكن بهذا اللفظ تفرد به هذا الراوي، المقصود أن إطلاقات أهل العلم في الغرابة كثيرة، ولها محامل عندهم، أشرنا إلى بعضها.
يقول: "فالغريب ما تفرد به واحد، وقد يكون ثقةً" يعني في الأحاديث الغريبة ما هو صحيح، إذا كان راويه ثقة، كحديث: (الأعمال بالنيات) وحديث: (كلمتان خفيفتان على اللسان) .. إلى آخره، في الصحيح، وغير ذلك من غرائب الصحيح، قد يكون راويه ثقة فعلى هذا يكون الحديث صحيحًا "وقد يكون ضعيفًا" يكون الراوي ضعيفًا وحينئذٍ يكون ما تفرد به ضعيف، وقد يكون حسن، "ولكلٍ حكمه" فرواية الثقة مقبولة، ورواية الضعيف مردودة، ورواية الحسن مقبولة، إلا أنها دون رواية الثقة.
"فإن اشترك اثنان أو ثلاثة في روايته عن شيخ سمي عزيزًا" هذا جاري على اصطلاح ابن الصلاح الذي يرى أن المشهور: ما رواه فوق الثلاثة، والعزيز: ما رواه اثنان أو ثلاثة، والغريب: ما تفرد بروايته واحد فقط، ولو في بعض طبقات السند، على كل حال هذا اصطلاح، وجرى عليه أهل العلم، ولا ضير فيه -إن شاء الله تعالى-.
"فإن رواه جماعةً سمي مشهورًا كما تقدم" يعني إن زاد العدد على ثلاثة، أو ثلاثة فأكثر على القول الآخر سمي الخبر مشهورًا، نعم.