[ ١٦ / ٩ ]
النوع الموفي أربعين: معرفة التابعي، قال الخطيب البغدادي: التابعي من صحب الصحابي، وفي كلام الحاكم ما يقتضي إطلاق التابعي على من لقي الصحابي، وروى عنه وإن لم يصحبه.
قلت: ولم يكتفوا بمجرد رؤيته الصحابي كما اكتفوا في إطلاق اسم الصحابي على من رآه -﵊-، والفرق عظمة وشرف رؤيته -ﷺ-، وقد قسم الحاكم طبقات التابعين إلى خمس عشرة طبقة، فذكر أن أعلاهم من روى عن العشرة، وذكر منهم سعيد بن المسيب -﵁- وقيس بن أبي حازم وقيس بن عباد وأبا عثمان النهدي وأبا وائل وأبا رجاء العطاردي وأبا ساسان حضين بن المنذر وغيرهم، وعليه في هذا الكلام دخلٌ كثير، وقد قيل: إنه لم يروِ عن العشرة من التابعين سوى قيس بن أبي حازم قاله ابن خراش، وقال أبو بكر بن أبي داود: لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف، والله أعلم.
وأما سعيد بن المسيب فلم يدرك الصديق قولًا واحدًا؛ لأنه ولد في خلافة عمر لسنتين مضتا أو بقيتا، ولهذا اختلف في سماعه من عمر، قال الحاكم: أدرك عمر فمن بعده من العشرة، وقيل: إنه لم يسمع من أحد من العشرة سوى سعد بن أبي وقاص، وكان آخرهم وفاة، والله أعلم.
قال الحاكم: وبين هؤلاء التابعين الذين ولدوا في حياة النبي -ﷺ- من أبناء الصحابة كعبد الله بن أبي طلحة وأبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف وأبي إدريس الخولاني، قلت: وأما عبد الله بن أبي طلحة، فلما ولد ذهب به أخوه لأمه أنس بن مالك إلى رسول الله -ﷺ- فحنكه وبرك عليه وسماه عبد الله، ومثل هذا ينبغي أن يعد من صغار الصحابة لمجرد الرؤية، ولقد عدوا فيهم محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد عند الشجرة وقت الإحرام بحجة الوداع، فلم يدرك من حياته -ﷺ- إلا نحوًا من مائة يوم، ولم يُذكر أنه أُحضر عند النبي -ﷺ- ولا رآه، فعبد الله بن أبي طلحة أولى أن يعد في صغار الصحابة من محمد بن أبي بكر، والله أعلم.
[ ١٦ / ١٠ ]
وقد ذكر الحاكم النعمان وسويدًا ابني مقرن في التابعين وهما صحابيان، وأما المخضرمون وهم الذين أسلموا في حياة رسول الله -ﷺ- ولم يروه والخضرمة القطع فكأنهم قطعوا عن نظرائهم من الصحابة، وقد عدَّ مسلم نحوًا من عشرين نفسًا منهم: أبو عمرو الشيباني وسويد بن غفلة وعمرو بن ميمون وأبو عثمان النهدي وأبو الحلال العتكي وعبد خير بن يزيد الخيواني وربيعة بن زرارة، وقال ابن الصلاح: وممن لم يذكره مسلم أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثُوَب، قلتُ: وعبد الله بن عكيم والأحنف بن قيس.
وقد اختلفوا في أفضل التابعين من هو؟ فالمشهور أنه سعيد بن المسيب قاله أحمد بن حنبل وغيره، وقال أهل البصرة: الحسن، وقال أهل الكوفة: علقمة والأسود، وقال بعضهم: أويس القرني، وقال بعض أهل مكة: عطاء بن أبي رباح.
وسيدات النساء من التابعين حفصة بنت سيرين وعمرة بنت عبد الرحمن وأم الدرداء الصغرى -﵃ أجمعين-.
ومن سادات التابعين الفقهاء السبعة بالحجاز وهم: سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد وعروة بن الزبير وسيلمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة والسابع: سالم بن عبد الله بن عمر وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وقد أدخل بعضهم في التابعين من ليس منهم، كما أخرج آخرون منهم من هو معدود فيهم، وكذلك ذكروا في الصحابة من ليس صحابيًا كما عدوا جماعة من الصحابة فيمن ظنوه تابعيًا، وذلك بحسب مبلغهم من العلم، والله الموفق للصواب.
يقول -رحمه الله تعالى- في النوع الأربعين: معرفة التابعين، وتعريف التابعي قريب من تعريف الصحابي، الصحابي من رأى النبي -﵊- مؤمنًا به، وهنا من صحب الصحابي من المسلمين، وهنا لا يكفي مجرد الرؤية، من صحب الصحابي أو لقي الصحابي إنما مجرد رؤية لا يكفي كما نبه على ذلك المؤلف -رحمه الله تعالى-.
[ ١٦ / ١١ ]
قلت: لم يكتفوا بمجرد رؤية الصحابي كما اكتفوا في إطلاق الصحابي على من رآه -﵇-، يقول: الفرق في ذلك عظمة وشرف رؤيته -﵊-، يعني الذي تثبت به الصحبة، لأهمية هذا الوصف، ولميزة هذا النعت الذي هو الصحبة اكتفوا فيه بالرؤية، بخلاف رؤية الصحابي، فإنها إذا كانت مجرد رؤية للسيرة لمحة فإنها لا تكفي في إثبات كون الشخص تابعيًا، على أن هذا لا أثر له في الواقع؛ لأنه ليس للتابعين من المنزلة مثل ما للصحابة ليحتاط في أمرهم، التابعون مثل غيرهم إلا أنهم في الجملة أفضل من غيرهم، لكن على سبيل الانفراد الواحد منهم ..، افرض أنه صحب الصحابي وطالت صحبته، لكنه ساءت سيرته ما ينفعه كونه تابعي، ولا يقال مثل هذا في الصحابي.
وأما بالنسبة للرواية فمجرد كونه تابعي تثبت روايته عن الصحابة؟ ما يلزم، نعم إن لم يوصف بالتدليس وقال: عن فلان محمول على الاتصال، لكن قد يعرف بالتدليس، وقد رأى جمعًا غفيرًا من الصحابة، ولا يحمل على الاتصال كمن عرف من المدلسين من التابعين كالحسن وغيره.
الحاكم قسم "التابعين إلى خمسة عشر طبقة" كما أنه قسم الصحابة إلى اثنتي عشر طبقة، وهذا تقسيم لم يسبق إليه، وعليه فيه مؤاخذات واستدراكات في معرفة علوم الحديث، "فذكر أن أعلاهم" الطبقة العليا من التابعين "من روى عن العشرة" مع أن فيه مناقشات ومؤاخذات على كلامه هذا وأوهام، "وذكر منهم سعيد بن المسيَّب" أو المسيِّب المشهور الفتح المسيَّب، وقد ذُكر عنه أنه دعا على من قال: المسيَّب، لكن هو المشهور، "وقيس بن أبي حازم وقيس بن عباد وأبا عثمان النهدي" عبد الرحمن بن مُل أو مِل، "وأبا وائل -شقيق بن سلمة- وأبا رجاء العطاردي وأبا ساسان حضين بن المنذر"، يقول: "وعليه في هذا الكلام دخلٌ كثير" لا شك أنه عليه استداركات، "وقد قيل: إنه لم يروِ عن العشرة من التابعين سوى واحد قيس بن أبي حازم، قاله ابن خراش، وقال أبو بكر بن أبي داود: لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف" يعني حتى هذا الواحد لم يسلم،
[ ١٦ / ١٢ ]
"وأما سعيد بن المسيب فلم يدرك الصديق" قطعًا بلا شك "لأنه -إنما- ولد في خلافة عمر -﵁- في سنتين بقيتا أو مضتا من خلافة عمر، فهو لم يدركه، والخلاف في سماعه من عمر أيضًا "قال الحاكم: أدرك عمر فمن بعده من العشرة" إذا كان الحاكم يقول: أدرك عمر فمن بعده، فكيف يذكره ممن روى عن العشرة؟
طالب:. . . . . . . . .
إن كان من باب التغليب ممكن، لكن هذا توسع؛ لأن مثل هذا الكلام يترتب عليه حكم أنك إذا رأيت روايته عن أبي بكر وقد ذُكر فيمن روى عن العشرة ما تدقق في الاتصال والانقطاع، المقصود أن الحاكم هو الذي قال هذا، ونقض كلامه -﵀-.
"وقيل: إنه لم يسمع من أحد من العشرة سوى سعد بن أبي وقاص، وكان آخرهم وفاةً" -﵁ وأرضاه-.
"قال الحاكم: وبين هؤلاء التابعين الذين ولدوا في حياة النبي -﵊- من أبناء الصحابة كعبد الله بن أبي طلحة" يعني جعله في التابعين مع أنه جيء به إلى النبي -﵊- فحنكه، "وأبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف وأبي إدريس الخولاني" أبو إدريس الخولاني ما رأى النبي -﵊- لكنه مخضرم، أدرك زمن النبي -﵊-، لكنه ما رآه.
[ ١٦ / ١٣ ]
"قلتُ: أما عبد الله بن أبي طلحة فلما ولد ذهب به أخوه لأمه أنس بن مالك إلى رسول الله -ﷺ- فحنكه، وبرك عليه" دعا له بالبركة "وسماه عبد الله، ومثل هذا ينبغي أن يعد من صغار الصحابة" هو أولى بالذكر من محمد بن أبي بكر الذي ولد في المَحرم، في حجة الوداع في آخر سنة عشر، قبل وفاة النبي -﵊- بثلاثة أشهر، مع أنه عده بعضهم في الصحابة، وينبغي أن لا يعد؛ لأنه لم يُذكر أنه رأى النبي -﵊-، ولا رآه النبي -﵊-، نعم قرب أبي بكر من النبي -﵊- يجعل هناك غلبة ظن أن الرسول -﵊- رآه، لكن سيرته ليست حميدة، كما هو معروف، سيرة محمد بن أبي بكر ليست حميدة، هو شارك مع من شارك، إما بالمباشرة أو السبب في مقتل عثمان -﵁-، على كل حال هو غير محمود السيرة، فلا ينبغي أن يعد في الصحابة، لكنه -نسأل الله العافية- قتل شر قتلة، من يذكر كيفية قتله؟
طالب:. . . . . . . . .
أحرق في جوف حمار -نسأل الله السلامة- على كل حال أفضى إلى ما قدم، لكن عبد الله بن أبي طلحة أولى منه في الصحبة، يقول الحافظ -﵀-: "ولم يذكروا أنه أحضر عند النبي -﵊- ولا رآه، فعبد الله بن أبي طلحة أولى أن يعد في صغار الصحابة من محمد بن أبي بكر، والله أعلم".
" ذكر الحاكم: النعمان وسويد ابني مقرن من التابعين، وهما صحابيان" ومعروف أولاد مقرن كم هم؟
طالب:. . . . . . . . .
بيجي ذكرهم في الإخوة -إن شاء الله تعالى-.
"أما المخضرمون فهم الذين أسلموا في حياة النبي -﵊- ولم يروه" ومنهم عدد، مات النبي -﵊- وهم في الطريق إليه، هؤلاء مخضرمون "والخضرمة: القطع كأنهم قطعوا عن نظرائهم من الصحابة" نظرائهم يعني من عاصرهم وشاركهم في الوجود في وقته -﵊- هؤلاء قطعوا عن هذا الوصف.
[ ١٦ / ١٤ ]
"قد عد منهم مسلم نحوًا من عشرين نفسًا: منهم أبو عمرو الشيباني وسويد بن غفلة وعمرو بن ميمون وأبو عثمان النهدي وأبو الحلال العتكي وعبدُ خير بن يزيد الخيواني ، قال ابن الصلاح: وممن لم يذكرهم مسلم أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثُوَب" وهناك أبو إدريس، وين أبو إدريس الخولاني؟
طالب:. . . . . . . . .
هنا أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثُوب معروف سيد من سادات التابعين، ومثله أبو مسلم -أيضًا- الخولاني اسمه: عائذ الله بن عبد الله، الله المستعان، الله المستعان.
"قلت: وعبد الله بن عكيم" من الذي وصل إليه كتاب النبي -﵊- روي من طريقه: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» قبل وفاة النبي -﵊- "والأحنف بن قيس" هؤلاء من المخضرمين بلا شك.
"اختلفوا في أفضل التابعين من هو؟ " كل أهل بلد يفضلون من كان من أهل بلدهم من التابعين، أهل البصرة يفضلون الحسن، وأهل الكوفة يفضلون علقمة، وأهل مكة يفضلون عطاء، والإمام أحمد -رحمه الله تعالى- حكم بأن أجلَّ التابعين سعيد بن المسيب، ولا شك أنه من ناحية العلم والحفظ والضبط والإتقان لا نظير له في التابعين، لكن أويس القرني صح الخبر عنه في صحيح مسلم، وهذه منقبة لا يشاركه فيها أحد من التابعين، وقد أمر عمر -﵁- على جلالة قدره أن يطلب منه إيش؟ الاستغفار، فما دام صح الخبر فيه مرفوع عن النبي -﵊- فالقول المرجح أنه أفضل التابعين على الإطلاق.
"سيدات النساء من التابعين حفصة بنت سيرين وعمرة بنت عبد الرحمن وأم الدرداء الصغرى" معروفة زوجة أبي الدرداء هجيمة، أما أم الدرداء الكبرى فهي صحابية -رضي الله عن الجميع-، والسيادة هنا بالنسب؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
حفصة بنت سيرين، سيرين مولى من سبي عين التمر، ابنه سيد -محمد- من سادات التابعين، وبنته حفصة سيدة من سادات التابعين، لكنه الدين، من عمل به ساد، ومن تركه وتنكب عنه ضاع، ولو كان من أشراف الناس، ولو كان من علية القوم لسفل بضياع الدين وتضييعه، والله المستعان.
[ ١٦ / ١٥ ]
"من سادات التابعين: الفقهاء السبعة بالحجاز: وهم سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد .. " إلى آخره، ومات جلهم في سنة الفقهاء سنة أربع وتسعين، من يضبط البيتين اللي فيهم ذكر الفقهاء السبعة؟
طالب:. . . . . . . . .
"فخذهم" هذا الثاني، هذا البيت الثاني:
فخذهم عبيد الله عروةُ قاسمٌ سعيد أبو بكرٍ سليمان خارجة
البيت الأول ما تحفظوه؟ أو هذا المقصود؟ هاه؟
يقول: "وقد عدَّ علي بن المديني في التابعي من ليس منهم" عدَّ بعضهم كما في بعض النسخ من ليس منهم "كما أخرج آخرون منهم من هو معدودٌ فيهم" وهذه لا شك أنها أمور اجتهادية "وكذلك ذكروا في الصحابة من ليس صحابيًا" والقسم الرابع من الإصابة في كل حرف مَن ذكر في الصحابة وهو في الحقيقة ليس منهم.
"كما عدوا جماعة من الصحابة فمن ظنوه تابعيًا" يعني لقربه من عصر الصحابة، كبر سنه، كونه مخضرم فغلب على الظن أنه صحابي، وهو في الحقيقة ليس بصحابي، وذلك بحسب ما بلغهم من العلم، والله المستعان.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- ولشيخنا والسامعين: