شرح كتاب اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير (١)
أنواع الحديث- تعريف الحديث الصحيح - أول من جمع صحاح الحديث - عدد ما في الصحيحين من الحديث - الزيادات على الصحيحين
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وصفيه من خليقته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
الكتاب اختصار لعلوم الحديث، وعلوم الحديث كما هو معروف لابن الصلاح الذي لمّ شتات هذا الفن، وجمع ما تفرق في المؤلفات قبله، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة النزهة المصنفات التي ألفت في هذا العلم، وذكر إن من أول ما كتب كتاب المحدث الفاصل للرامهرمزي، وهو من أول ما كتب حقيقةً مما يجمع أكبر قدر ممكن في وقته؛ لأن العلوم كما تعرفون أو يبدأ التأليف فيها شيئًا فشيئًا حتى تكمل وتنضج، كانت علوم الحديث مبثوثة في مؤلفات المتقدمين، وكثير منها إنما كان نتيجة استقراء لصنيع المتقدمين، فلمّ الشتات الرامهرمزي في المحدث الفاصل، ثم جاء بعده الحاكم فصنف كتابه معرفة علوم الحديث، وهو أوسع من كتاب الرامهرمزي بالنسبة لعدد الأنواع، ثم بعده جاء القاضي عياض فألف كتابه الإلماع، وإن كان في طرق التحمل والأداء وكيفية كتابة الحديث وضبطه إلا أنه نافع في بابه، وعلى كل حال من فضول القول أن أسترسل في هذا المجال؛ لأني بين يدي بين طلبة علم يعرفون هذه الكتب، والكثير منهم رجع إليها.
[ ١ ]
ابن الصلاح جمع ما تفرق في هذه الكتب وفي غيرها من مؤلفات الخطيب الذي لا يخلو فن ونوع من أنواع علوم الحديث إلا وكتب فيه كتابًا مستقلًا حتى قال ابن نقطة كما هو معروف: "جميع من أتى بعد الخطيب بالنسبة لعلوم الحديث فهو عيال على كتبه" اعتنى من جاء بعد ابن الصلاح بكتاب ابن الصلاح، كان كما قال الحافظ لا يحصى كم ناظمٍ له ومختصر، ومستدركٍ عليه ومنتصر، أو معارضٍ له منتصر .. الخ كلامه كما هو معروف، اختصره النووي في كتابين، التقريب والإرشاد، واختصره أيضًا الحافظ ابن كثير في الكتاب الذي بين أيدينا، ونظمه الحافظ العراقي في ألفيته الشهيرة، ونظمه الخويي في منظومة تبلغ الألف والخمسمائة بيت، لكن لم تبلغ مبلغ الألفية العراقية ولم تدانيها، أيضًا السيوطي له ألفية في هذا الفن، أصلها ألفية العراقي، وكثير من أنصاف أبياتها مأخوذ بحروفه من ألفية العراقي، ولهذا يقول فيها:
واقرأ كتابًا تدر منه الاصطلاح كهذه أو أصلها وابن الصلاح
[ ٢ ]
يقصد بأصلها ألفية العراقي كما هو معروف، وما زال التأليف والتصنيف في علوم الحديث مستمر إلى وقتنا هذا، كثير ممن ينتسب إلى العلم ألفوا، فجمال الدين القاسمي له كتاب جيد في الباب اسمه (قواعد التحديث) والشيخ طاهر الجزائري هو كتاب أيضًا نفيس لخص فيه كثير من الكتب التي تمت إلى هذا العلم بصلة، اسمه (توجيه النظر) وما زالت الكتابة جارية على سنن المتقدمين ممن ألف وكتب في هذا الفن، ثم بعد ذلك جاءت الدعوات إلى نبذ قواعد المتأخرين والاستفادة من مناهج المتقدمين، وهي في ظاهرها دعوة طيبة، لكن يلاحظ عليها أنها تلقى على عموم الطلاب بما في ذلك صغار المتعلمين، وهذا النوع من الطلبة لا يستوعب مثل هذا الكلام، وهذا فيه تضييع له حقيقةً، نعم من تأهل عليه أن يسلك مسالك المتقدمين، لكن متى يتأهل طالب العلم، لكي يترك قواعد المتأخرين وسلوك المسلك الذي سلكوه؛ لأن قواعد المتأخرين أغلبية، صحيح أنها أغلبية وفي الأمثلة ما يخرج عنها، لكنها تضبط العلم وتحصره حتى يتأهل الطالب لمحاكاة المتقدمين، نظير ذلك لو قيل لصغار الطلاب اجتهد في مسائل الفقه، وخذوا من الكتاب والسنة مباشرة، واتركوا التقليد، وأنتم شيء وأنتم رجال، وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة ومالك والشافعي كلهم رجال، عليكم بالكتاب والسنة، نعم، الأصل الكتاب والسنة، كما أن الأصل في بابنا كلام المتقدمين من أهل العلم في هذا الشأن، الأصل الكتاب والسنة صحيح، لكن الطالب المجتهد هو في الحقيقة هو في حكم العامي والعامي فرضه التقليد، اسألوا أهل الذكر، فإذا تأهل الطالب لينظر في الكتاب والسنة، وعرف ما يعينه ويساعده على الاستنباط من الكتاب والسنة مباشرة لا يسعه أن يقلد أحد، لكن متى يكون هذا؟ إذا تأهل، والكلام فيما بين أيدينا من علوم الحديث كذلك، إذا تأهل وصارت لديه أهلية الحكم بالقرائن، له أن ينبذ قواعد المتأخرين ويحاكي المتقدمين، لكن متى؟ دونه خرط القتاد.
[ ٣ ]
وليس انتقادي لهذه الدعوة من أصلها وأساسها، لا، هي دعوة طيبة ترجع بالطالب إلى المصدر الرئيسي في هذا الباب، فالعمدة والمعول على أهل هذا الشأن، لكن نوجه الانتقاد إلى توجيه هذه الدعوة إلى أصناف المتعلمين صغارهم وكبارهم، بمثل ما يقال على الطالب المبتدئ أن يتفقه على مذهب، ثم بعد ذلك ينظر في مسائل هذا المذهب، على سبيل المثال عندنا، إما أن يعتمد زاد المستقنع، أو دليل الطالب، أو عمدة الفقه أو غيرها من الكتب والمتون المعروفة، ثم بعد ذلك إذا تأهل وصارت لديه الأهلية، أهلية النظر في أقوال أهل العلم بأدلتها والموازنة بينها، واعتماد القول الصحيح والراجح، وترك المرجوح، هذا هو الأصل في التعلم، أما أن يقال لطالب مبتدئ: تفقه من الكتاب والسنة هذا تضييع. . . . . . . . .
[ ٤ ]
هذا مجمل ما يمكن أن أقوله في هذه المقدمة، بقي أن نشير إلى أن هذا الكتاب طبع مرارًا، وكانت طبعته الأولى في المطبعة الماجدية بمكة، وقد أسماه طابعه عبد الرزاق حمزة (الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير) وهذه التسمية ليست من الحافظ -﵀-، إنما كتابه: (اختصار علوم الحديث) لكن الشيخ سماه بهذا الاسم لما ساد بين أهل العلم من السجع في عناوين الكتب، وإلا فالكتاب اسمه (اختصار علوم الحديث) الشيخ أحمد شاكر اعتنى بالكتاب واطلّع على طبعة الشيخ عبد الرزاق حمزة، والكتاب قد اشتهر وانتشر وذاع صيته بعد طبعه وعرف عند طلبة العلم باسم: (الباعث الحثيث) فالشيخ -﵀- أراد أن يجمع بين هذه التسمية الحديثة وبين تسمية المؤلف، فاعتنى بالكتاب وعلق عليه وسمى تعليقه (الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث) فأبقى على تسمية المؤلف واستفاد من تسمية الشيخ عبد الرزاق حمزة؛ لأن الخطأ إذا انتشر يصعب تغييره، فإذا أمكن توجيهه فهو المطلوب، فالشيخ -﵀من نباهته عمل هذا العمل، فسمى تعليقاته: (الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث) للحافظ ابن كثير، يبقى أن بعض الناس قد يفهم أن الباعث الحثيث للحافظ بن كثير مع ذلك؛ لأن عندنا مضاف ومضاف إليه، شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير، من الذي لابن كثير؟ المضاف وإلا المضاف إليه؟ المضاف إليه، ولا بد من قرينة تدل على ذلك، وإلا ما تؤخذ من السياق؛ لأن الوصف إذا تعقب متظايفين فلا بد من قرينة تدل على أن الوصف للمضاف أو المضاف إليه؟ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾ [(٢٧) سورة الرحمن] ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ﴾ [(٧٨) سورة الرحمن] إذا كان الإعراب بالحروف أمره سهل، لكن الإشكال إذا كان الإعراب بالحركات، ويزداد الإشكال إذا كان المضاف مجرور مثل المضاف إليه (مررت بغلام زيدٍ الفاضلِ) \هذا مشكل، الوصف لأيهما؟ لزيد أو لغلامه؟ يحتاج إلى قرينة تدل على المراد، وهذا استطراد لكن هو تنبيه؛ لأنه يخفى على كثير من المتعلمين، يظن أن الباعث هو للحافظ بن كثير.
[ ٥ ]
والكلام في مبادئ العلم العشرة طرق مرارًا وكرر فلا أظن أن الإخوة المستمعين بحاجةٍ إليه، والأشرطة في شرح النخبة وشرح نظمها وغيرها، حتى هذا الكتاب سجل له أشرطة يمكن الرجوع إليها، لا سيما وأن الوقت قصير ستة أيام لا تفي بشرح كل ما في الكتاب فضلًا عن الاستطرادات التي قد يحتاج إليها.
ولذا فإن شرح الكتاب، الكتاب يسمع بإذن الله ويقرأ، لكن ينتقى التعليق على بعض المسائل التي قد تخفى على طلاب العلم، وأما التعليق على جميع ما ذكر في الكتاب قد يحتاج إلى وقتٍ طويل، ووقت الدورة لا يستوعب، فنبدأ بعون الله تعالى.
شوف مقدمة الحافظ -﵀-:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأتم التسليم، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمنا الله وإياه والمسلمين أجمعين-:
قال شيخنا الإمام العلامة مفتي الإسلام
هذا ما هو المؤلف، هذا أحد تلاميذ المؤلف ممن كتب الكتاب ونسخه، وأما كلام المؤلف -﵀- يبدأ من قوله: "الحمد لله، والصلاة والسلام .. "
قدوة العلماء، شيخ المحدثين، الحافظ المفسر، بقية السلف الصالحين، عماد الدين، أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الشافعي، إمام أئمة الحديث والتفسير بالشام المحروس، فسح الله للإسلام والمسلمين في أيامه، وبلغه في الدارين أعلى قصده ومرامه.
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فإن علم الحديث النبوي -على قائله أفضل الصلاة والسلام- قد اعتنى بالكلام فيه جماعة من الحفاظ قديمًا وحديثًا، كالحاكم والخطيب، ومن قبلهما من الأئمة، ومن بعدهما من حفاظ الأمة.
ولما كان من أهم العلوم وأنفعها أحببت أن أعلق فيه مختصرًا نافعًا جامعًا لمقاصد الفوائد، ومانعًا من مشكلات المسائل الفرائد، ولما كان الكتاب الذي اعتنى بتهذيبه الشيخ الإمام العلامة: أبو عمرو ابن الصلاح تغمده الله برحمته من مشاهير المصنفات في ذلك بين الطلبة لهذا الشان، وربما عُني بحفظه بعض المهرة من الشبان، سلكت وراءه، واحتذيت حذاءه، واختصرت ما بسطه، ونظمت ما فرطه.
[ ٦ ]
وقد ذكر من أنواع الحديث خمسة وستين، وتبِع في ذلك الحاكم أبا عبد الله الحافظ النيسابوري شيخ المحدثين، وأنا -بعون الله- أذكر جميع ذلك، مع ما أضيف إليه من الفوائد الملتقطة من كتاب الحافظ الكبير أبي بكر البيهقي، المسمى بالمدخل إلى كتاب السنن، وقد اختصرته أيضًا بنحوٍ من هذا النمط، من غير وكس ولا شطط، والله المستعان، وعليه التكلان.
من غير زيادة ولا نقص، وكس يعني نقص، والشطط المجاوزة في القدر.
(ذكر تعداد أنواع الحديث)
تبع فيه الحافظ بن الصلاح -﵀- في مقدمة الكتاب، ذكر أنواع علوم الحديث الخمسة والستين، وتكون كالفهرس للكتاب.
صحيح، حسن، ضعيف، مسند، متصل، مرفوع، موقوف، مقطوع، مرسل، منقطع، معضل، مدلَّس، شاذ، منكر، ما له شاهد، زيادة الثقة، الأفراد، المعلَّل، المضطرب، المدْرَج، الموضوع، المقلوب، معرفة من تقبل روايته، معرفة كيفية سماع الحديث وإسماعه، وأنواع التحمل من إجازة وغيرها، معرفة كتابة الحديث وضبطه، وكيفية رواية الحديث وشرط أدائه، آداب المحدث، آداب الطالب، معرفة العالي والنازل، المشهور، الغريب، العزيز، غريب الحديث ولغته، المسلسل، ناسخ الحديث ومنسوخه، المصحَّف إسنادًا ومتنًا، مختلف الحديث، المزيد في الأسانيد، خفي المرسل، معرفة الصحابة، معرفة التابعين، معرفة أكابر الرواة عن الأصاغر، المدبّج ورواية الأقران، معرفة الإخوة والأخوات، رواية الآباء عن الأبناء، عكسه، من روى عنه اثنان متقدم ومتأخر، من لم يرو عنه إلا واحد، من له أسماء ونعوت متعددة، المفردات من الأسماء، معرفة الأسماء والكنى، من عرف باسمه دون كنيته، معرفة الألقاب، المؤتلف والمختلف، المتفق والمفترق، نوع مركب من اللذين قبله، نوع آخر من ذلك، من نسب إلى غير أبيه، معرفة الأنساب التي يختلف ظاهرها وباطنها، معرفة المبهمات، تواريخ الوفيات، معرفة الثقات والضعفاء، من خلط في آخر عمره، معرفة الطبقات، معرفة الموالي من العلماء والرواة، معرفة بلدانهم وأوطانهم.
فهذا تنويع الشيخ أبي عمرو وترتيبه -﵀-، قال: وليس بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى، إذ لا تنحصر أحوال الرواة وصفاتهم، وأحوال متون الحديث وصفاتها.
[ ٧ ]
قلت: وفي هذا كله نظر، بل في بسطه هذه الأنواع إلى هذا العدد نظر، إذ يمكن إدماج بعضها في بعض، وكان أليق مما ذكره، ثم إنه فرق بين متماثلات منها بعضها عن بعض، وكان اللائق ذكرَ كل نوع إلى جانب ما يناسبه.
ونحن نرتب ما نذكره على ما هو الأنسب، وربما أدمجنا بعضها في بعض طلبًا للاختصار والمناسبة، وننبه على مناقشات لا بد منها -إن شاء الله تعالى-.
الحافظ ابن كثير -﵀- في المقدمة يذكر منهجه في الاختصار، وأنه تبع ابن الصلاح في ذكر هذه الأنواع، ثم تعقبه في بسط هذه الأنواع، وأنه يمكن لمّ شملها، وإدماج بعضها في بعض، وأيضًا ابن الصلاح ألف كتابه إملاءً يمليه على الطلاب، كل يوم بيومه، كل درس في وقته، فلم يأت ترتيبه على الوضع المناسب، فالحافظ بن كثير -﵀- قدم وآخر في ترتيب هذه الأنواع نظرًا للمناسبة، وبقي عليه أشياء مما ينبغي تقديمه، وأشياء مما ينبغي تأخيره.
على كل حال الترتيب أمره سهل، الخطب يسير فيه، المقصود استيعاب المادة العلمية، ولذا يقول: "ونحن نرتب ما نذكره على ما هو الأنسب، وربما أدمجنا بعضها في بعض طلبًا للاختصار والمناسبة" يعني لو جاء خفي المراسيل مثلًا على سبيل المثال وجعله مع التدليس، أو مع المرسل الظاهر؛ لأن له صلةً بالتدليس على ما سيأتي، وله أيضًا مشابهة بالمرسل الظاهر على ما سيقرر -إن شاء الله تعالى-.
النوع الأول: الصحيح، (تقسيم الحديث إلى أنواعه صحةً وضعفًا)
قال: اعلم -علمك الله وإياي-
على كل حال هذا العنوان (تقسيم الحديث) هذا ليس من نظم المؤلف، ولذا وضع بين قوسين معكوفين.
أن الحديث عند أهله ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف.
قلت: هذا التقسيم إن كان بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، فليس إلا صحيح أو ضعيف، وإن كان بالنسبة إلى اصطلاح المحدثين فالحديث ينقسم عندهم إلى أكثر من ذلك، كما قد ذكره آنفًا هو وغيره أيضًا.
[ ٨ ]
يقول -﵀-: "الحديث ينقسم عند أهله إلى صحيح وحسن وضعيف" أقر ما ذكره ابن الصلاح من هذا التقسيم، وإن كان أول من قسم الحديث إلى هذه الأقسام الثلاثة الخطابي -﵀- في مقدمة معالي السنن، قسم هذه الأنواع وحصر الأنواع في ثلاثة، ثم تبعه على ذلك من جاء بعده، والأقسام الثلاثة موجودة في كلام المتقدمين، لكن الذي سبق إليه الخطابي هو الحصر في الأنواع الثلاثة، ولذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
وأهل هذا الشان قسموا السنن إلى صحيح وضعيفٍ وحسن
أهل هذا الشان إن كان المراد به الحصر فبدءًا من الخطابي فمن دونه، وإن كان المقصود وجود هذه الأقسام الثلاثة هو موجود في كلام المتقدمين، عند الترمذي وغيره من أهل العلم قبله، ذكروا هذه الأقسام الثلاثة لكنهم لم يجعلوا القسمة ثلاثية.
[ ٩ ]
والضعيف كما هو معروف أدرج في السنن تغليبًا، ومن باب تتميم القسمة؛ ولأنه ليس بمقطوعٍ بكذبه، وإن كان الغالب على الظن عدم ثبوته، يقول الحافظ ابن كثير: "هذا التقسيم إن كان بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، فليس إلا صحيح أو ضعيف" لأن الكلام إما صدق وإما كذب، ولا واسط عند أهل السنة، وإن كان المعتزلة يوجد عندهم قسم ثالث ليس بصدقٍ ولا كذب، لكن استدراك الحافظ بن كثير -﵀- يقول: "هذا التقسيم إذا كان إلى ما في نفس الأمر فليس إلا صحيح أو ضعيف، وإن كان بالنسبة إلى اصطلاح المحدثين فالحديث ينقسم عندهم إلى أكثر من ذلك" يقول الحديث عندهم: حديث صحيح وضعيف وحسن ومرسل ومدلس ومعنعن ومعلق .. الخ، أنواع كثيرة هو أشار إليها، يقول: "كما قد ذكره آنفًا هو وغيره" لماذا لم يقل: ينقسم الحديث إلى خمسة وستين بل قال هذه الثلاثة؟ يجاب عن هذا الإشكال بأن المراد الثاني، المراد تقسيمه على اصطلاح المحدثين، والكل راجع إلى الثلاثة، فالمرسل يدخل في الضعيف، المدلس كذلك الخ، فالضعيف أقسامه كثيرة تندرج تحت هذا الاسم، المرفوع مثلًا منه ما يدخل في الصحيح، ومنه ما يدخل في الحسن، ومنه ما يدخل في الضعيف، الموقوف منه ما يدخل في الصحيح والحسن والضعيف الخ، فالمقصود أن المراد الثاني، وهو المنظور إليه اصطلاح المحدثين، والكل -كل هذه الأنواع- تندرج في الأقسام الثلاثة.