شرح كتاب اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير (١٣)
شرح: النوع الثامن والعشرون: في آداب طالب الحديث ..، والنوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل ..
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
يقول: "ألف الخطيب البغدادي في ذلك كتابًا سماه: "الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع" وهو كتاب نفيس مطبوع في مجلدين طبعات متعددة، ولعل من أجودها طبعة محمد عجاج الخطيب، طبع قبل ذلك بتحقيق محمد رأفت سعيد، وتحقيق محمود الطحان، لكن طبعة عجاج الخطيب أجودها.
هو كتابٌ نفيس لا يستغني طالب حديث عنه، "تقدم من ذلك مهمات في عيون الأنواع المذكورة" يمر في ثنايا الأبواب ما ينبغي أن يعتني به طالب العلم، مما ينفعه في دينه ودنياه، "قال ابن خلاد -يعني الرامهرمزي صاحب كتاب: (المحدث الفاصل) - وغيره: ينبغي للشيخ أن لا يتصدى للحديث إلا بعد استكمال خمسين سنة" يعني إذا بدأ يضعف، ولا دليل على ذلك، نعم هو كمل نضوجه الآن، لكن ما الذي يضمن له أن يبقى إلى الخمسين ليستفاد منه؟ فقد يموت قبل الخمسين، وكم من إمام من أئمة المسلمين نفع الله به وبعلمه ومات لم يكمل الخمسين كالنووي مثلًا، النووي -رحمه الله تعالى- مات ولم يبلغ خمسين خمسة وأربعين سنة، كتب كُتب صار لها من الصدى والأثر ما ليس لغيرها، وكتابه: (المجموع) لو اجتمعت اللجان الكثيرة لأن تعمل مثله ما استطاعت، وهذا لا شك أن علامات الإخلاص ظاهرة فيه، شرحه لمسلم على اختصاره فيه نفعٌ لا يتصور، لا يتصوره إلا من كرر النظر فيه، وأدام النظر فيه، فيه فوائد وعجائب على اختصاره، كتابه: (رياض الصالحين) الذي سرى في الأمة، وانتشر انتشارًا واسعًا بحيث لا يفوقه في ذلك إلا المصحف، لو قيل: إن انتشاره أكثر من انتشار صحيح البخاري ما هو بعيد، انتشار رياض الصالحين؛ لأنه يصلح لجميع طبقات الناس، كتابه: (الأذكار) أيضًا كتابٌ نافع وماتع ونفيس، لا يستغني عنه متدين، كما قال النووي نفسه.
[ ١٣ / ١ ]
على كل حال قد يموت الإنسان ولم يبلغ الخمسين، إذا سمع مثل هذا الكلام: لا تعلم الناس حتى تبلغ الخمسين، هذا قولٌ مهجور، بل هو قولٌ ضعيف، لا حظ له من النظر، والواقع يرده، كثيرٌ من أئمة الإسلام درّسوا قبل الخمسين، بل قبل الأربعين، بل قبل الثلاثين، بل منهم من تصدى للتحديث قبل العشرين كمالك -رحمه الله تعالى-، ونفع الله بهم نفعًا عظيمًا، فكون الإنسان يمني نفسه أن يدرس بعد الخمسين بعد الستين سبحان الله من يضمن لك أن تبقى؟ لا شك أن مثل هذا حرمان أن يبقى، نعم طلب العلم لا حد له، يستمر يطلب العلم ويعلم بقدر ما عنده من العلم، أما ألا ينفع الناس ولا يفيدهم حتى يكمل الخمسين! هذا لا حظ له من النظر، "وقال غيره: أربعين سنة".
السيوطي لما كمل الأربعين انقطع عن التدريس، عكس ما يقوله هؤلاء، لما كمل الأربعين انقطع عن التدريس، وعن الإفتاء، وعن كل شيء، تفرغ للتأليف، ولذا صار ..، عُد من المكثرين، حتى بلغت مؤلفاته الستمائة، وهي متفاوته من ورقة إلى المجلدات، على كل حال من تأهل للتعليم فليبادر؛ لأن نفع التعليم متعدي، وله -إذا خلصت نيته بهذا القيد- من الأجر ما لا يحصى، وكل شخصٍ يستفيد منه له مثل أجره، لكن بالقيد المذكور، إحسان النية وإخلاص العمل لله -﷾-، والله المستعان.
يقول: "وقد أنكر القاضي عياض ذلك بأن أقوامًا حدثوا قبل الأربعين، بل قبل الثلاثين، منهم الإمام مالك ابن أنس -رحمه الله تعالى - نجم السنن- ازدحم الناس عليه، وكثيرٌ من مشايخه أحياء"، يُدرس وربيعة موجود في المسجد، ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك، كثير من شيوخه أحياء هم عنده في المسجد وهو يدرس، حدث صغير، لكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، تجد الصغير عنده الفئام، والكبير عنده الأقل، والله المستعان.
وقبل جلوسه للتدريس ينبغي أن يتحسس ويتفقد نيته؛ لأن النية شرود، والنفس ميالة وحيافة، تميل إلى حب المدح والثناء، وتقديم العاجل على الآجل، لكن إذا عرفنا أن الحديث من علوم الآخرة المحضة فهو عبادة لا يجوز التشريك فيه، فعلينا أن نكون على ذكرٍ دائم للنية، والله المستعان.
[ ١٣ / ٢ ]
"قال ابن خلاد –الرامهرمزي-: فإذا بلغ الثمانين أحببت له أن يمسك خشية أن يكون قد اختلط" وهذا مثل ما تقدم، وقد تقدم أيضًا أن بداية الطلب ليس له سن معين، بل متى فهم الخطاب، ورد الجواب ينبغي أن يبادر بطلب العلم، فلا يحدد بسن، وسبق أن ذكر المؤلف كغيره أن من أهل العلم من أهل البصرة والكوفة والشام كلٌ حدَّ سنًا معينًا، منهم من قال: عشر يبدأ يطلب الحديث، ومنهم من قال: عشرين، ومنهم من قال: يبدأ يطلب الحديث ثلاثين، ومنهم من قال: أربعين واكتمل الأشد، طيب إيش يسوي. . . . . . . . .، قبل الأربعين، قبل الثلاثين ماذا يصنع؟ يقول: يحفظ القرآن، ويعرف الأحكام، يعني الحلال والحرام، لكن ماذا؟ على ما يعتمد في معرفة الأحكام؟ كيف يعرف الأحكام ولم يعرف الحديث؟ جلُّ الأحكام مأخوذة من الأحاديث، فينبغي أن يبادر بعلم الكتاب والسنة، والعلوم متكاملة يكمل بعضها بعضًا، فينبغي أن تؤخذ معًا بالتدريج؛ لأنها متكاملة، أما الذي يقول: أنا أقتصر على حفظ القرآن وقراءة كتب التفسير فإذا أتقنت ذلك انتقلت إلى السنة، متى ينتقل إلى السنة؟ نعم عليه أن يحفظ من القرآن القدر الكافي لتصحيح صلاته، ويحفظ منه أيضًا المفصل على أقل تقدير، ويحفظ من السنة ما يعينه على تحرير الأحكام. . . . . . . . . أحاديث الأحكام مثلًا، وما يرغبه في الآخرة، كأحاديث الترغيب ونحوها.
على كل حال الطريقة المتبعة عند أهل العلم لا سيما في المشرق حفظ بعض القرآن وإدخال العلوم الأخرى، بينما طريقة المغاربة يتفرغون لحفظ القرآن قبل كل شيء، ثم بعد حفظه وإتقانه ينتقلون إلى العلوم الأخرى، وفي كلٍ خير، على ألا ينسى القرآن؛ لأنه يخشى من تزاحم العلوم ينسى القرآن، فإذا التفت إليه في آخر عمره وجد أنه لا يستطيع أن يحفظ، يصعب عليه الحفظ، والله المستعان، وكلٌ على خير -إن شاء الله تعالى-.
[ ١٣ / ٣ ]
فليس لبداية الطلب سن معينة، وليس لبداية التدريس والإقراء سن، وليس لنهاية التعليم سن، بل مرد ذلك كله إلى التأهل والحاجة، فإذا تأهل الإنسان للتحمل عليه أن يبادر، إذا تأهل الإنسان للتعليم واحتاج الناس إليه عليه أن يبادر، إذا تأهل الإنسان للتأليف عليه أن يبادر؛ ليغتنم الوقت، إذا خشي من الاختلاط فليكف، ويمتنع من التدريس، والله المستعان.
يقول: "فإذا بلغ الثمانين أحببت له أن يمسك خشية أن يكون قد اختلط" جماعة من الصحابة حدثوا بعد الثمانين، من التابعين كذلك، من أهل العلم من بلغ المائة، بل منهم من جاوز المائة وهو يحدث، ويعلم الناس على أحسن حال، نعم الثمانين فما بعدها مظنة للضعف الشديد، ومظنة للخرف والاختلاط، لكن إذا وجد منه شيء من ذلك يمسك، وإذا لم يشعر هو بذلك ينبغي أن يؤخذ على يده، "وقد استدركوا عليه بأن جماعة من الصحابة وغيرهم حدثوا بعد هذا السن، منهم أنس بن مالك وسهل بن سعد وعبد الله بن أبي أوفى، وخلقٌ ممن بعدهم، وقد حدث آخرون بعد استكمال مائة سنة، منهم الحسن بن عرفة -صاحب الجزء المشهور- وأبو القاسم البغوي وأبو إسحاق الهجيمي والقاضي أبو الطيب الطبري أحد أئمة الشافعية وجماعة كثيرون".
لكن إذا كان الاعتماد على حفظ الراوي فينبغي الاحتراز من اختلاطه إذا طعن في السن، هو مظنة للاختلاط، مظنة للنسيان، لكن ليس الأصل هو النسيان، نعم ينبغي أن يكون الإنسان على حذر، "وأما إذا كان اعتماده على حفظ غيره وخطه وضبطه فهاهنا كلما كان السن عاليًا كان أرغب في السماع عليه"؛ لأنه إذا تفرد برواية أحاديث أو برواية كتب أو كتاب فإنه يكون حينئذٍ سنده عاليًا، والعلو مطلوب عند أهل العلم، والمراد بالعلو قلة الوسائط بين الراوي والنبي -﵊-، فكلما قل الوسائط وقل رجال الإسناد كان تطرق الخلل إليه أو احتمال تطرق الخلل إليه أقل؛ لأنه ما من راوي من الرواة وإلا ويحتمل أنه نسي أو أخطأ، أو وهم، أو ما أشبه ذلك، فإذا قلت الوسائط قلت هذه الاحتمالات.
[ ١٣ / ٤ ]
يقول: "كما اتفق لشيخنا أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار فإنه جاوز المائة محققًا، سمع على الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة صحيح البخاري، وأسمعه في سنة ثلاثين وسبعمائة" بعد مائة سنة، يقول: "وكان شيخًا كبيرًا عاميًا .. "
كم عمر الحافظ ابن كثير يوم يسمعه سنة ثلاثين وسبعمائة؟ الحافظ ولد سنة؟ لا تنظرون ما هي مسألة غش، لا، أنا أريد جواب متى ولد؟ ومتى مات؟
طالب:. . . . . . . . .
سبعمائة ولد، ولد سنة سبعمائة، أو سبعمائة وواحد إيه، ومات سنة أربعة وسبعين وسبعمائة، عن أربعٍ وسبعين سنة.
يقول: "وكان شيخًا كبيرًا عاميًا، لا يضبط شيئًا، ولا يتعقل كثيرًا من المعاني الظاهرة" إذًا ما الفائدة من القراءة عليه؟ هو يروي الحديث، يروي الصحيح بالإسناد المتصل عن شيوخه، وهذه احتيج إليها في الأزمان
المتأخرة حينما صارت الغاية والهدف من الرواية إبقاء سلسلة الإسناد فقط، ولا عمدة على الرواة بعد عصر التدوين، لا عمدة عليهم، يعني كون يكون في طريقك الحجار هذا العامي الذي لا يتحقق كثيرًا من المعاني يضر حديثه في صحيح البخاري؟ ما يضره، نعم.
"ومع هذا تداعى الناس إلى السماع منه عند تفرده عن الزبيدي، فسمع منه نحو من مائة ألف أو يزيدون" طلبًا لعلو الإسناد كما هو معروف.
قالوا: وينبغي أن يكون المحدث جميل الأخلاق، حسن الطريقة، صحيح النية، فإن عزبت نيته عن الخير فليسمع، فإن العلم يرشده إليه، قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.
[ ١٣ / ٥ ]
"قالوا -وهذا من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المحدث وطالب الحديث أيضًا-: ينبغي أن يكون المحدث جميل الأخلاق" كريم النفس، سهل، سمح، يصبر على جفا الطلاب، وعلى جهل بعضهم، وشدة بعضهم تأسيًا بالنبي -﵊-، قد لقي من الأذى، ولقي من سوء المعاملة من بعض الناس ما لقي، وقال عن موسى -﵇-: «رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» هذه طريقة الأنبياء، وهي أيضًا ينبغي أن تكون طريقة الوراث، وراث الأنبياء، ورثة الأنبياء، ورثة الأنبياء هم العلماء، ينبغي أن يكون لهم بالأنبياء قدوة وأسوة، فعلى العالم أن يكون جميل الأخلاق، حسن الطريقة، إن لم تكن هذه سجية، وغريزة جبل عليها الإنسان وهذا من فضل الله -﷾- أن يجبل على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، إن لم يكن كذلك فليتخلق وليتطبع، فإنه يؤجر على هذا التخلق وهذا التطبع، وفي النهاية يكون خلقًا بعد أن كان اكتسابًا يكون جبليًا، والله -﷾- إذا علم صدق النية أعان.
يقول: "حسن الطريقة" حسن السيرة، حس السمت، حسن الطريقة في هيئته، في ملبسه متوسط لا يبالغ ولا يغالي، وأيضًا لا يكون ..، يظهر بمظهر يستقذره الناس ويستقبحونه، بل يكون متوسط في أموره كلها، أيضًا يكون في هيئته ونظراته ومشيته وتعامله مع الناس أسوة وقدوة للناس، وكم من شخصٍ استفاد الناس من هيئته أكثر من علمه، ابن الجوزي ذكر في فهرست شيوخه عن أحد شيوخه أنه استفاد من بكائه أكثر مما استفاد من علمه، لا شك أن مثل هذه الأمور لها أثر في الطلاب، والله المستعان.
حسن الطريقة أيضًا في التعليم، في إيصال المعلومة إلى الطالب، ينبغي أن يكون الشيخ أيضًا يقصد الوضوح في الأسلوب، والتكرار غير الممل، والتغيير في الأساليب التي جربها ووجدها لا تجدي، وأيضًا يحرص كل الحرص على إفادة الطالب والنصح له، وأن يكون "صحيح النية" والمدار عليها؛ لأن العلم الشرعي عبادة إذا طلبت لغير وجه الله -﷾- ضرت، فالذي يريد زينة الحياة الدنيا ليس لهم في الآخرة -نسأل الله العافية- إلا النار، نسأل الله العافية.
[ ١٣ / ٦ ]
فالعلم الشرعي علم الكتاب والسنة، علم الحلال والحرام المبني على الكتاب والسنة كله شرعي، من علوم الآخرة المحضة التي لا يجوز التشريك فيها، الأجر عظيم، والإثم مع الزلل كبير، فأول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، منهم من تعلم وعلم، فيجاء به يوم القيامة فيقال: ماذا عملت؟ فيقول: تعلمت وعلمت، علمت فيك العلم، قال: كذبت، إنما علمت ليقال: عالم، ومثله المجاهد والمتصدق، والله المستعان، نسأل الله السلامة والعافية.
يقول: "فإذا عزبت نيته عن الخير فليسمع" يعني داخله شيء من الرياء، شيءٌ من المقاصد الأخرى من أمور الدنيا يقول: لا يتوقف، لا يتوقف بحجة أن النية عزبت، ليس العلاج أن تترك، بعض الناس يترك الدراسة في الأقسام الشرعية مثلًا إذا سألته قال: والله عجزت، أبي أخلص وعجزت، فالعلاج نترك الدراسة، ومثل طلاب الحلق، بعضهم يقول: والله إني أتردد على الشيخ سنين والله أعلم بهالنية، نقول: لا تترك هذا ليس بعلاج، جاهد نفسك، جاهد نفسك على الإخلاص، وإذا علم الله -﷾- صدق النية أعانك، والله المستعان.
"فإذا عزبت نيته عن الخير فليسمع، فإن العلم يرشد إليه" يرشد إلى الإخلاص، يدلك على الإخلاص، كلما زاد علمك زاد إخلاصك، وزاد تواضعك.
"قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله" ما نعتمد على مثل هذا الكلام ونسترسل ونقول: خلاص السلف طلبوا العلم بالنيات المدخولة فقادهم العلم الشرعي إلى الإخلاص، ما نقول: نطلب العلم من أجل الوظيفة، أو من أجل الذكر، أو من أجل أن تقدر في المجالس وبعدين تجي النية الصالحة؛ لأن السلف طلبوه لغير الله، وفي النهاية صار لله، لا، من يؤمنك، من يؤمنك أن تخترمك المنايا وأنت ما حصل لك هذا الإخلاص، نسأل الله العافية، نعم.
وقالوا: لا ينبغي أن يحدث بحضرة من هو أولى سنًا أو سماعًا، بل كره بعضهم التحديث لمن في البلد أحق منه، وينبغي له أن يدل عليه ويرشد إليه، فإن الدين النصيحة.
[ ١٣ / ٧ ]
قالوا: من الآداب للمحدث أن لا يحدث بحضرة من هو أولى منه سنًا أو سماعًا، بل كره بعضهم التحديث، نعم إذا وجد في المجلس شخص أكبر منك سنًا أو أعلم منك ينبغي أن تترك له المجال، ما تتحدث بحضرته إلا بقدر الحاجة إلا إذا امتنع الأعلم فإنه حينئذٍ يتحدث من دونه؛ لئلا يحرم الناس، ومثله إذا كان في البلد أكثر من عالم، والبلد لا يحتاج إلا إلى عالمٍ واحد يعلم الناس، ينبغي أن يكون هو الأعلم، فإذا امتنع الأعلم من التحديث يقوم الذي بعده وهكذا؛ لئلا يحرم الناس بحجة أن الأعلم تردد أو رفض.
فإذا كان عند غيره من العلم ما ليس عنده في العلوم كلها أو في بعضها، جاء شخص ليقرأ في كتاب وأنت تعرف أن من أهل العلم من له عناية بهذا الكتاب، من النصيحة -والدين النصيحة- أن تقول لهذا الطالب: اذهب إلى فلان فاقرأ عليه، فهو أولى مني بإقراء هذا الكتاب، فإن الدين النصيحة، لكن الإشكال إن من طلاب العلم من لا يقتنع، خلاص أعجب بفلان يرى أن كل العلوم عنده، تقول: يا أخي اذهب إلى فلان يحسن ويفتح لك مغاليق هذا الكتاب أكثر مما عنده ..، لا، لا أريد ..، هذا يحصل كثيرًا، فالله المستعان.
فليحرص طالب العلم على التلقي عن الكبار، وعندنا -ولله الحمد- في هذه البلاد من أهل العلم من تشد إليه الرحال، نعم فقدنا جملةً منهم، لكن بقي من فيه الخير والبركة، ولا يعني هذا أن الإنسان عنده علم الدنيا كلها، يؤخذ عنه ما يحسنه، وينتقل إلى غيره ليأخذ عنه ما يحسنه، وتنوع الشيوخ أيضًا مطلوب؛ لأن كل شيخ له طريقته ومنهجه، وهم مدارس، كل واحد يمثل مدرسة، وكل واحد عنده ما ليس عند الآخر، فتنويع الشيوخ لا سيما الكبار منهم أمرٌ مطلوب؛ لئلا يندم الطالب لماذا لم يؤخذ عن فلان؟ لو اخترمته المنية ندم ندامة الكسعي، والله المستعان.
[ ١٣ / ٨ ]
"بل كره بعضهم التحديث لمن في البلد أحق منه، وينبغي أن يدل عليه، ويرشد إليه" جاءك شخص يريد أنك تقرأ كتاب في العقائد تقول: اذهب إلى فلان، اذهب إلى فلان هو في هذا الباب راسخ، في الفقه اذهب إلى فلان، في أصول الفقه اذهب إلى فلان وهكذا، لأنك لا تجد عالم واحد يحيط بالدنيا كلها، بعضهم يقول: أنا أحدد الجهة، وأتعامل مع شخصٍ واحد أعرف نفسيته وكيفيته وطريقته أحسن لي من أن أتنقل من حلقة إلى حلقة، وكل يوم عند شيخ، وكل واحد يعطيني من العلم ما يختلف عن الآخر وهكذا، هذه وجهة نظر على كل حال، ومن أهل العلم السابقين من فعل ذلك يقرأ العلوم كلها، لكن ينبغي أن نقدر الرجال، ونعرف أقدارهم، وننزلهم منازلهم؛ لأن النبي -﵊- أمرنا أن ننزل ..، قالت عائشة: "أمرنا أن ننزل الناس منازلهم".
باقي؟ نسرده؟ وهو سهل نعم، أعطينا إياه.
قالوا: وينبغي عقد مجلس التحديث، وليكن المسمع على أكمل الهيئات، كما كان مالكٌ -رحمه الله تعالى- إذا حضر مجلس التحديث توضأ، وربما اغتسل وتطيب، ولبس أحسن ثيابه، وعلاه الوقار والهيبة، وتمكن في جلوسه، وزبر من يرفع صوته، وينبغي افتتاح ذلك بقراءة شيءٍ من القرآن تبركًا وتيمنًا بتلاوته، ثم بعده التحميد الحسن التام، والصلاة على رسول الله -ﷺ-، وليكن القارئ حسن الصوت، جيد الأداء، فصيح العبارة، وكلما مرَّ بذكر النبي -ﷺ- صلى عليه وسلم.
قال الخطيب -﵀-: ويرفع صوته بذلك، وإذا مرَّ بصحابيٍ ترضى عنه، وحسنٌ أن يثني على شيخه كما كان عطاء يقول: حدثني الحبر البحر عبد الله بن عباس -﵄-، وكان وكيعٌ يقول: حدثني سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث، وينبغي أن لا يذكر أحدًا بلقبٍ يكرهه، فأما لقبٌ يتميز به فلا بأس.
[ ١٣ / ٩ ]
يقول -رحمه الله تعالى-: "قالوا: وينبغي عقد مجلس التحديث" ينبغي للمحدث أن يعقد مجلسًا للتحديث يقصد فيه تبليغ ما حمله عن النبي -﵊- إلى الطلاب، كما أنه ينبغي أن يعقد مجالس للإملاء وهذه سنة متبعة عند أهل العلم، "وليكن المسمع –الشيخ- على أكمل الهيئات" لماذا؟ لأنه بصدد نقل كلام النبي -﵊-، تكون هيئته وجلسته مناسبة، كان الإمام مالك -رحمه الله تعالى- "إذا حضر مجلس التحديث توضأ، وربما اغتسل وتطيب، ولبس أحسن ثيابه، وعلاه الوقار والهيبة، وتمكن في جلوسه"، كل هذا احترامًا لحديث النبي -﵊-.
"وزبر من يرفع صوته" أخذًا من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [(٢) سورة الحجرات] فالذي يسمع قال رسول الله -ﷺ- ويرفع صوته أكثر من هذا الصوت كان الإمام مالك -﵀- يراه رفع صوتٍ فوق صوت النبي، وإن كان الصوت صوت القارئ، الصوت صوت القارئ بلا شك، لكن باعتبار هذا القارئ يقرأ حديث النبي -﵊- فكأنه رفع صوته على صوت النبي -﵊- فحصلت مخالفة الآية من هذه الحيثية.
يقول: "وينبغي افتتاح ذلك -يعني مجلس التحديث- بقراءة شيء من القرآن تبركًا وتيمنًا" كان الصحابة والسلف من بعدهم إذا اجتمعوا استمعوا إلى قراءة قارئ حسن الصوت في بداية المجلس أو في نهايته، أو فيهما معًا، ثم بعد هذه القراءة يبدأ المجلس بالتحميد الحسن التام، والصلاة على رسول الله -ﷺ-، والتحميد والتمجيد لله -﷾-، وذكر نعمه وآلائه، ثم الصلاة على النبي -﵊- وآله من أهل بيته وذريته وأصحابه وأعوانه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ لأن من دعا بظهر الغيب لأحد قيل: ولك بمثله، ومثله إذا دعا وذكر الله في ملأ ذكره الله -﷾- في ملأٍ خيرٍ منهم، "وليكن القارئ حسن الصوت، جيد الأداء" لأن حسن الصوت سواءً كان في القرآن، أو في الحديث، أو في غيره يجعل للكلام قبول، ولذا أمرنا أن نزين القرآن بأصواتنا، «زينوا القرآن بأصواتكم».
[ ١٣ / ١٠ ]
"جيد الأداء" أداء الحروف، ويخرج الحروف من مخارجها، ولا يأكل بعض الحروف مثل بعض القراء، بعض القراء يأكل بعض الحروف، والله المستعان، وبعض المتكلمين أيضًا يأكل بعض الحروف.
"فصيح العبارة" واضح الكلام، يخرج من فمه واضحًا، بحيث لا يخفى على السامع، "وكلما مرَّ بذكر النبي -﵊- صلى عليه وسلم"، فيقرن بين الصلاة والتسليم؛ ليتم امتثاله لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب] «من صلى عليَّ مرةً واحدة صلى الله عليه بها عشرًا» والنصوص في الصلاة عليه -﵊- كثيرة، "قال الخطيب: ويرفع صوته بذلك" بالصلاة على النبي -﵊-، "وإذا مر بصحابيٍ ترضى عنه"، ومن بعد الصحابة يترحم عليهم، وأهل العلم يثنى عليهم، ويذكرون بخير، ويدعى لهم.
يقول: "وحسنٌ أن يثني على شيخه" نعم حسنٌ أن يثني عليه إذا كان بغير حضرته، والشيخ بحاجة إلى الدعاء أكثر من حاجته إلى الثناء، "كما كان عطاء يقول: حدثني الحبر البحر ابن عباس، وكان وكيعٌ يقول: حدثني سفيان الثوري أميرُ المؤمنين في الحديث، وينبغي أن لا يذكر أحدًا بلقبٍ يكرهه"، إذا كان قصده النبز بهذا اللقب فهو حرام، وإذا كان قصده مجرد التعريف بهذا اللقب بحيث لا يعرف، أو يغمض عند السامع إلا بذكر اللقب كالأعرج والأعمش، وما أشبه ذلك فلا بأس به، وهو مشهور مستفيض متداول عند أهل العلم، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سم.