شرح كتاب اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير (٥)
النوع الحادي عشر: المعضل - والنوع الثاني عشر: المدلس - والنوع الثالث عشر: الشاذ
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
لماذا؟ لأنه سقط من أثنائه أكثر من راوي من أكثر من موضع، فعبد الرازق لم يروه عن الثوري، لم يسمعه عن الثوري، وإنما رواه عن النعمان بن أبي شيبة الجندي، وأيضًا الثوري لم يسمعه من أبي إسحاق، وإنما رواه عنه بواسطة شريك فهذا ينطبق عليه الحد الذي استقر عليه الاصطلاح، وأما الثاني ما فيه راوٍ مبهم ما رواه أبو العلاء بن الشخير عن رجلين، عن شداد بن أوس حديث: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر» ففيه إبهام وليس فيه انقطاع، وهذا جارٍ على ما يراه بعضهم مما يؤيده أن وجود الراوي المبهم مثل عدمه، كأنه لم يذكر، وجود الراوي المبهم مثل عدمه، فكأنه غير موجود، لكن كونه عن رجلين وإن كانا مبهمين هو أقوى من روايته عن رجلٍ واحد ففيه قوة.
على كل حال ما فيه راوٍ مبهم على الاصطلاح ليس بمنقطع، وإنما هو متصل في إسناده من يجهل، "ومنهم من قال: المنقطع مثل المرسل، وهو كل ما لا يتصل إسناده"، هذا هو الأصل فيه، أن كل ما لا يتصل إسناده هو المنقطع، لكن أهل الاصطلاح خصوا المنقطع بما عدا الصور الثلاث التي أشرنا إليها، "غير أن المرسل أكثر ما يطلق على ما رواه التابعي عن رسول الله -ﷺ-"، المسألة غلبة يعني أكثر ما يطلق المرسل على هذا، وإلا فقد يقال في المنقطع: مرسل، كما إذا قيل: أرسله فلان ووصله فلان، فمعناه أنه لم يصل إسناده على أي وجهٍ كان انقطاعه، "قال ابن الصلاح: وهذا أقرب"، ولا شك أن هذا يؤيده الأصل، "وهو الذي سار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم، والذي ذكره الخطيب البغدادي في كفايته"، وهو أيضًا الذي نصره ابن عبد البر في التمهيد، وقال النووي: هو الصحيح، إذا نظرنا إلى الأصل في الانقطاع وهو ما يقابل الاتصال، نعم يؤيد، يؤيد هذا، لكن يبقى أن تخصيص كل نوع باسمٍ خاص أولى، والذي سلكه جمهور أهل الحديث، يقول الحافظ العراقي:
وسم بالمنقطع الذي سقط قبل الصحابي به راوٍ فقط
[ ٥ / ١ ]
وقيل: ما لم يتصل، وقال: بأنه الأقرب لا استعمالًا؛ لأنه الأقرب يعني من حيث الأصل لا في الاستعمال، قال: "وحكى الخطيب عن بعضهم أن المنقطع ما روي عن التابعي فمن دونه موقوفًا عليه من قوله أو فعله وهذا بعيد غريب" هذا كلام البرديجي، وهو الذي سبق أن أشرنا إليه في قوله: "وعكسه اصطلاح البردعي"، البردعي هو البرديجي، أحمد بن هارون أبو بكر، يرى أو يطلق المنقطع ويريد به المقطوع، يطلق لفظ المنقطع ويريد به ما روي عن التابعي فمن دونه، أبعد من هذا قول إلكيا الطبري الراسي: هو قول الرجل بدون إسناد قال: رسول الله -ﷺ-، وزعم أنه مصطلح المحدثين، بدون إسناده، يعني ولو تأخر عصره يقول: قال الرسول -ﷺ- اصطلاح المحدثين هذا هو المنقطع، نعم هو ليس له إسناده فضلًا عن أن يكون منقطع أو متصل.
(النوع الحادي عشر: المعضل)
وهو ما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا، ومنه ما يرسله تابع التابعي، قال ابن الصلاح: ومنه قول المصنفين من الفقهاء: قال رسول الله -ﷺ-، وقد سماه الخطيب في بعض مصنفاته مرسلًا، وذلك على مذهب من يسمى كل ما لا يتصل إسناده مرسلًا، قال ابن الصلاح: وقد روى الأعمش عن الشعبي قال: «ويقال للرجل يوم القيامة: عملتَ كذا وكذا؛ فيقول: لا، فيختم على فيه» .. الحديث قال: فقد أعضله الأعمش؛ لأن الشعبي يرويه عن أنس عن النبي -ﷺ-، قال: فقد أسقط منه الأعمش أنسًا والنبي -ﷺ-، فناسب أن يسمى معضلًا.
[ ٥ / ٢ ]
النوع الحادي عشر: المعضل: وهو اسم مفعول من الإعضال واشتقاقه من حيث ومأخذه من حيث اللغة مشكل، ووجه الإشكال كما قال بعضهم: أنه في الأصل مأخوذ من عول الثلاثي، وليس من الرباعي أعضل، لأنه مأخوذ من اللازم لا من المتعدد، فأعضل يعضل فهو معضَل هذا يكون قد عدي بالهمزة، لكن السخاوي يرى أنه لا مانع أن يكون أيضًا من الرباعي المتعدي، قالوا: أعضله فهو معضل وعضيل، كما في أعله المرض فهو عليل، بمعنى مفعل وفعيل، وهذا إنما يستعمل في المتعدي، لكن جمهور من كتب في المصطلح يقول: إنه من اللازم، بعض الألفاظ لا تستعمل إلا على صيغة المفعول المجهول، تُنتج الناقة، كما تُنتج البهيمة، هنا الحديث المعضل هل الحديث أعضله الراوي بحذف راويين من إسناده أو الحديث هو الذي أعضل العلماء؟ بمعنى أنه أتعبهم في البحث عن ما سقط من رواته، يعني ليس مثل المنقطع سقط واحد، لا، سقط أكثر من واحد على التوالي.
على كل حال هذا لفظ استعمله العلماء، وحدوه بما ذكروه من أنه: ما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا، شريطة أن لا يكون الساقط من مبادئ الإسناد، ليخرج بذلك المعلق، وأن يكون هذان الساقطان على التوالي، ولذا يقول الحافظ العراقي -﵀-:
والمعضل الساقط منه اثنانِ فصاعدًا ومنه قسم ثاني
حذف النبي والصحابي معا ووقف متنه على من تبعا
أضاف بعض الآخذين على الناظم قوله:
والشرط في ساقطه التوالي والانفراد ليس بالإعضالِ
على هذا أن يكون على الولاء ما سقط منه راويان فأكثر على التوالي، أما إذا سقط منه أكثر من راوي لا على التوالي فإنه يسمى منقطع على ما تقدم، وأن لا يكون الساقط من مبادئ الإسناد ليخرج بذلك المعلق، نعم من سقط منه اثنان من أعلى إسناده سقط منه الصحابي والتابعي هذا معضل، وما سقط منه الصحابي ذكر به التابعي ووقف المتن عليه هذا أيضًا سموه معضل؛ لأنه أُسقط منه الصحابي والنبي -﵊-، قالوا: وهذا باستحقاق اسم الإعضال أولى.
[ ٥ / ٣ ]
يقول: "ومنه ما يرسله تابع التابعي"، يعني يسقط الصحابي والتابعي، لكن إذا وقف متنه على التابعي فهذا أيضًا معضل على ما ذكرنا، "قال ابن الصلاح: ومنه قول المصنفين من الفقهاء: قال رسول الله -ﷺ-، وقد سماه الخطيب في بعض مصنفاته مرسلًا، وذلك على مذهب من يسمي كل ما لا يتصل إسناده مرسلًا"، عرفنا أن فيه تداخل بين أنواع الانقطاع من حيث الحد واختلاف التمييز بينها، لكن الذي استقر عليه الاصطلاح هو ما ذكرنا، "قال ابن الصلاح: وقد روى الأعمش عن الشعبي قال: –يعني موقوف على الشعبي- «يقال للرجل يقوم القيامة: عملت كذا وكذا، فيقول: لا: فيختم على فيه ..» الحديث، قال: فقد أعضله الأعمش -يعني حذف الصحابي وحذف النبي -﵊- لأن الشعبي يرويه عن أنس عن النبي -ﷺ-، قال: فقد أسقط الأعمش أنسًا والنبي -ﷺ-، فناسب أن يسمى معضلًا"، يقول ابن الصلاح: هذا باستحقاق اسم الإعضال أولى، لكن ابن جماعة قال: هذا فيه نظر، لماذا؟ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، فله حكم الرفع، وحينئذٍ يكون الساقط منه الصحابي فقط، والرسول -﵊- وإن كان محذوفًا من السند إلا أنه في حكم الموجود، هذا وجه تنظير ابن جماعة، يقول: الراوي قد أسقط الصحابي فقط، وعلى هذا يكون حكمه حكم المرسل.
بعض الكبار من الأئمة أطلق الإعضال على ما لم يسقط من إسناده شيء، سنده متصل، وذلكم لإشكاله في معناه، مثلًا يكون في معناه إشكال فيكون. . . . . . . . . أو معضل.
قال: وقد حاول بعضهم أن يطلق على الإسناد المعنعن اسم الإرسال أو الانقطاع، قال: والصحيح الذي عليه العمل: أنه متصل محمول على السماع إذا تعاصروا، مع البراءة من وصمة التدليس، وقد ادعى الشيخ أبو عمرو الداني المقرئ إجماع أهل النقل على ذلك، وكاد ابن عبد البر أن يدعي ذلك أيضًا.
[ ٥ / ٤ ]
قلت: وهذا هو الذي اعتمده مسلم في صحيحه، وشنَّع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقيَّ، حتى قيل: إنه يريد البخاري، والظاهر أنه يريد علي بن المديني، فإنه يشترط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة، ولكن التزم ذلك في كتابه الصحيح، وقد اشترط أبو المظفر السمعاني مع اللقاء طول الصحابة، وقال أبو عمرو الداني: إن كان معروفًا بالرواية عنه قُبلت العنعنة، وقال القابسي: إن أدركه إدراكًا بيّنًا، وقد اختلف الأئمة فيما إذا قال الراوي: أن فلانًا قال، هل هو مثل قوله: عن فلان، فيكون محمولًا على الاتصال، حتى يثبت خلافه؟ أو يكون قوله: أن فلانًا قال، دون قوله: عن فلان؟ كما فرق بينهما أحمد بن حنبل ويعقوب بن أبي شيبة وأبو بكر البرديجي، فجعلوا (عن) صيغة اتصال، وقوله: أن فلانًا قال كذا في حكم الانقطاع حتى يثبت خلافه، وذهب الجمهور إلى أنهما سواء في كونهما متصلين، قاله ابن عبد البر، وممن نص على ذلك مالك بن أنس، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي، سواء فيه أن يقول: عن رسول الله -ﷺ-، أو قال رسول الله -ﷺ-، أو سمعت رسول الله -ﷺ-.
وبحث الشيخ أبو عمرو هاهنا فيما إذا أسند الراوي ما أرسله غيره، فمنهم من قدح في عدالته بسبب ذلك، إذا كان المخالف له أحفظ منه أو أكثر عددًا، ومنهم من رجح بالكثرة أو الحفظ، ومنهم من قبل المسند مطلقًا، إذا كان عدلًا ضابطًا، وصححه الخطيب وابن الصلاح، وعزاه إلى الفقهاء والأصوليين، وحكى عن البخاري أنه قال: الزيادة من الثقة مقبولة.
[ ٥ / ٥ ]
هنا حكم الاحتجاج بالسند المعنعن والمؤنن، السند المعنعن: ما يقول فيه الراوي: فلان عن فلان عن فلان .. الخ، والمؤنن ما يقول فيه: أن فلانًا قال، فمنهم من يزعم أن ما لم يصرح فيه بالتحديث أو بالسماع لا يحكم باتصاله، حتى يقول: حدثنا وسمعت، حتى قال بعضهم: كل حديث ليس فيه حدثنا وسمعت فهو خل وبقل، لكن جمهور العلماء على أن الإسناد المعنعن محكوم له بالاتصال وفي حكمه المؤنن، شريطة أن لا يكون الراوي موصوفًا بالتدليس، والخلاف جارٍ بينهم في اشتراط ثبوت اللقاء أو الاكتفاء بالمعاصرة، اشتهر النقل عن الإمام البخاري -﵀- وعلي بن المديني اشتراط ثبوت اللقاء والسماع من الراوي ولو مرة واحدة، ومسلم في صدر الصحيح أطال الكلام في تفنيد هذا القول والتشنيع على قائله بألفاظٍ قوية جدًا حتى استبعد بعضهم أن يكون المراد البخاري أو علي بن المديني.
وعلى كل حال لا يوجد تصريح سواء كان من البخاري أو علي بن المديني باشتراط اللقاء، وأما الإمام مسلم فقد صرح بأن المعاصرة كافية، ولا شك أنه يشكل على اشتراط ثبوت اللقاء أن أهل العلم في تراجم الرواة لا ينصون على أنه لقيه أو لم يلقه، وإنما يقولون: روى عن فلان وفلان وفلان .. الخ، وهذا الإشكال نظير الإشكال الناتج عن اشتراط تفسير الجرح، وهو قول الجمهور، إذا اختلف في الراوي جرحًا وتعديلًا اشترطوا تفسير الجرح، يقولون: كتب التراجم ليس فيها تفسير الإنكار، بل أهل العلم يكتفون بالنقل عن الأئمة بأن فلانًا ضعيف، وفلان فيه كذا، وفلان سيء الحفظ، هذا فيه تفسير، لكن ضعيف؟ ما فيه تفسير، فعلى هذا ينبغي أن ننظر كتب التراجم حتى يفسر الجرح، ونهمل كتب من يعتني بذكر الشيوخ والتلاميذ حتى ينص على أنه ثبت لقاء الراوي لمن روى عنه، وهذا مشكل، لا شك أنه استفاض النقل عن الإمام البخاري اشتراط ثبوت اللقاء وإن كان منهم من يخص ذلك في صحيحه –صحيح البخاري- يقول أن البخاري في صحيحه لم يخرج إلا عمن ثبت لقاؤه لمن روى عنه، ولا يشترط ذلك في أصل الصحة خلافًا لعلي بن المديني.
[ ٥ / ٦ ]
على كل حال مذهب الإمام مسلم من حيث العمل، والعمل جارٍ عليه، وأطال في نصره والتشديد على المخالف حتى رماه بأنه يحاول الطعن في السنة، الذي يخالف ويشترط اللقاء؛ لأن أكثر الأحاديث لا توجد مروية إلا بالعنعنة، ولم يذكر أن الراوي ثبت لقاؤه لمن روى عنه، ويُذكر أن أول من صرح بأن المراد البخاري أو علي بن المديني هو القاضي عياض في إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، وهذا في رسالة طبعت أخيرًا لم أتمكن من الإطلاع عليها.
وصححوا وصل معنعنٍ سلمْ من دلسة راويه واللقا علمْ
هذا القول الأول: أنه لا بد من ثبوت اللقاء، وهو الذي قرره ابن الصلاح والحافظ العراقي وجمع من أهل العلم، هذا القول الثاني وهو قول الإمام مسلم والذي نصره في مقدمة الصحيح أنه لا يشترط اللقاء، تكفي المعاصرة، لكن مع عدم استحالة اللقاء، يعني مع إمكان اللقاء، أما إذا عرفنا أن شخص عاش في أقصى المشرق والآخر في أقصى المغرب فلا يحكم له بالاتصال، لذا ذكر الحافظ ابن رجب -﵀- في شرح البخاري أن العلماء يحكمون بالانقطاع بتباين البلدان، يعني إذا عرف أن هذا الراوي عاش بالمشرق والآخر عاش بالمغرب ولم يعرف أنهما حجا في سنةٍ واحدة، هذا الذي يغلب على الظن أنهما ما لقيا أحدهما الآخر، والسماع حينئذٍ غير متأكد.
[ ٥ / ٧ ]
على كل حال العمل جارٍ على قول مسلم، لكن هل يثبت القول الآخر عن الإمام البخاري ولو في صحيحه؟ محل تأمل، يحتاج إلى مزيد من البحث في رواة الصحيح، الإمام البخاري -﵀- في تاريخه الكبير يعتني بذكر السماع، سماع فلان من فلان، وبذكر اللقاء فلان أو فلان، المقصود أنه يهتم بهذه المسألة، لكنه لم يصرح ولا في موضعٍ واحد أنه يشترط، والنقل عنه مستفيض؛ لأنه شرط عنده، كما أنه شرط عند علي بن المديني فيما نقله أهل العلم، والمسألة كما قال الإمام مسلم: ما عرف أن العلماء توقفوا بتصحيح حديث بسندٍ معنعن إلا إذا عرف راويه بالتدليس، فإذا سلم الراوي من وصمة التدليس فإنه يحكم له بالاتصال، والغريب في الأمر أن الإمام مسلم -﵀- ضرب أمثلة بأحاديث لا توجد عند أحد إلا معنعنة، ووجه الغرابة أن الإمام مسلم خرجها في صحيحه بصيغة التحديث، ليست معنعنة، خرج الأحاديث في صحيحه بصيغة التحديث، ونبه على ذلك ابن رشيد في كتابه (السنن الأبين) وهي معروفة، الأحاديث في مقدمة صحيح مسلم نبه عليها وهي مخرجة في صحيحه، وعلى كل حال الخطأ لا يسلم منه أحد، والنسيان من يعرى عنه، قد يقعد قاعدة ثم تنخرم فيما بعد، والله المستعان.
منهم من يشترط قدرًا زائدًا على مجرد اللقاء، يشترطون الصحبة أن يدركه إدراكًا بيّنًا مثلًا، هنا يقول: "قال: والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل محمول على السماع إذا تعاصروا، -اكتفى بالمعاصرة- مع البراءة من وصمة التدليس، وقد ادعى الشيخ أبو عمرو الداني المقرئ إجماع أهل النقل على ذلك، وكاد ابن عبد البر أن يدعي ذلك أيضًا".
"قلت: وهذا هو الذي اعتمده مسلم في صحيحه وشنع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقي -أو اللقاء- حتى قيل إنه يريد البخاري"، قيل: إنه يريد البخاري، نعم، ادعي ذلك، القاضي عياض ومن جاء بعده كلهم تتابعوا على أنه يريد البخاري أو علي بن المديني.
[ ٥ / ٨ ]
قال: "والظاهر أنه يريد علي بن المديني، فإنه يشترط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة، ولكن التزم ذلك في كتابه الصحيح" هذا كلام من؟ الحافظ ابن كثير -﵀-، فهو مع من يرى أن البخاري يشترط اللقاء، ولو على أقل الأحوال في صحيحه.
"وقد اشترط أبو المظفر السمعاني مع اللقاء طول الصحبة، وقال أبو عمروٍ الداني: إن كان معروفًا بالراوية عنه قبلت العنعنة، قال القابسي: إن أدركه إدراكًا بينًا" كل هذا قدر زائد على مجرد ثبوت اللقاء.
السند المؤنن: يقول: "وقد اختلف الأئمة فيما إذا قال الراوي: أن فلانًا قال: هل هو مثل قوله: عن فلان فيكون محمولًا على الاتصال حتى يثبت خلافه، أو يكون قوله: أن فلانًا قال دون قوله: عن فلان؟ "، وهذا تبع فيه ابن الصلاح، كما فرق بينهما أحمد بن حنبل ويعقوب بن شيبة وأبو بكر البرديجي فجعلوا (عن) صيغة اتصال، وقوله: (أن فلانًا قال كذا) في حكم الانقطاع حتى يثبت خلافه، يقول الحافظ العراقي:
. . . . . . . . . وحكم (أن) حكم (عن) فالجلُّ
سووا وللقطع نحا البرديجي **** حتى يبين الوصل في التخريجِ
[ ٥ / ٩ ]
فالبرديجي يرى أنه في حكم المنقطع، لكن هل الإمام أحمد يرى أن المؤنن في حكم المنقطع؟ ومثله يعقوب بن شيبة؟ نقل ابن الصلاح أن أحمد بن حنبل يرى التفريق ويعقوب بن شيبة يرى التفريق، لكن هل كلام ابن الصلاح صواب؟ الإمام أحمد حكم على حديث محمد بن الحنفية عن عمار أنه مر بالنبي -ﷺ- حكم عليه بالاتصال، وحكم على رواية عن محمد بن الحنفية أن عمارًا بالنبي -ﷺ- بالانقطاع، هل سبب ذلك اختلاف الصيغة أو لا؟ ومثله يعقوب بن شيبة؟ هل السبب في اختلاف الحكم اختلاف الصيغة؟ الطريق الأول عن محمد بن الحنفية عن عمار أنه مر بالنبي -ﷺ-، قال: هذا متصل، طيب. الطريق الثاني: عن محمد بن الحنفية أن عمارًا مر بالنبي -ﷺ-، قال: هذا منقطع، لا، ليس هذا مردّه اختلاف الصيغة، بل السبب في ذلك أن محمد بن الحنفية بالطريق الأول يروي عن عمار قصةً حصلت له مع النبي -ﷺ-، يروي عن عمار، والقصة حصلت لعمار مع النبي -﵊- فهي متصلة.
الطريق الثاني: يحكي محمد بن الحنفية قصة حصلت بين عمار مع النبي -﵊- وهو لم يدركها، فرق، ظهر الفرق وإلا ما ظهر؟ الفرق ظاهر وإلا ما هو ظاهر؟ في الطريق الأول محمد بن الحنفية يحكي عن عمار وقد لقيه وسمع منه، يحكي عن عمار قصةً وقعت له مع النبي -﵊- فهو يحكيها عن صاحب الشأن؟ وفي الطريق الثاني محمد بن الحنفية يحكي قصةً لم يحضرها، ولذا قال: عن محمد بن الحنفية أن عمارًا مرّ بالنبي -ﷺ-، يعني على سبيل المثال، أنتم في طبقتكم في الجملة لو أقول لكم من أدرك الشيخ محمد بن إبراهيم مثلًا، صحيح، يعني في الجملة، جملتكم ما أدركه، لكن لما يقول واحد منكم: عن الشيخ عبد العزيز -﵀- عن الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- أن الشيخ محمد بن إبراهيم قال له كذا، هذا متصل لأنكم أدركتم الشيخ عبد العزيز، لكن لو قال منكم واحد: حدث فلان واحد منكم، أن الشيخ محمد بن إبراهيم قال للشيخ ابن باز، ما أدرك القصة، فالفرق ظاهر، الفرق بين الصيغتين ظاهر، ولذا قال الحافظ العراقي:
[ ٥ / ١٠ ]
. . . كذا له ولم يصوب صوبه
يعني ما أدرك المعنى الحقيقي للاختلاف، لاختلاف الحكم، هو نظر نظرة عادية وهو أن اختلاف الحكم بسبب اختلاف الصيغة؟ لا، سببه أن محمد بن الحنفية حكى قصةً عن صاحب الشأن في الطريق الأول فحكم له بالاتصال، وفي الطريق الثاني حكى قصةً لم يحضرها فهي منقطعة، ولذا قال: كذا له -يعني ابن الصلاح- ولم يصوب صوبه: يعني ما وقف على حقيقة الأمر، "وذهب الجمهور إلى أنهما سواء - (وحكم أنّ حكم عن فالجلل سووا) - في كونهما متصلين، قال ابن عبد البر: ومن نص على ذلك مالك بن أنس، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه أن يقول: عن رسول الله -ﷺ-، أو قال رسول الله -ﷺ-، أو سمعت رسول الله -ﷺ-" هذا متصل؛ لأن الصحابي بالنسبة لصيغ الأداء يعني المحظور باختلاف صيغ الأداء أن يكون الراوي موصوف بالتدليس، وليس في الصحابة مدلس، فسواء قال الصحابي: عن رسول الله -ﷺ-، أو قال رسول الله، أو سمعت رسول الله سواء.
[ ٥ / ١١ ]
هنا تعارض الوصل والإرسال، ومثله تعارض الوقف والرفع، يقول: "وبحث الشيخ أبو عمروٍ هاهنا فيما إذا أسند الراوي ما أرسله غيره، فمنهم من قدح في عدالته بسبب ذلك، إذا كان المخالف له أحفظ منه أو أكثر عددًا، ومنهم من رجح بالكثرة أو الحفظ، ومنهم من قبل المسنِد مطلقًا إذا كان عدلًا ضابطًا، وصححه الخطيب وابن الصلاح، وعزاه إلى الفقهاء والأصوليين، وحكى عن البخاري أنه قال: الزيادة من الثقة مقبولة"، وهذا سيأتي في زيادات الثقات، يأتي هذا البحث في النوع السابع عشر، على كل حال نشير إلى مسألة اختلاف الوصل مع الإرسال، ومثلها اختلاف الرفع مع الوقف، إذا روي الخبر مرسلًا وروي من طريقٍ آخر مسند، أو روي موقوفًا ومن طريقٍ آخر مرفوعًا، فمنهم من يقول: الحكم لمن وصل ولمن رفع؛ لأن مع من وصل زيادة علم خفيت على من أرسل، والزيادة من الثقة مقبولة، وهذا كل فرع عما سيأتي في الكلام على زيادة الثقة، يقول: من وصل معه زيادة علم وزيادة الثقة مقبولة، ومنهم من يقول: لا، الحكم لمن أرسل ولمن وقف؛ لأن الإرسال هو المتيقن، والوصل مشكوك فيه، ومثله الوقف والرفع، الوقف متيقن والرفع مشكوك فيه، وهو الجادة أيضًا، وكثيرًا ما يقول الخطأ في سلوك الجادة، ولذا منهج بعضهم أنه إذا اختلفت الجادة مع غيرها صحح الغير ترك الجادة، يعني لما يأتي الحديث من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر، أو مالك عن نافع عن ابن عباس يقول: لا، الصواب عن ابن عباس؛ لأن الراوي من كثر ما يسمع مالك عن نافع عن ابن عمر ارتكب هذه الجادة، والثاني لولا أنه متيقن ومتأكد ما طاوعه لسانه أن يقول: مالك عن نافع عن ابن عباس، هذا مسلك لبعض أهل العلم، ويستشف من صنيع أبي حاتم والدارقطني.
فالقول الأول في تعارض الوصل مع الإرسال: أن الحكم لمن وصل؛ لأن معه زيادة علم خفيت على من أرسل، القول الثاني: أن الحكم لمن أرسل؛ لأن الإرسال هو المتيقن والوصل مشكوك فيه، والقول الثالث: أن الحكم للأحفظ، إذا كان أحدهم أحفظ من الآخر حكم له، والقول الرابع: أن الحكم للأكثر، إذا كان رواة الإرسال أكثر حكم له، إذا كان رواة الوصل أكثر حكم لهم.
واحكم لوصل ثقةٍ في الأظهرِ وقيل: بل إرساله للأكثرِ
[ ٥ / ١٢ ]
الذي عليه الأئمة المتقدمون أنه لا يحكم بحكم عام مضطرد، في كل حديث تعارض فيه الوقف والإرسال بقولٍ يسلك باستمرار، لا، إنما يحكم لما ترجحه القرائن، ولذا تجدون في أحكام الأئمة أنهم لم يسلكوا مسلكًا واحدًا في هذا، بل الواحد منهم ليس له طريقة واحدة في الترجيح، فعلى سبيل المثال، الإمام البخاري -﵀- رجح وصل حديث: «لا نكاح إلا بولي» رجح الوصل، هل لأن مع من وصل زيادة والزيادة من الثقة مقبولة؟ مع كون من أرسله كالجبل، شعبة وسفيان ممن أرسل الحديث، إنما رجح الوصل لقرائن احتفت به، وتجدونه في بعض الأحيان يرجح الإرسال لقرائن احتفت بالإرسال.
وعلى هذا ليس في مثل هذه المسألة قاعدة مضطردة يحكم بها، بل الحكم للقرائن، ومثل هذه المسألة مسألة تعارض الوقف مع الرفع، يترك الحكم فيها للقرائن، ولذا تجدون الأئمة لا يحكمون بأحكام عامة مطردة، لكن الطالب –طالب العلم المبتدئ الذي يريد أن يتمرن- هل نقول: لا تحكم في مثل هذه الحالة؛ لأنك لم تصل إلى حدٍ تدرك فيه القرائن المرجحة؟ أو نقول: اعتمد أي قول من الأقوال للتمرين، وإذا تأهلت احكم بالقرائن، واعرض عملك على أهل العلم، ليوضحوا لك ما يحتف بأحد القولين من القرائن؟ هذا هو المطلوب، تتمرن على قواعد المتأخرين فإذا تأهلت، وأقرك أهل العلم، وشهدوا لك بأنك أدركت المرجحات حينئذٍ عليك أن تحاكي المتقدمين، على كل حال هذه المسألة من المسائل الكبار، وسيأتي بسطها -إن شاء الله تعالى- في زيادة الثقة؛ لأنها فرع عنه.
طالب: من يقلد أحد الأئمة يعني مثل حديث: «لا نكاح إلا بولي» ما أحكم عليه، أقلد أهل العلم المتقدمين؟
[ ٥ / ١٣ ]
تقلد البخاري مثلًا في وصله وتترك أبا حاتم وأبا زرعة وتقلد، تترك أحمد مثلًا في بعض الأحاديث، حديث رفع اليدين إذا قام من الركعتين، حديث ابن عمر، الإمام البخاري -﵀- رجح الرفع، خرجه في صحيحه، الإمام أحمد رجح الوقف، أنه موقوف على ابن عمر، تأخذ بقول من؟ ولذلك بعض طلبة العلم يقول: مثل هذه الكتب في مذهب أحمد ممن ينفر من التقليد، يقول: كيف يقول الحنابلة: بأن مواضع الرفع ثلاثة والرابع ثابت في صحيح البخاري؟ هل على الحنابلة أن يقلدوا البخاري وإمامهم يقول: موقوف؟ الراجح عند الإمام أحمد أن حديث ابن عمر موقوف، والذي رجحه البخاري وخرجه في صحيحه أن الحديث مرفوع، فمن تقلد؟ تقلد الإمام أحمد أو البخاري في مثل هذه الصورة؟ أو نقول: ما دمت في مرحلة التقليد خرج على قواعد المتأخرين، واعرض قولك على أقوال أهل العلم وأهل الخبرة ثم إذا تأهلت لست ملزم بقول أحد، على أن لا تخرج على مجموع أقوال المتقدمين، عن مجموعهم، لكن لك النظر في أقوالهم، فترجح ما شئت منها، أما تصحح حديث اتفقوا على تضعيفه، وتضعف حديث اتفقوا على تصحيحه، لا.
طالب: هذا صنيع بعض المتأخرين ممن يتصدر للتصحيح والتضعيف، يصحح حديث أو يحسنه، والإمام أحمد قال: منكر، البخاري قال: لا يصح، يعني أجمع العلماء المتقدمين على تصحيحه، وسبب هذا أنه يمشي على قواعد المتأخرين.
[ ٥ / ١٤ ]
نقول: إذا تأهل له أن ينظر في أقوال المتقدمين، وله أن يحكم بالقرائن فيحاكي المتقدمين، لكن قبل التأهل له أن يتمرن على قواعد المتأخرين؛ لأنها منضبطة ومحررة ومتقنة في كتبهم، موجودة، لكن على سبيل المثال حديث ابن عمر، أراد طالب علم يحكم بالقرائن كيف يحكم؟ الإمام أحمد وهو إمام هذا الشأن، إمام السنة، يقول: الحديث موقوف، والبخاري يقول: مرفوع، فهل ترفع يديك إذا قمت من الركعتين أو ما ترفع؟ بهذا نبين أن الكتب -كتب الفقه- وإن كان فيها شيء الراجح خلافه، لكن ما وضعت عبث، قد يقول قائل مثلًا الحجاوي في الزاد أو غيره حينما يذكر أن المواضع ثلاثة، البخاري موجود ومتداول يعني ما اطلع على البخاري؟ فيه الرفع في الموطن الرابع، إمام قال بهذا، وإمام ما قال ما تلقاء نفسه، يعني رجح أن الخبر موقوف، وإلا فهو أتبع الناس، وأشد الناس اتباعًا للسنة، الإمام أحمد.
طالب: يا شيخ قلتم: أن الواحد ما يخرج عن مجموع كلام المتقدمين، سبب سؤالي لماذا بعض المصححين والمضعفين يخرجون عن هذا المجموع؟ مثل الشيخ الألباني -الله يرحمه- يصحح حديث أو يحسن حديث كل الأئمة على التضعيف، هل له نظر معين وتوجه معين؟
على كل حال الشيخ يعتني بقواعد المتأخرين -﵀-، والشيخ كما نعلم من طريقته أنه يرقي الحديث من مجموع الطرق، وإن كان بعضها لا تصلح للترقية، وعلى كل حال هو إمام في هذا الباب، هو إمام ومجدد في هذا الباب، ﵀ رحمةً واسعة.
التدليس طويل، لكن مشكلته إن بقي للغد يأخذ وقت؟ ربع ساعة؟ يالله هات هات