النوع التاسع عشر: المضطرب، وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه، أو من وجوه أخر متعادلة لا يترجح بعضها على بعض، وقد يكون تارة في الإسناد، وقد يكون في المتن، وله أمثلة كثيرة، يطول ذكرها والله أعلم.
المضطرب: اسم فاعل من الاضطراب، وهو اختلال الأمر، وفساد نظامه، وأما تعريفه في الاصطلاح: فهو الحديث الذي يروى على أوجه مختلفة متساوية، حديث واحد، لكنه يروى على أكثر من وجه، وأن تكون هذه الأوجه مختلفة لا متفقة، وأن يكون هذا الاختلاف بالتساوي، فلا يمكن ترجيح بعض الوجوه على بعض؛ لأنه إذا أمكن ترجيح بعض الأوجه على بعض انتفى الاضطراب، عمل بالراجح وترك المرجوح، وانتفى الاضطراب.
[ ٧ / ١ ]
يقول الحافظ -﵀-: "وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخٍ بعينه أو من وجوه أخر متعادلة، لا يترجح بعضها على بعض، وقد يكون تارة في الإسناد، وتارة يكون في المتن " حديث: «شيبتني هود وأخواتها» مثلوا به للمضطرب، روي من أوجه كثيرة، فروي من مسند أبي بكر، وروي من مسند عائشة، المقصود أنه روي على أوجه أكثر من عشرة، وهذه العشرة مختلفة، مع أنه لا يمكن الترجيح بينها عند من مثل به، وإن كان الحافظ ابن حجر تمكن من ترجيح بعض هذه الوجوه على بعض، فانتفى الاضطراب، «شيبتني هود وأخواتها» فله طرق، منهم من يجعله من مسند عائشة، ومنهم من يجعله من مسند أبي بكر، ومنهم من يجعله من مسند سعد، ومنهم ومنهم .. إلى آخره.
[ ٧ / ٢ ]
وعلى كل حال السورة مظنة لذلك، لمن ألقى السمع، وقرأ بتدبر، وقرأ القرآن كما أمر، والقرآن كله كما قال شيخ الإسلام -﵀- من قرأه على الوجه المأمور به أورثه من الإيمان والعلم ما لا يدركه من لم يفعل مثل فعله، ما يمكن أن يدرك العلم إلا بهذه الطريقة، ونحن مع الأسف من يقرأ القرآن منا يقرأه على وجهٍ لا يدري كيف قرأ؟ بحيث لو تحرك عنده شيء ما يدري أين وقف؟ وهذا الواقع، نعم أثر عن السلف أنهم يقرؤون القرآن كثيرٌ منهم في سبع، وبعضهم في ثلاث، ووجد من يقرأ القرآن في يوم، لكن قد يُقرأ القرآن في يوم لكن مع حضور القلب والتدبر، ومع المران يُدرك ذلك، أما حديث: «لن يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» فهذا في عموم الناس الذين تلهيهم الأعمال، وتشغلهم عن قراءة القرآن، لكن من جلس واعتنى بالقرآن، وجلس ليقرأ القرآن الوقت الطويل كل وقته في قراءة القرآن، فالمسألة وقت، إذا افترضنا أن الشخص يقرأ القرآن في سبع وخصص كل يوم ساعة، ما الفرق بينه وبين الذي يقرأ القرآن في يوم يخصص سبع ساعات؟ ما في فرق، صح عن عثمان أنه يقرأ القرآن في ليلة، صح عن الشافعي كذلك وأبو حنيفة، ولا ينكر ذلك إلا من لم يدرك حقيقة هذا الأمر بالفعل، ولا شك أن القرآن في بداية الأمر يحتاج إلى معاناة يحتاج إلى شيء من التعب، يحتاج إلى مجاوزة امتحان، وأعرف شخص اعتكف ليقرأ القرآن في يوم فجلس يوم وليلة ما استطاع أن يقرأ إلا عشرين، ثم اعتكف بعد سنوات فقرأه في يوم وهو مرتاح، والآن يقرأ القرآن في يوم بدون اعتكاف.
والخلاف بين أهل العلم معروف في المفاضلة بين الهذ والترتيل، فالجمهور على أن الترتيل أفضل، والشافعي -﵀- يرى أن كثرة الحروف مع الهذ أفضل، وليست المسألة مفترضة فيمن يقرأ جزء ترتيل أو هذ لا هذا لا يختلف فيه أحد، لكن المسألة مفترضة فيمن يجلس ساعة يقرأ جزئين أو أربعة؟ هذا محل الخلاف، وفي ترجمة واحد من أهل العلم كان يقرأ القرآن في ثلاث الدهر كله، وله ختمة تدبر مكث فيها عشرين سنة -﵀-، يقول ابن القيم -﵀-:
فتدبر القرآن إن رمتَ الهدى فالعلم تحت تدبر القرآنِ
[ ٧ / ٣ ]
القرآن فيه العجائب، لكن من يعتني بالقرآن وللأسف، كثيرٌ من طلبة العلم لا يعرفون القرآن إلا في رمضان، يعني إن تيسر له يحضر قبل الصلاة خمس دقائق، أو عشر دقائق فتح القرآن، وإلا إذا سلم خرج، لا، ليست هذه حالة من يريد الدار الآخرة، القرآن كلام الله، فضله على سائر الكلام كفضل الله.
هو الكتاب الذي من قام يقرأه كأنما خاطب الرحمن بالكلمِ
عهدنا شيوخنا وهم يقرؤون سورة هود لهم وضعٌ آخر، المساجد تمتلئ وهم لا يسمعون الصوت، بدون مكبرات، لكن يسمعون البكاء والتأثر، والله المستعان.
على كل حال الحديث في هذا الباب يطول، فعلينا أن نعتني بكتاب الله، وأن نقرأه للتعلم والتدبر، إضافة إلى كسب الأجر العظيم، فلا يوجد في الوجود كلام متعبد بتلاوته فقط غير كلام الله -﷾-، الحرف عشر حسنات، هذا الأقل عشر حسنات، يعني الختمة الواحدة ثلاثة ملايين حسنة، ثلاثة ملايين حسنة، يعني الذي يقرأ القرآن في سبع ما يكلفه شيء، يجلس بعد صلاة الصبح ساعة وينتهي الإشكال، حتى تطلع الشمس، ولا يحتاج إلى غيرها، لكن الحرمان ما له نهاية، الحرمان لا نهاية له، إذا جاء لائحة أو نظام من أنظمة البشر تجد مدير الدائرة والوكلاء ورؤساء الأقسام وغيرهم يحتجبون عن الناس حتى يقرؤوا هذه اللائحة بفهم وتدبر، ويش تحتمل؟ إلى أن تأتي اللوائح التفسيرية، ما هم بصابرين، والله -﷾- يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [(٢٤) سورة محمد] والله المستعان.
فسورة هود ابن حجر -﵀- رجح بعض الطرق على بعض، وانتفى الاضطراب، يعني الحديث وإن كان أكثرهم يمثل بهذا الحديث، ابن الصلاح ومن تبعه مثلوا بحديث الخط في السترة، مثلوا به للمضطرب، والحافظ في البلوغ يقول: "ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حديثٌ حسن" وذلكم لأنه رجح بعض هذه الطرق على بعض، وعلى كل حال أمثلة المضطرب كثيرة، مدونة في كتب علوم الحديث.