النوع الحادي والعشرون: معرفة الموضوع المختلق المصنوع، وعلى ذلك شواهد كثيرة: منها إقرار وضعه على نفسه قالًا أو حالًا، ومن ذلك ركاكة ألفاظه، وفساد معناه، أو مجازفة فاحشة، أو مخالفة لما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة فلا تجوز روايته لأحد من الناس إلا على سبيل القدح فيه، ليحذره من يغتر به من الجهلة والعوام والرعاع.
[ ٧ / ٦ ]
والواضعون أقسام كثيرة: منهم زنادقة، ومنهم متعبدون يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، يضعون أحاديث فيها ترغيب وترهيب وفي فضائل الأعمال وليعمل بها، وهؤلاء طائفة من الكرامية وغيرهم، وهم من أشر ما فعل هذا لما يحصل بضررهم من الغرة على كثيرٍ ممن يعتقد صلاحهم، فيظن صدقهم، وهم شرٌ من كل كذاب في هذا الباب، وقد انتقد الأئمة كل شيء فعلوه من ذلك، وسطروه عليهم في زبرهم عارًا على واضع ذلك في الدنيا، ونارًا وشنارًا في الآخرة، قال رسول الله -ﷺ-: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» وهذا متواترٌ عنه، قال بعض هؤلاء الجهلة: نحن ما كذبنا عليه، إنما كذبنا له، وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائهم، فإنه -﵇- لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره، وقد صنف الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي كتابًا حافلًا في الموضوعات، غير أنه أدخل فيه ما ليس منه، وخرج عنه ما كان يلزمه ذكره، فسقط عليه، ولم يهتدِ إليه، وقد حكي عن بعض المتكلمين إنكار وقوع الوضع بالكلية، وهذا القائل إما أنه لا وجود له أصلًا، أو أنه في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعية، وقد حاول بعضهم الرد عليه بأنه قد ورد في الحديث أنه -﵇- قال: «سيكذب علي» فإن كان هذا الخبر صحيحًا فسيقع الكذب عليه لا محالة، وإن كان كذبًا فقد حصل المقصود، فأجيب عن الأول بأنه لا يلزم وقوعه إلى الآن إذ قد بقي إلى يوم القيامة أزمان يمكن أن يقع فيها ما ذكر، وهذا القول والاستدلال عليه والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث وحفظاهم الذين كانوا يتضلعون من حفظ الصحاح، ويحفظون أمثالها وأضعافها من المكذوبات خشية أن تروج عليهم أو على أحدٍ من الناس -﵏ ورضي عنهم-.
[ ٧ / ٧ ]
النوع الحادي والعشرون: الموضوع، وذكره وإضافته إلى أنواع الأحاديث كما قال الخطابي: "شر الأحاديث الموضوع" ثم تتابع أهل العلم على ذلك، إما لأنه يدخل في عموم ما يتحدث به، أو على حدِ زعم واضعه، واضعه يزعم أنه حديث، وإلا ليس هو من السنة بقبيلٍ ولا دبير، المختلق المصنوع المكذوب المنسوب إلى رسول الله -ﷺ- زورًا وبهتانًا لا تجوز روايته إلا على جهة التحذير منه، ولا يجوز إلقاؤه بين عامة الناس، كما يفعله بعض القصاص والوعاظ إلا مقرونًا ببيان درجته، وإذا كان الأمر في السابق يكتفى فيه بذكر السند، ثم اكتفوا بقولهم: هذا حديثٌ موضوع أو باطل أو لا أصل له، فإنه في هذه الأزمان لا يكفي حتى يقال باللفظ المعروف أنه مكذوب على النبي -﵊-، وإذا خفي معنى الموضوع على بعض من ينتسب إلى العلم، فلأن يخفى على العامة من باب أولى، فالحافظ العراقي -﵀- حكم على حديث بأنه باطل مكذوب لا أصل له، فقال له شخص ينتسب إلى العلم من العجم: كيف تقول هذا مكذوب وهو مروي في كتب السنة بالأسانيد؟ فأحضره من كتاب الموضوعات لابن الجوزي بسنده، فتعجب من كونه لا يعرف موضوع الموضوع، وحينئذٍ لا يكفي في الوقت الحاضر أن يقال على المنبر: هذا حديثٌ موضوع، أو يتحدث إلى عامة الناس ويأتي بحديث قد تشربه قلوبهم، ثم يقول: موضوع، إيش معنى موضوع؟ ما يفهمون، لا بد أن يبين البيان الذي تبرأ به الذمة.
الموضوعات عليها دلائل، والواضعون أقسام وأصناف، وأهدافهم مختلفة، يقول: "على ذلك شواهد كثيرة" يعني مما يستدل به على وضع الحديث:
[ ٧ / ٨ ]
"إقرار واضعه على نفسه قالًا أو حالًا"، يعني بلسان المقال أو بلسان الحال، بأن يعترف بأنه وضع هذا الحديث، وقد اعترف كثيرٌ من الوضاعين بأنهم وضعوا أحاديث، لا سيما من تاب منهم، وضعوا أحاديث روجوها إما لإفساد الدين على أهله، أو حسبة كما يزعم بعضهم، "إقرار واضعه على نفسه" الرجل كذاب فكيف يقبل إقراره؟ ابن دقيق العيد ينازع يقول: كيف نقبل إقرار هذا الواضع وهو كذاب؟ نعم، إذا لم يأتِ الحديث إلا من طريقه نقبل إقراره، واعترافه على نفسه بالكذب يجرحه، ويجعلنا لا نقبل. . . . . . . . .، لكن لو قدر أنه أقر بأنه وضع حديثًا وهو مرويٌ من طرق أخرى لا عبرة بإقراره، لا سيما وأنه قد يعترف بوضع حديث، يأتي إلى حديثٍ يستدل به خصمه إما مخالفه في المعتقد أو في المذهب فيقول: هو الذي وضع هذا الخبر، يعترف على نفسه بأنه وضع الخبر، نقول: لا، إقرارك مردودٌ عليك، نعم أنت كذاب، وجميع ما ترويه ساقط، لكن يبقى أن هذا الحديث مروي من طرق أخرى بدونك؛ لأنه قد يعترف بأنه وضع الخبر لإبطال حجة الخصم، "قالًا" يعني بلفظه يقول ذلك "أو حالًا" بأن يذكر أنه روى هذا الحديث، فيقال له: من أين لك هذا الحديث؟ فيذكر أنه رواه عن شخصٍ نعرف أنه مات قبل ولادته، نعرف أنه كذاب ما روى هذا الحديث.
ومن ذلك: ركاكة ألفاظه، الرسول -﵊- في ذروة الفصاحة والبلاغة، فإذا جاءنا لفظٌ ركيك وزعم لنا راويه أنه رواه باللفظ ما رواه بالمعنى نقول: أبدًا الرسول ما يقول مثل هذا الكلام، لكن إذا كان الخبر مرويًا بالمعنى، والرواية بالمعنى جائزة عند جمهور العلماء بشروطها قد تقصر عبارة الراوي، وقد تعوزه، يعوزه الموقف إلى عبارة تكون أقل من مستوى عبارته -﵊-.
وفساد معناه: قد يكون معناه فاسد، ومخالف لما ثبت بالكتاب «من أحسن ظنه بحجرٍ نفعه» مخالف لجميع آيات التوحيد في القرآن.
[ ٧ / ٩ ]
مجازفة فاحشة: على عملٍ يسير جدًا أجر كبير، فنحكم مباشرةً بسبب هذه المجازفة بأن الرسول -﵊- لا يقول مثل هذا، إذا لم نقف على إسناده، ولم يوجد في دواوين الإسلام المعتبرة، لكن إذا وجد له إسناد يصح في دواوين الإسلام وجدت المجازفة حسبما يتصوره السامع، وإلا فضل الله لا يحد، «من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» في الصحيحين، سبحان الله وبحمده مائة مرة في دقيقة ونصف، ما تصل إلى دقيقتين، نقول: هذه مجازفة؟ لا، فكلامهم هذا فيما إذا لم نقف له على إسناد فنحكم عليه، أما إذا وجدناه مرويًا بالإسناد في دواوين الإسلام، ووجدنا الإسناد صحيح إيش المانع؟ فضل الله -﷾-، عمر الإنسان كله ستين سبعين سنة يعمل هذه العبادات التي أمر بها، ويترك هذه المحرمات، وقد يزاول بعضها ثم يتوب ستين سنة، ويش الجزاء؟ الجزاء جنات عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إذا أردنا أن نطلق المجازفة هذه المجازفة، لكن هذه ثابتة في الكتاب والسنة ماذا تقول؟ فليس الكلام هذا على إطلاقه، ونسمع كثيرًا ممن يتصدى لإجابة الناس يقول حديث: «من صلى الصبح في جماعة، وجلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين فله أجر حجة تامة» يقول: هذه مجازفة، تكفي هذه. . . . . . . . .، ما هو بصحيح، جرب وشوف، خلي واحد يجلس إلى أن تطلع الشمس أثقل من جبل، لكن تمر وتضرب البوري تقول: يالله. . . . . . . . . مشينا. . . . . . . . .، فالأمر ليس بالسهل على النفوس، هذه ليست مجازفة، نعم الخبر بجميع طرقه ما يسلم من مقال، لكن بمجموعها لا يقل عن درجة الحسن، وفضل الله واسع، فضل الله واسع، هل تعلمون أن من الناس من تجري حسناته مئات السنين؟ بسبب إيش؟ سن سنة حسنة، لو تصورنا أنه في القرن الثاني الآن له ألف وثلاثمائة سنة تجري حسناته، فضل الله واسع، له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، فليس هذا من باب المجازفة، ولا نأخذ هذا الكلام على إطلاقه، نعم هو قرينة، فإذا لم نقف في الخبر على إسناد نقول: هذه مجازفة، ولكن فضل الله لا يحد، الذنوب والمعاصي
[ ٧ / ١٠ ]
وإن كانت مثل زبد البحر تحط عن الشخص بسبب إيش؟ سبحان الله وبحمده مائة مرة في دقيقة ونصف، والله المستعان.
يقول: "فلا تجوز روايته لأحدٍ من الناس إلا على سبيل القدح فيه ليحذره من يغتر به من الجهلة والعوام والرعاع" لا سيما وأن الوضاعين تفننوا في العبارات، وهولوا بعض الأمور فقبل الناس منهم هذه الموضوعات، وأولعوا بها.
والواضعون أقسام: منهم زنادقة يريدون إفساد الدين على أهله، وهؤلاء أمرهم واضح ومكشوف، لكن الإشكال فيمن بعدهم، ولذا هم شرُّ أصناف الوضاعين، قومٌ متعبدون يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، يضعون أحاديث فيها ترغيب وترهيب، في فضائل الأعمال ليعمل بها، حسبة، فالناس لثقتهم بهم، الناس عمومًا يثقون فيمن يميل إلى العبادة عمومًا، عموم الناس يثقون به، وهو أهلٌ للثقة إذا كان على الجادة، فهؤلاء المتعبدون وضعوا أحاديث في فضائل القرآن؛ لأنهم رأوا الناس انصرفوا إلى فقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق وتركوا كتاب الله، فوضعوا في فضائل السور سورة سورة، فلمكانتهم وعبادتهم وثق الناس بموضوعاتهم وتداولوها، ومن المؤسف جدًا أن يتداولها بعض المفسرين، نقلوها، الواحدي، البيضاوي، والزمخشري ذكروا هذه الأحاديث، في نهاية كل سورة يذكرون فضل هذه السورة من هذا الخبر الموضوع الطويل في فضائل السور، ولا شك أنهم أخطئوا في هذا، ويزداد الخطأ حينما تذكر هذه الأحاديث ويبرر لها، كما صنع -صاحب فتح البيان- صاحب (روح البيان) فتح البيان غير، روح البيان لإسماعيل حقي البروسوي، له تفسير كبير اسمه: (روح البيان)، أما (فتح البيان) لصديق غير، كتاب طيب، وتفسيرٍ نظيف في الجملة، لكن روح البيان لإسماعيل حقي، تفسير صوفي، فيه ألفاظ بغير العربية، وفيه ذكر هذه الأحاديث، وقد برر لذكره إياها، يقول: إن صحت بها ونعمت، وإن لم تثبت فقد قال القائل: إنا لم نكذب عليه، فلم نقع في الوعيد الذي ذكره في قوله -﵊-: «من كذب علي متعمدًا» هم ما كذبوا عليه، لكل قومٍ وارث، هذا القول قيل به من قبل.
[ ٧ / ١١ ]
"وهؤلاء الطائفة من الكرامية وغيرهم، وهم من أشر ما فعل هذا" أو من فعل هذا، الأصل من فعل هذا، "لما يحصل بضررهم من الغرر على كثيرٍ ممن يعتقد صلاحهم، فيظن صدقهم، وهم شرٌ من كل كذاب في هذا الباب"، نعم لركون الناس إلى روايتهم، ثقة الناس بهم "وقد انتقد الأئمة كل شيء فعلوه من ذلك، وسطروه عليه في زبرهم عارًا على واضع ذلك في الدنيا، ونارًا وشنارًا في الآخرة، قال رسول الله -ﷺ-: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» وهذا متواتر"، وهذا مما تواتر لفظه ومعناه، وهو من طرق، ومن جمع غفير من الصحابة.
مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتًا واحتسب
وأهل العلم قاطبة يحكمون عليه بالتواتر، وهو مقطوعٌ بالنسبة إليه -﵊-، ومثل به شيخ الإسلام للمتواتر اللفظي في منهاج السنة، ومثل بفضائل أبي بكر وعمر للمتواتر المعنوي، وتحدث عن الآحاد في مواطن، وذكر أنها تفيد العلم بالقرائن، وأكرر هذا الكلام؛ لأنه يتردد كثيرًا أن تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد من صنع المتكلمين، ولا ينبغي أن يعتمد، ولا يؤخذ به، فالله المستعان.
[ ٧ / ١٢ ]
"قال بعض هؤلاء الجهلة: نحن ما كذبنا عليه، وإنما كذبنا له، وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائهم، فإنه -﵇- لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره" يعني الدين صفائه ونقائه ووضوحه ليس بحاجة إلى ترويج، الدين في المشرق والمغرب في الغالب انتشر من غير الجهاد، نعم أدخل الناس، وأرغموا على الدخول في دين الله، لكن كثيرٌ منهم دخل من غير جهاد، ولولا أولئك الأشرار الذين يصدون عن دين الله ما يتصور بعد أن جرب الناس وعانوا من الانحلال والخواء الفكري الذي يعيشه الناس الذي أدى إلى عددٍ كبير منهم إلى الانتحار، لو يعرض الإسلام عرض صحيح، ويطبق تطبيق صحيح في واقع الناس ما بقي على الأرض -والله أعلم- شخص لا يدخل في دين الله، وقد وجد من يدخل في دين الله من غير دعوة، الآن من غير دعوة، يبحثون عن المسلمين يعلنون إسلامهم، وقد جاء شخص إلى مكتب من مكاتب الدعوة في الهند وأعلن إسلامه، وقال: هو مسلم، ما السبب؟ وهو هندوسي، السبب في ذلك قال: إنه ذهب ليحرق أمه فأشعل النار فأكلت النار الكفن، وبقت الأم عارية أمام الناس، ما مستها النار، فبادر بجمع حطبٍ كثير فأحرقها تبعًا لديانتهم المعتقدة، لكن يرى أمه أمام الناس عارية، ويرى المسلمين ماذا يصنعون بموتاهم؟ يعني في حال الموت مؤثر فضلًا عن حال الحياة، فالإسلام ليس بحاجة إلى ترويج، ينشر الإسلام الصحيح فيسلم الناس، الإسلام دين العدل، دين الإنصاف، والله المستعان.
[ ٧ / ١٣ ]
"وقد صنف الشيخ أبو الفرج بن الجوزي كتابًا حافلًا في الموضوعات غير أنه أدخل فيه ما ليس منه، وخرج منه ما كان يلزمه ذكره، فسقط عليه، ولم يهتدِ إليه" ابن الجوزي صنف كتاب الموضوعات وهو كتابٌ حافل، لكنه أدخل فيه ما لا يصل إلى حد الوضع، بل فيه الضعيف الكثير، وفيه الحسن، ويوجد الصحيح وإن كان قليلًا، بل فيه ما هو في صحيح مسلم، وفيه حديث ذُكر أنه في صحيح البخاري من رواية حماد بن شاكر، يعني ما هو. . . . . . . . . الروايات المشهورة، لكن في رواية حماد بن شاكر، والذي أوقعه في ذلك أنه يحكم على الحديث بمجرد ما يوجد في سنده مَن اتهم بالكذب أو كذاب، فيحكم على الحديث بأنه موضوع وإن كانت له أسانيد أخرى، وأما الضعيف فهو كثيرٌ جدًا، ولذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
وأكثر الجامع فيه إذ خرج لمطلق الضعف عنى أبا الفرج
استدرك عليه أحاديث ينبغي أن تذكر في الموضوعات، فاستدرك السيوطي في اللآلئ وذيل اللآلئ، ومن جاء بعدهم كصاحب تنزيه الشريعة وصاحب الفوائد المجموعة، وغيرها من الكتب في الموضوعات.
"وقد حكي عن بعض المتكلمين إنكار وقوع الوضع بالكلية" يقول: ما يمكن يكون الحديث موضوع، هذا لا عناية له بعلم الحديث، فقال: إنه لا يوجد حديث موضوع، لا يمكن أن يتصور مسلم يكذب على النبي -﵊-، والسنة من الوحي، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [(٣ - ٤) سورة النجم] والوحي محفوظ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [(٩) سورة الحجر] ما يمكن أن يكذب عليه -﵊-.
[ ٧ / ١٤ ]
يقول: "وقد حكي عن بعض المتكلمين إنكار وقوع الوضع بالكلية، وهذا القائل إما أنه لا وجود له أصلًا -هذا كلام ابن كثير- أو أنه في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعية، وقد حاول بعضهم الرد عليه بأنه قد ورد في الحديث أنه -﵇- قال: «سيكذب علي» فإن كان هذا الخبر صحيحًا فسيقع الكذب عليه لا محالة، وإن كان كذبًا -فهو رد عملي-، حصل المقصود"، يقول ابن كثير: "فأجيب عن الأول بأنه لا يلزم وقوعه إلى الآن" يعني إلى أن قال هذا المتكلم ما قال، فهو نفى وجود الكذب إلى عصره، وقوله: «سيكذب علي» ما يلزم من الآن، في هذه السنة أو التي قبلها، أو في هذا العصر أو في الزمن الذي قبله، إلى وجوده ما وجد، "إذ بقي إلى يوم القيامة أزمانٌ يمكن أن يقع فيها ما ذكر".
على كل حال الحديث يصلح للرد، وإن قال الحافظ ابن كثير: "وهذا القول والاستدلال عليه والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث وحفاظهم، الذين كانوا يتضلعون من حفظ الصحاح، ويحفظون أمثالها وأضعافها من المكذوبات خشية أن تروج عليهم، أو على أحدٍ من الناس -﵏ ورضي عنهم-".
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في المنهاج، في مناهج السنة في الجزء السابع صفحة (٦١) يقول: "نحن نعلم بالضرورة أن فيما ينقل الناس عنه وعن غيره صدقًا وكذبًا، وقد روي عنه أنه قال: «سيكذب علي» فإن كان هذا الحديث صدقًا فلا بد أن يكذب عليه، وإن كان كذبًا فقد كذب عليه"، هذا كلام الشيخ -﵀-، وكلام ابن كثير ما سمعتم.
الشيخ في المنهاج في الجزء السابع صفحة (٦١) يقول: "نحن نعلم بالضرورة أن فيما ينقل الناس عنه وعن غيره صدقًا وكذبًا، وقد روي عنه أنه قال: «سيكذب علي» فإن كان هذا الحديث صدقًا فلا بد أن يكذب عليه، وإن كان كذبًا فقد كذب عليه"، الرد حاصل حاصل على الوجهين.
يمدينا نأخذ المقلوب، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه لا هو طويل المقلوب، وفيه ما فيه، معرفة من تقبل روايته نقف عليه، نأخذ المقلوب؟ ها يا أحمد؟ إيه نأخذ المقلوب، لا بأس، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٧ / ١٥ ]
إيش فيه؟ نعم من يتعمد الكذب على النبي -﵊- على خطرٍ عظيم، مرتكب كبيرة، موبقة من عظائم الأمور، متوعد بالنار، فليتبوأ مقعده من النار، لكنه لا يكفر عند جماهير العلماء، وإن قال أبو محمد الجويني -والد إمام الحرمين- بأنه يكفر، ونقل الحافظ الذهبي عن ابن الجوزي أنه إن كذب في تحليل حرام أو تحريم حلال أنه يكفر، على كل حال هو على خطرٍ عظيم، ومن كذب مرةً واحدة ردت أخباره كلها، وسقط الاحتجاج به، ولبث العار في الدنيا والآخرة، نسأل الله العافية، والخلاف عند أهل العلم على ما سيأتي في قبول توبته، والخلاف في قبول توبته، وليس معنى هذا أنه إذا تاب التوبة النصوح بشروطها أنه يتحتم عذابه في الآخرة، لا، هذا بينه وبين ربه، لكن معاملته في الدنيا إذا تاب هل يقبل خبره أو لا يقبل؟ نظيره من تاب من القذف ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ حكمهم الجلد ثمانين جلدة ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [(٤ - ٥) سورة النور]، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فالاستثناء إذا تعقب جمل يعود إليها كلها أو إلى الأخيرة منها؟ مسألة خلافية عند أهل العلم، تأتي الإشارة إليها -إن شاء الله تعالى- في حكم توبة الكذاب، وفي قبولها، وخلاف أهل العلم في قبول توبته، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
والله ما أدري، أنا أشوف المقلوب إن كان أسعف وإلا ..، لأن نريد أن نقف على معرفة من تقبل روايته ومن ترد، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه ما يخالف إذا في وقت ، تدري العفش في السيارة، نعم هات، نعم يا أحمد.
شرح: النوع الثاني والعشرون: المقلوب:
[ ٧ / ١٦ ]
النوع الثاني والعشرون: المقلوب، وقد يكون في الإسناد كله أو بعضه، فالأول كما ركب مهرة محدثي بغداد للبخاري حين قدم عليهم إسناد هذا الحديث على متن حديثٍ آخر، وركبوا متن هذا الحديث على إسناد آخر، وقلبوا مثاله ما هو من حديث سالم عن نافع، وما هو من حديث نافع عن سالم، وهو من القبيل الثاني، وصنعوا ذلك في نحو مائة حديث أو أزيد، فلما قرءوها عليه رد كل حديث إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، ولم يرج عليه موضع واحد مما قلبوه وركبوه، فعظم عندهم جدًا، وعرفوا منزلته من هذا الشأن فرحمه الله، وأدخله الجنان.
وقد نبه الشيخ أبو عمرو هاهنا على أنه لا يلزم من الحكم بضعف سند الحديث المعين الحكم بضعفه في نفسه; إذ قد يكون له إسناد آخر، إلا أن ينص إمام على أنه لا يروى إلا من هذا الوجه.
قلتُ: يكفي في المناظرة تضعيف الطريق التي أداها المناظر وينقطع، إذ الأصل عدم ما سواها حتى يثبت بطريقٍ أخرى، والله أعلم، قال: ويجوز رواية ما عدا الموضوع في باب الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ ونحو ذلك إلا في صفات الله -﷿-، وفي باب الحلال والحرام، قال: وممن يرخص في رواية الضعيف فيما ذكرناه ابن مهديٍ وأحمد بن حنبل -رحمهم الله تعالى-.
قال: وإذا عزوته إلى النبي -ﷺ- من غير إسناد فلا تقل: قال النبي -ﷺ- كذا وكذا، وما أشبه ذلك من الألفاظ الجازمة، بل بصيغة التمريض، وكذا فيما يشك في صحته أيضًا.
يقول -﵀-: المقلوب: هو اسم مفعول من القلب، وهو تحويل الشيء عن وجهه، تقول: قلبت الرداء إذا حولته، وجعلت أعلاه أسفله، وكلامٌ مقلوب أي مصروفٌ عن وجهه، فالمقلوب هو المصروف عن وجهه. وعرف في الاصطلاح: بأنه الحديث الذي أبدل في سنده أو في متنه لفظٌ بآخر بتقديم أو تأخير ونحوه عمدًا أو سهوًا.
والقلب قد يكون في الإسناد كله أو في بعضه، كعب بن مرة يجعل مرة بن كعب، نصر بن علي يجعل علي بن نصر، هذا في بعضه، قد يقلب الإسناد كله فيجعل رواة بدل رواة، الحديث عن نافع يجعل عن سالم وهكذا، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧ ]
تعريف اصطلاحي؟ نعم هو الحديث الذي أبدل في سنده أو في متنه لفظ بآخر، هو الحديث الذي أبدل في سنده أو في متنه لفظ بآخر بتقديم أو تأخير ونحوه عمدًا أو سهوًا.
[ ٧ / ١٨ ]
قد يكون القلب في الإسناد، وقد يكون في المتن، فالأول -القلب في الإسناد- مثل له بقصة البخاري مع محدثي بغداد، البخاري -﵀- اشتهر أمره، وذاع صيته قبل دخول بغداد، فلما أراد دخول بغداد اجتمعوا فأرادوا أن يبينوا منزلة هذا الإمام، وأن يعرفوا مقدار علمه، فركب هؤلاء إسناد بعض الأحاديث على المتون الأخرى وعكسوا، فجعلوا إسناد هذا الحديث على متنٍ آخر، وركبوا متن هذا الحديث على إسنادٍ آخر، وقلبوا عليه ما هو حديث سالم عن نافع، وما من حديث نافع عن سالم، وصنعوا ذلك في نحو مائة حديث أو أزيد، ووزعوها على عشرة أشخاص، كل واحد عشرة أحاديث، فألقى الأول العشرة التي معه كل ذلك ساكت، ثم الثاني، ثم الثالث وهو ساكت -﵀-، إلى أن تم العاشر، فالجهال قالوا: عجز الرجل وبان عجزه، وظهر ضعفه، أما الفهماء قالوا: فهم الرجل، ما بادر، استعجل، لما انتهوا التفت إلى الأول قال: حديثك الأول قلت: كذا، وصوابه كذا، والثاني قلت: كذا، وصوابه كذا إلى ثمانمائة حديث، فاعترف الناس بفضله، وهذه القصة مروية عند الخطيب البغدادي في التاريخ، الحافظ ابن كثير البداية والنهاية، وهدي الساري للحافظ ابن حجر، كتب المصطلح كلها، وهي مروية أيضًا عند ابن عدي في جزءٍ له في شيوخ البخاري، ويرويها ابن عدي عن جمعٍ من شيوخه لم يسمهم، فالذين طعنوا في مثل هذه القصة قالوا: إن شيوخ ابن عدي مجهولون، والذين صححوها وأثبتوها قالوا: وإن كانوا مجهولين إلا أنهم جمع يجبر بعضهم بعض، والقلب للامتحان قد يحصل، ويجوز فعله على أن لا يستمر، يختبر الشيخ تلميذه، فيقلب عليه إسناد، ثم في الحال إن أجاب الطالب وإلا قال الشيخ: الصواب كذا؛ لئلا ينقل عنه على الخطأ، فاستعماله من أجل امتحان الطالب لا بأس به، وهذه طريقة مسلوكة، أحيانًا يسكلها من يختبر الطلاب بطريقة الصح والخطأ، لكن على أن لا يتفرق الناس ويروها عن الشيخ على الخطأ، لا بد من البيان، وعلى كل حال هذه القصة لا مانع من إثباتها باعتبار أن شيوخ ابن عدي جمع يجبر بعضهم بعضًا، واستفاضت على ألسنة العلماء، وتداولوها، والإمام أهلٌ لذلك، وقد قلب أحاديث على الدارقطني -﵀- وامتحن فرده، وعلى الحافظ المزي،
[ ٧ / ١٩ ]
وعلى جمع من أهل العلم، المقصود أن هذه طريقة مسلوكة، وليس في متنها ما يستغرب أبدًا، وهي متداولة عند أهل العلم.
مما قُلب من الأحاديث في متنه حديث في صحيح مسلم: «حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله» وحديث وإن كان عاد فيه نظر حديث: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» قالوا: إنه مقلوب، صوابه: «وليضع ركبتيه قبل يديه» قيل بقلبه، أنه انقلب على الراوي، وإلا ويش (يبرك)؟ ينهى عن البروك كما يبرك البعير، ويضع يديه قبل ركبتيه؟ البعير يضع يديه قبل ركبتيه، فيكون أول الحديث يناقض آخره والعكس، لكن هذا الكلام ليس بصحيح، فالحديث آخره يشهد لأوله، وليس فيه تناقض بين أوله وآخره بوجه، فقوله -﵊-: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير» يعني لا يلقي بنفسه على الأرض بقوة كما يفعل البعير؛ لأنه إذا قالوا: برك البعير، وحصحص البعير إذا فرق الحصى، وأثار الغبار يقال: برك، ولذا قال: «وليضع يديه قبل ركبتيه» يضع وضع، ما يرمي بنفسه على الأرض بقوة كما يفعل البعير، ولذا فرق بين أن تضع المصحف على الأرض، وأن تلقيه على الأرض، الأول يجوز، والثاني خطرٌ عظيم، فلا يبرك كما يبرك البعير، لا يرمي بنفسه على الأرض بقوة بحيث يفرق الحصى، ويثير الغبار والأتربة، كما يفعل البعير، «وليضع» يضع يديه قبل ركبتيه، فبمجرد الوضع ليس ببروك.
[ ٧ / ٢٠ ]
الحديث الذي في الصحيح -في صحيح مسلم- يعني المتفق عليه، «حتى لا تعلم» حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، «رجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفقه يمينه» هذه رواية الأكثر، وهي في الصحيحين، وهي ماشية على الجادة؛ لأن الإنفاق إنما يكون باليمين، فرواية: «حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله» هذا مما انقلب، مثل به للمقلوب، لكن لو قال قائل حمايةً للصحيح، وصيانةً له، يقول: إن هذا الرجل ينفق بكثرة، ومن كثرة إنفاقه يعطي أحيانًا بيمينه، وأحيانًا بشماله، وأحيانًا بيديه كلتاهما، صيانة للصحيح لما بعد، وإن كان عاد فيه بعد، التأويل هذا فيه بعد، لكن لا شك أن للصحيحين منزلة، ولا نفترض ونتصور في الرواة أنهم معصومون في الخطأ، لا، لكن لو قيل بهذا حينئذٍ لا بأس -إن شاء الله تعالى-، وإن مثلوا به للمقلوب.
هنا نبه ابن الصلاح على أمور وهي: أنه لا يلزم من الحكم بضعف سند الحديث المعين الحكم بضعفه في نفسه، إذ قد يكون له إسناد آخر، يعني الحكم على سند خاص بأنه ضعيف لا يعني الحكم على المتن، إذ قد يثبت المتن بطرق أخرى، اللهم إلا أن ينص إمام مطلع على أنه لا يروى إلا من هذا الوجه، فإذا كان الخبر لا يروى إلا من هذا الوجه، وهذا الوجه ضعيف جزمنا بأن المتن ضعيف، وإذا حكمنا على سند بأنه صحيح، السند صحيح هل يلزم من ذلك صحة المتن؟ لا، لأن قد يكون فيه علة أو شذوذ، إذ شروط الصحة منها ما يرجع إلى المتن، ومنها ما يتعلق بالإسناد، فقد يكون الإسناد صحيحًا لكن متن الحديث فيه مخالفة، وفيه علة خفية تقدح فيه، على كل حال لا تلازم بين الحكم على الإسناد والحكم على المتن، قد يضعف الإسناد ويصح المتن بطرقٍ أخرى والعكس.
[ ٧ / ٢١ ]
يقول الحافظ ابن كثير: "يكفي في المناظرة تضعيف الطريق التي أبداها المناظر وينقطع، إذ الأصل عدم ما سواها حتى يثبت من طريقٍ أخرى" هذا كلام مستغرب من الحافظ ابن كثير -﵀-، إيش معنى هذا الكلام؟ يقول: إذا كان في مناظرة بين اثنين تناظرا في مسألة، فأبدى المناظر حجته بحديث، يقول: خصمه له أن يبطل الحجة بأن يقدح في سند هذا الخبر، يأتي بحديث يحتج به المناظر، فيقول: الحديث الذي أوردته في سنده فلان، لكن إذا كان هذا الخصم يعرف أن له طرق أخرى يثبت بها يصوغ له أن يقول مثل هذا الكلام؟ «الدين النصيحة» وعلى المسلم لا سيما من ينتسب إلى العلم أن ينشد الحق، سواءً كان على لسانه أو على لسان خصمه، فمثل هذا الكلام يستغرب من الحافظ ابن كثير -﵀-.
والقول الذي يدعمه الكتاب، وما صح من السنة هو مقصد الجميع، قد يقول قائل: إن الحافظ ابن كثير يرى أن مثل هذه المناظرات بين سني ومبتدع مثلًا، وجاء هذا المبتدع بما يؤيد بدعته من عمومات النصوص، وخفي عليه أضعاف ما جاء به، وما جاء به فيه ضعف، الشخص من الخوارج مثلًا فيأتي بحديث فيه وعيد، وله نظائر، وهو يريد أن يقطع حجة هذا الخصم المبتدع، والحق ثابت ما يخفى على أحد، لكن المسألة آنية، يريد أن يهدم حجة هذا المبتدع ويكتفي بذلك، فيقول: حديثك الذي أوردته فيه فلان، ويسكت عما يؤديه من الأحاديث الأخرى التي جاءت بمعنى هذا الحديث، وإن كانت محمولة عند أهل السنة على وجهٍ صحيح، يعني لو صارت مناظرة بين سني وشيعي، ثم جاء هذا الشيعي بما يبين فضل علي -﵁- يعني في باب المناظرة جاء بحديث فيه ضعف، نقول: حديثك الذي أوردته ضعيف من أجل إسكات الخصم فقط، وإلا ففضائل علي ثابتة، لا يماري فيها أحد، لكن حينما يريد الخصم أن يتطاول على الشيخين على أبي بكر وعمر لا شك أن الحق لا بد أن يوضح ويبين.
[ ٧ / ٢٢ ]
على كل حال كلام ابن كثير -﵀- فيه ما فيه؛ لأن الحق لا بد من بيانه سواءً جاء على لسان الموافق أو المخالف، وإمامه -الإمام الشافعي -﵀- إمام الحافظ ابن كثير لأنه شافعي المذهب يقول: والله إنه لا يبالي أن يكون الحق على لسانه أو على لسان خصمه، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه المسلم المتجرد الذي ينشد الحق.
يقول: "ويجوز رواية ما عدا الموضوع في باب الترغيب والترهيب، والقصص والمواعظ ونحو ذلك إلا في صفات الله -﷿-، وفي باب الحلال والحرام" الرواية شيء والعمل شيء، لكن عموم من كتب في علوم الحديث يرون العمل بالحديث الضعيف في باب الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ، ولا يرون ذلك في الأحكام من الحلال والحرام والعقائد، ورخصوا في ذلك ونقلت عنهم عبارات تدل على ذلك، بل نقل النووي الإجماع على العمل في الضعيف في الفضائل في مقدمة الأربعين، وفي الأذكار، وفي غيرها من كتبه، وفي شرح المهذب في مواضع نقل الإجماع، والنووي كما نعرف متساهل في نقل الإجماع، والمخالف موجود، وإذا وجد الخلاف بين المتقدمين في الحسن فلأن يوجد في الضعيف من باب أولى.
[ ٧ / ٢٣ ]
والفضائل إن كانت مما يترتب على فعله ثواب دون تركه فهي من الأحكام، هي من الأحكام؛ لأن من الأحكام الخمسة المندوب، وعين الفضائل من المندوبات، إذا رتبنا على فعلها الثواب ولم نرتب على تركها شيء فهي المستحبات، هذا حد المندوب، والمندوب حكم من الأحكام التكليفية الخمسة، ولذا نستطيع أن نجمل الخلاف في العمل بالضعيف نقول: بالنسبة للعقائد والحلال والحرام محل اتفاق أنه لا يجوز العمل بالضعيف، بالنسبة للفضائل والقصص والمواعظ والترغيب والترهيب، وما أشبه ذلك، والتفسير أيضًا ألحقوه بها والمغازي كلها جمهور العلماء على العمل بالضعيف في هذه الأبواب بشروط: أن يكون الضعف غير شديد، وأن يندرج الحكم تحت أصلٍ عام، وألا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط، وزاد بعضهم شروطًا أخرى وصلت إلى العشرة، ويصعب تطبيقها على الواقع، والمسألة مفصلة بشروطها، وذكر من قال بذلك من أهل العلم بالتفصيل، ذكر الأقوال والموازنة بينها في رسالة اسمها: الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به، مسألة الاحتجاج استغرقت أكثر من سبعين صفحة، على كل حال الوقت لا يسعف، ويكفينا أن نعرف أن مذهب الجمهور هو الاحتجاج بالضعيف في الفضائل، والترغيب والترهيب والقصص والمواعظ والمغازي والسير والتفسير وما أشبه ذلك، يبقى مسألة الحلال والحرام والعقائد يشترط لها الصحة والحسن على أقل تقدير ومنهم من يرى أنه يحتج بالضعيف أيضًا في الحلال والحرام أيضًا، وهذا قولٌ ضعيف عند أهل العلم، والمسألة مبسوطة بالتفصيل في الكتاب الذي أشرت إليه، وعلى كل حال المسألة طويلة الذيول، ولن تنحسم بكلامٍ يسير، فلا شك أن قول الجمهور -جمهور العلماء- له قيمته، وله وزنه، لكن إذا نظرنا إلى حججهم وما أدلوا به، وما احتج به لهم لا يسلم من أخذ ورد، ولذا كان المرجح عند صاحب الكتاب المذكور أنه لا يعمل بالضعيف مطلقًا؛ لأن الفضائل من الأحكام، وإذا قلنا: بأن الفضائل التي أمرها أيسر من تفسير كلام الله -﷾- بحديثٍ يغلب على الظن عدم ثبوته، أو قراءة آية فإذا كانت الآية لا تثبت إلا بما تواتر عند بعضهم أو صح سنده عند قومٍ آخرين فلئلا تثبت بالضعيف من باب أولى.
[ ٧ / ٢٤ ]
ابن القيم -﵀- يرى -وإن كان لا يرى العمل بالضعيف في الفضائل كشيخ الإسلام وقوله صريح في هذا- يرى أنه يمكن أن يرجح بين الأقوال بالضعيف، يعني إذا وجد قولان متعادلان من كل وجه، ووجدنا حديثٌ ضعيف يؤيد أحد القولين يمكن أن يرجح به، وهذا في تحفة المودود في أحكام المولود، حينما رجح بخبرٍ ضعيف المراد بـ ، على كل حال المسألة مبسوطة في الكتاب المذكور، وكلام ابن القيم في تحفة المودود ظاهر، لكن الآن نسيته.
يقول: وإذا. . . . . . . . .
ها؟
طالب:. . . . . . . . .
أصحاب المذاهب يخفى عليهم درجة الحديث، درجة الخبر قد تخفى عليهم، ويتوارثون أحاديث في كتب متقدميهم لكونهم ليسوا من أهل الصناعة، فيستدلون بأحاديث ضعيفة، بل فيها ما هو شديد الضعف، وقد وجد في أدلتهم بعض الموضوع، يوجد عند بعض الفقهاء لبعدهم عن هذه الصناعة، وإن كان أئمتهم يشددون في هذا الباب.
قال: "وإذا عزوته إلى النبي -ﷺ- من غير إسناد فلا تقل: قال رسول الله -ﷺ- كذا، وما أشبه ذلك من الألفاظ الجازمة، بل بصيغة التمريض" يروى كذا، يذكر كذا عنه -﵊-، "وكذا فيما يشك في صحته أيضًا" لا يجزم بنسبته إلى النبي فيقال: قال رسول الله -ﷺ-، إنما يقال: يذكر، يروى، وإن نبه على درجته فهو أولى؛ لأن الناس لا يدركون، إذا قلت: يروى عن النبي -﵊- أنه قال: افعلوا كذا، تعرف أنه خبر ضعيف؟ عند عامة الناس ما تبرأ ذمتك، حتى تقول: وهو حديثٌ ضعيف لا يثبت؛ لأن هذه الصيغة لا يميز بينها كثيرٌ من الناس، وإذا كان كثيرٌ من الفقهاء يجزم بأن النبي -﵊- قال كذا في خبرٍ ضعيف، ويغفلون عن هذا، تنبيه العوام على ذلك من باب أولى.
والكلام ترون أنه أجمل إجمالًا لضيق الوقت، ولأن ورانا سفر بعد صلاة المغرب مباشرة، والأسئلة كثيرة، لكن في هذه الساعة المباركة، آخر ساعة من يوم الجمعة، وهي ساعة الإجابة عند جمع من أهل العلم، علينا أن ندعو بإخلاص وبصدق لجأ إلى الله -﷾-، وبتقديم التوبة والندم على ما سلف، أن ندعو الله -جل وعلا- وأن نضرع إليه بأن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، ويرفع شأن هذه الأمة التي حل بها من المحن والمصائب والكوارث ما لا يخفى على أحد
[ ٧ / ٢٥ ]