فرعٌ آخر: ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفًا بالعربية، قال الأصمعي: أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قوله -ﷺ-: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» فإن النبي -ﷺ- لم يكن يلحن، وأما التصحيف فدواؤه أن يتلقاه من أفواه المشايخ الضابطين، والله الموفق.
[ ١٢ / ٨ ]
وأما إذا لحن الشيخ فالصواب أن يرويه السامع على الصواب، وهو محكيٌ عن الأوزاعي وابن المبارك والجمهور، وحكي عن محمد بن سيرين وأبي معمروٍ عبد الله بن سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحونًا، قال ابن الصلاح: وهذا غلوٌ في مذهب اتباع اللفظ.
وعن القاضي عياض: إن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم، ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرفٍ من القرآن استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، ومن غير أن يجيء ذلك بالشواذ، كما وقع في الصحيحين والموطأ، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي، ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها، منهم أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي لكثرة مطالعته وافتنانه، قال: وقد غلط في أشياء من ذلك، وكذلك غيره ممن سلك مسلكه، قال: والأولى سد باب التغيير والإصلاح؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وينبه على ذلك عند السماع، وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل -﵀- أن أباه كان يصلح اللحن الفاحش، ويسكت عن الخفي السهل.
قلتُ: ومن الناس من إذا سمع الحديث ملحونًا عن الشيخ ترك روايته عنه؛ لأنه إن تبعه في ذلك فإن النبي -ﷺ- لم يكن يلحن في كلامه، وإن رواه عنه على الصواب فلم يسمعه منه كذلك.
هذا الفرع مهمٌ جدًا بالنسبة لمن يطلب العلوم الشرعية كلها، ولا يختص هذا بأهل الحديث، ولا أهل التفسير ولا أهل الفقه والعقائد وغيرها، لا بد لطالب العلم الشرعي من العناية بالعربية؛ لأن القرآن بلسانٍ عربي مبين، والرسول -﵊- عربي، وكلامه عربي، والذي لا يحسن العربية يتعثر غالبًا، وإذا كان اللحن لا سيما إذا كان يحيل المعنى يبطل الصلاة، إذا كان يحيل المعنى فاللحن في القراءة يبطل الصلاة، هذا يجعلنا نعتني بالعربية، إذا كان يحيل المعنى يغير الحكم الشرعي، وذكرنا له فيما تقدم أمثلة، فعلى طالب العلم أن يعتني بهذا، وأن يهتم به، وأن يقرأ كتاب -بل كتب- في العربية على من يفتح مغاليقها له، ممن عرف بذلك.
[ ١٢ / ٩ ]
يقول: "ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفًا بالعربية، قال الأصمعي: أخشى أن يكون إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قوله -﵊-: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» فإن النبي -﵊- لم يكن يلحن" لو قال: "إنما الأعمالَ بالنيات" يدخل في الحديث أو لا يدخل؟ هو خطأ لكن هل قال النبي -﵊-: "إنما الأعمالَ بالنيات"؟ إذًا كذبت عليه، نعم هو كذب، يعني قد ..، إذا كان لا يحيل المعنى، أو إذا كان مع الجهل يعذر لكنه كذب؛ لأنه خلاف الواقع، ولذا قال الأصمعي ما قال.
علاج هذا الفرع بقراءة متنٍ مناسب في العربية، العربية بكافة فروعها، أو متون مناسبة؛ لأن علم العربية له فروع عشرة، كما هو معروف، النحو والصرف والاشتقاق والبيان والبديع والمعاني والوضع وغيرها من ..، متن اللغة، فقه اللغة، المقصود أنها فروعٌ عشرة ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها.
التصحيف والتحريف في الألفاظ، تغيير الشكل، تغيير النقد، زيادة الحروف ونقصها، الدواء الناجح لذلك أن يتلقى من أفواه الشيوخ الضابطين؛ لأن من يروي من كتابه لا يؤمن عليه الخطأ؛ لأن هناك ألفاظ صورتها واحدة، لكن النطق فيها يختلف، فدواء ذلك وعلاجه أن يتلقى هذا العلم من أفواه المشايخ الضابطين، إذا لحن الشيخ فما موقف الطالب؟ إذا لحن الشيخ فما موقف الطالب؟ هل يصوب ويروي لغيره الصواب أو يروي على الخطأ؟ لحن الشيخ لحنًا لا وجه له في العربية، ماذا يصنع الطالب؟ قالوا: يروي على الصواب، ومع ذلكم لا بد أن يبين هذا اللحن الذي وقع فيه الشيخ في الحاشية؛ لئلا يكون له وجه في العربية، أو يكون هو الصحيح في الرواية، وأنت سارعت وبادرت وهجمت على الكتاب أو هجمت على الرواية وصححت.
[ ١٢ / ١٠ ]
"وهو محكيٌ عن الأوزاعي وابن المبارك والجمهور وحكي عن محمد بن سيرين وأبي معمر بن أبي سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيوخ ملحونًا" يروي كما سمع من الشيخ لحن، وينبه على الصواب في الحاشية، لا شك أن مثل هذا أسلم، لكن ما تدري يمكن يكون له وجه صواب وأنت هجمت وسارعت وبادرت بالتصحيح، وكم من شخص هجم على الكتب وصحح وخطأ وما أثبته مرجوح، وما أهمله راجح، وهذا يتبين كثيرًا في الكتب التي ادعي تحقيقها، بعد مقابلة النسخ تجد المحقق يقول: في الأصل كذا، أو ثبت ما أثبته في نسخة كذا، وفي الأصل كذا، أو في النسخ كذا، اجتهد فوضع اللفظ المرجوح في الصلب، واللفظ الراجح وضعه في الحاشية، هذا من تصرفه، وإلا فالأصل أن يعتمد أوثق النسخ أصل، ويثبت جميع ما فيها، ويثبت فروق النسخ في الحاشية.
"قال ابن الصلاح: وهذا غلوٌ في مذهب اتباع اللفظ" لأنه معروف مذهب ابن سيرين و وعبد الله بن سخبرة منع الرواية بالمعنى، "وهذا غلوٌ في مذهب اتباع اللفظ، وعن القاضي عياض: أن الذي استمر عليه أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم" كما ذكرنا هذا أحوط؛ لئلا يتصرفوا في الرواية، فيأتي بعدهم من يتصرف، يبين له وجه آخر فيتصرف، ثم يأتي ثالث وهكذا، ثم يحصل المسخ التام للكتب، لأن هذا الهجوم على هذه الكتب بالتغيير والتبديل على غير مراد مؤلفيها يوقع في مثل هذه الأوهام الكبيرة.
[ ١٢ / ١١ ]
يقول: "حتى في أحرف من القرآن استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة" يمر آيات في صحيح البخاري وآيات في موطأ مالك وغيره جاءت على غير التلاوة المعروفة المتداولة بين الناس، "من غير أن يجيء ذلك في الشواذ" الروايات مروية، كما وقع في الصحيح من الموطأ، "ولكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع في الحواشي" في الحاشية يقول: إن الصواب كذا، أو القراءة المعتمدة عندنا كذا، في بلدنا القراءة كذا؛ لأن بعض الناس اعتادوا على قراءة واحدة، ثم إذا قرأ في تفسير من التفاسير لفظة على غير ما اعتاده من القراءة هجم عليها وصححها، وإن كانت هذه القراءة معتمدة عند المفسر؛ لكونه يروي القرآن على قراءة غير القراءة التي اعتمدها من السبع مثلًا، وهذا من شؤم التصرف في كتب الآخرين.
"ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها" بعض الناس يجزم، نعم هناك من الناس من هو أهل ومع ذلكم يقع منه الخطأ، من يعرى من الخطأ؟ "منهم أبو الوليد هشام بن عبد الملك الوقشي لكثرة مطالعته وافتنانه" صاحب فنون وعلوم، وصاحب اطلاع واسع، ومعرفةٍ تامة، ومع ذلكم وقع فيما وقع فيه.
قال: "وقد غلط في أشياء من ذلك، وكذلك غيره ممن سلك مسلكه" ممن يهجم على الكتب ويصحح، قال: "والأولى سد باب التغيير والإصلاح؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وينبه على ذلك عند السماع" يقرأ الخطأ ويصحح ويقول: الصواب كذا.
"وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل أن أباه كان يصلح اللحن الفاحش" اللي ما له تأويل، الذي ليس له محمل صحيح، "ويسكت عن الخفي السهل، قلتُ: ومن الناس من إذا سمع الحديث ملحونًا عن شيخ ترك روايته" حديث فيه لحن يتركه لا حاجة له به؛ لأنه إن تركه على الخطأ مشكل، وإن صححه وهجم عليه وصححه مشكل؛ "لأنه إن تبعه في ذلك فالنبي -﵊- لم يكن يلحن، وإن رواه عنه على الصواب فلم يسمعه كذلك" ما سمع من شيخه هذا، فلا بد أن يخطئ في حق النبي -﵊-، أو يخطئ في حق الشيخ الذي روَّاه الحديث، نعم.
[ ١٢ / ١٢ ]
فرعٌ: وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلومٌ فلا بأس بإلحاقه، وكذلك إذا اندرس بعض الكتاب فلا بأس بتجديده على الصواب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [(٢٢٠) سورة البقرة].
يقول -﵀-: "وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلومٌ فلا بأس بإلحاقه" إذا سقط كلمة وأنت تنسخ من المتن في نسبة راوٍ، أو متن حديث، فإنه لا بأس بإلحاقه إذا كانت معلومة محفوظة عند من ألحقها، "وكذلك إذا اندرس بعض الكتاب" تمزقت أطرافه، أو قصه المجلِد حينئذٍ لا بأس بتجديده، وكتابة ما يغلب على الظن أنه صواب، لكن إن تيسر له نسخة أخرى يرجع إليها فهو الأصل، إن لم يتيسر له ذلك يجتهد في ربط الكلام، ويبين أنه هو الذي ألحق هذه الكلمات الساقطة، والله -﷾- يقول: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [(٢٢٠) سورة البقرة] لأن هذا نيته الإصلاح ما نيته الإفساد، ولذا جُوِّز صنيعه على أن يبين أنه هو الذي ألحق هذه الأشياء الساقطة، نعم.
فرعٌ آخر: وإذا روى الحديث عن شيخين فأكثر وبين ألفاظهم تباينٌ فإذا ركب السياق من الجميع كما فعل الزهري في حديث الإفك حين رواه عن سعيد بن المسيب وعروة وغيرهما عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وقال: كلٌ حدثني طائفةً من الحديث، فدخل حديث بعضهم في بعض، وساقه بتمامه فهذا سائغٌ، فإن الأئمة قد تلقوه عنه بالقبول، وخرجوه في كتبهم الصحاح وغيرها، وللراوي أن يبين كلَّ واحدةٍ منها عن الأخرى، ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان، وتحديثٍ وإخبارٍ وإنباء، وهذا مما يعنى به مسلمٌ -﵀- تعالى في صحيحه ويبالغ فيه، وأما البخاري فلا يعرج غالبًا على ذلك، ولا يلتفت إليه، وربما تعاطاه في بعض الأحايين، والله أعلم، وهو نادر.
[ ١٢ / ١٣ ]
يقول: "إذا روى الحديث عن شيخين فأكثر" وكان بين ألفاظ هؤلاء الشيوخ تباين فالمسألة لا تخلو: أن يكون هؤلاء الشيوخ كلهم ثقات، أو فيهم الثقات والضعفاء، فإن كانوا ثقات فلا إشكال في جمعهم وسياق خبرهم مساقًا واحدًا، كما حصل من الزهري في حديث الإفك؛ لأنه إن كانت هذه الجملة من رواية سعيد وعروة، من رواية سعيد أو من رواية عروة، أو من رواية غيرهما من الثقات، فالأمر متردد بين ثقتين ولا إشكال حينئذٍ، وإن كان فيهم الثقة والضعيف فلا بد من فصل ما يرويه الضعيف عما يرويه الثقة؛ لئلا يلتبس الأمر، إذا قلت: حدثني فلان وفلان وبعضه عن فلان الثقة وبعضه عن فلان الضعيف لا بد أن تميز؛ لئلا تنسب هذا ما رواه الضعيف إلى ذلك الثقة، فيحصل اللبس على القارئ فيثبت الخبر، أو فيثبت ما ليس بثابت، أو يتردد في رواية ما رواه الثقة، فيكون فعلك سببًا في رد ما ثبت عن النبي -﵊-، وكلاهما قبيح، لا شك أن رد الثابت قبيح، وإثبات غير الثابت أيضًا شنيع.
"فإن الأئمة قد تلقوه عنه بالقبول" يعني تلقوا حديث الإفك عن الزهري بالقبول، وإن كان أدرج بعض ألفاظ الرواة في بعض، لماذا؟ لأنهم كلهم ثقات، "وخرجوه في كتبهم الصحاح وغيرها، وللراوي أن يبين كل واحدةٍ منها عن الأخرى، ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان" لا شك أن هذا هو الأحوط، هذا هو الأحوط أن يبين رواية عروة ويبين رواية سعيد ورواية غيرهما، ولو كانوا ثقات لا شك أن هذا هو الأحوط، لكن إذا جمعهم فالأمر لا يعدوهم، وهم كلهم ثقات، "ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان، وتحديثٍ وإخبارٍ وإنباء" حتى يبين ما بين صيغ الأداء من فروق، يذكر أن هذا يقول: حدثنا، وقال ذاك: أخبرنا، وقال ذاك: أنبأنا إلى آخره، وهذه الفروق يعتني بها مسلم -رحمه الله تعالى-، ويميز بعضها عن بعض بدقة، فيقول: حدثنا فلان وفلان وفلان قال الأول: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا، يبين أيضًا في ألفاظ المتون فروق الروايات بالحرف، "وأما البخاري فإنه لا يعرج على ذلك" لأن المسألة مفترضة في مجموعة من الثقات، سواءً رووه بهذا اللفظ أو بذاك فالأمر لا يعدوهم، ربما. . . . . . . . . بعض الأحايين ربما لكنه قليل، نعم.
[ ١٢ / ١٤ ]
فرعٌ: وتجوز الزيادة في نسب الراوي إذا بين أن الزيادة من عنده، وهذا محكيٌ عن أحمد بن حنبل وجمهور المحدثين، والله أعلم.
انتهى الوقت؟ نواصل القراءة؟ نقف يا شباب على هذا الفرع، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.